مقالات وآراء

عصام لالا يكتب: دولة الأمن أم دولة الابتكار؟ سؤال مطروح لتفكير السيد الرئيس اثناء زيارته الاسيوية

وأنا أكتب هذه السطور، يقوم الرئيس السيسي بجولة آسيوية تشمل كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا؛ ثلاث دول لا تستحق الزيارة فقط بحثًا عن الاستثمار، وإنما تستحق أيضًا أن نتأمل كيف بنت كل منها دولة قادرة على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والابتكار.

وهنا يبرز سؤال أكبر من مجرد نتائج الزيارة أو الاتفاقيات التي ستُوقّع خلالها:

ماذا يحدث عندما تصبح الدولة مرتبطة بشخص الحاكم أكثر من ارتباطها بالمؤسسات؟

ماذا فعل صدام حسين، وحافظ الأسد، ومعمر القذافي، وعلي عبدالله صالح، والبشير بعد عقود طويلة من بقائهم في السلطة؟

بعيدًا عن اختلاف تجاربهم وأنظمتهم، هناك درس مشترك يستحق التأمل. عندما يصبح الحفاظ على النظام والسيطرة أولوية تتقدم على بناء مؤسسات قادرة على التطور، تصبح الدولة مع الوقت أكثر اعتمادًا على الحاكم، وأقل قدرة على إنتاج مسار مستقل ومستدام.

والسؤال الحقيقي لا يظهر فقط أثناء وجود الحاكم، وإنما بعده:

هل ترك وراءه مؤسسات قادرة على العمل والتطور، أم ترك دولة اعتادت أن تستمد اتجاهها من شخص واحد؟

التاريخ القريب في المنطقة يقدم أمثلة لدول عانت، بعد سقوط أنظمتها، من صعوبة بناء مسار مؤسسي مستقر تستطيع من خلاله مواصلة عملية التطوير.

وعلى الجانب الآخر، هناك تجارب آسيوية مختلفة.

كوريا الجنوبية، وماليزيا، وإندونيسيا، وسنغافورة، رغم اختلاف أنظمتها وتجاربها السياسية، أدركت أن بناء الدولة لا يتوقف عند الأمن والاستقرار، وإنما يحتاج إلى تعليم، وكفاءات، وإدارة حديثة، وتصنيع، وتكنولوجيا، وبحث علمي، وابتكار، وانفتاح على العالم.

كوريا الجنوبية تحولت خلال بضعة عقود من دولة فقيرة خرجت من حرب إلى اقتصاد متقدم في التكنولوجيا والابتكار، من خلال الاستثمار المستمر في التعليم والبحث والتطوير والصناعة والبنية التحتية.

وسنغافورة بنت نموذجًا يعتمد بصورة كبيرة على رأس المال البشري، وجودة الإدارة والخدمات العامة، والتحول الرقمي، والقدرة على جذب المعرفة والاستثمار.

أما ماليزيا وإندونيسيا، فقد قطعتا أيضًا شوطًا كبيرًا في التصنيع وتنويع الاقتصاد والاندماج في الاقتصاد العالمي والاستثمار في رأس المال البشري والتكنولوجيا.

وهنا يصبح السؤال بالنسبة لمصر أكبر من مجرد مقارنة اقتصادية.

كيف نريد مصر في 2030؟

هل نريد دولة يكون معيار نجاحها الأساسي هو قدرتها على حفظ الاستقرار؟

أم نريد دولة يكون معيار نجاحها أيضًا قدرتها على إنتاج المعرفة، واستثمار الكفاءات، وتشجيع التفكير المختلف، وتطوير الإدارة، واستخدام التكنولوجيا، وخلق اقتصاد قادر على المنافسة عالميًا؟

المشكلة أن جزءًا كبيرًا من النقاش المصري ما زال محصورًا في سؤال:

من يحكم؟

بينما السؤال الذي يجب أن يشغلنا أكثر هو:

كيف تُدار الدولة؟

فالدول التي وصلت إلى ما وصلت إليه لم تكن تنتظر دائمًا «القائد الملهم» ليخبرها إلى أين تذهب. لقد بنت مؤسسات، ووضعت سياسات طويلة المدى، واستثمرت في الإنسان، وأعطت مساحة للخبرة والكفاءة، وربطت التعليم والبحث العلمي والصناعة بالتكنولوجيا والاقتصاد.

ومن هنا تصبح الجولة الآسيوية الحالية فرصة للتأمل، وليس فقط فرصة لجذب الاستثمارات.

فحين يلتقي الرئيس في كوريا الجنوبية بالشركات الكبرى، ويتحدث عن نقل التكنولوجيا وبناء القدرات والابتكار والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، فإن السؤال الأهم بالنسبة لنا ليس فقط:

ماذا يمكن أن تنقل هذه الشركات إلى مصر؟

بل:

ماذا يمكن أن نتعلم من الدول التي أصبحت تنتج هذه التكنولوجيا وتصدرها للعالم؟

نحن لا نحتاج فقط إلى استيراد التكنولوجيا.

نحتاج إلى تغيير طريقة إدارة الدولة نفسها.

نحتاج إلى الانتقال من دولة يكون فيها الأمن أحد أهم أدوات حماية الدولة، إلى دولة يكون فيها الأمن جزءًا من منظومة أكبر: مؤسسات قوية، وقانون، وكفاءة، وشفافية، واقتصاد منتج، وتعليم حديث، وابتكار، وقدرة على التجدد.

وهذا لا يعني إلغاء دور الأمن أو التقليل من أهميته.

بل يعني أن تكون لدينا دولة تستطيع أن تحمي نفسها من دون أن تخاف من التفكير المختلف، وأن تتطور من دون أن تنتظر توجيهًا لكل تفصيلة، وأن تستمر حتى عندما يتغير الأشخاص.

لقد اقتربنا من نهاية مرحلة طويلة في تاريخ مصر الحديث.

وإذا حسبنا الفترة من 2014 إلى 2030، فنحن نتحدث عن نحو 16 عامًا من حكم رئيس واحد.

وربما تكون السنوات الثلاث المتبقية فرصة حقيقية لطرح السؤال الذي يتجاوز شخص الرئيس نفسه:

ماذا نريد أن نترك لمصر في 2030؟

هل نترك نظامًا يعتمد على استمرار الشخص؟

أم نترك دولة تستطيع أن تستمر بقوة مؤسساتها، وتُدار بالكفاءة، وتضع الابتكار والمعرفة والتكنولوجيا في قلب مشروعها الوطني؟

ربما تكون هذه هي النقلة الأهم التي تحتاجها مصر:

من دولة تخاف من المستقبل إلى دولة تصنع المستقبل.

من دولة الفرد إلى دولة المؤسسة.

ومن إدارة تحافظ على الموجود إلى إدارة تبتكر ما هو أفضل.

فالدولة القوية ليست فقط التي تستطيع أن تحافظ على أمنها.

الدولة القوية هي التي تستطيع أن تبني مستقبلها.

ملحوظة مهمة : أرجو ألا يُقتبس كلامي أو يُستند إليه من أي قناة أو منصة إخوانية في الخارج، حتى لا يتحول النقاش حول إصلاح مصر إلى صراع أو استقطاب سياسي.

أنا أؤمن أن إصلاح مصر وتغييرها يجب أن يأتي من الداخل، بأيدي أبنائها ومؤسساتها الوطنية، وبشكل طبيعي وتدريجي، بعيدًا عن الفوضى أو أي تدخل خارجي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى