مقالات وآراء

محمد أبو عجور يكتب: لماذا يريدون حلَّ الإخوان؟ المعركة على وجود المشروع الإسلامي المنظَّم

ليس أخطر ما يحدث اليوم أن تُنتقد جماعة الإخوان المسلمين؛ فهم بشر يخطئون ويصيبون، وتجربتهم تحتاج إلى مراجعة ونقد وإصلاح.

الخطر يبدأ عندما يتحول نقد الجماعة إلى دعوة لإنهاء فكرة العمل الإسلامي المنظم نفسها.

وهنا يبرز السؤال: لماذا يتكرر منذ سنوات شعار: «لماذا لا يحل الإخوان أنفسهم؟»

القصة ليست جديدة.

منذ أواخر الأربعينيات تعرض الإخوان للحل والاعتقال، ثم جاءت الحقبة الناصرية بالسجون والتعذيب والإعدامات والحظر. وفي عهد مبارك استمرت الاعتقالات والمحاكمات العسكرية، واشتد الضغط بعد نجاح الإخوان في انتخابات 2005 وحصول مرشحيهم على 88 مقعدًا.

ثم جاءت الضربة الكبرى بعد 2013، وفي فض اعتصام رابعة وما صاحبه من عمليات قتل واسعة.

ومع ذلك، لم تؤدِّ هذه الأحداث إلى اعتراض من القوى الدولية الكبرى؛ إذ استمرت المصالح والعلاقات والتعاون الأمني والعسكري مع النظام، كذلك بقي ملف المعتقلين والانتهاكات دون أي ضغط دولي.

لماذا الإخوان تحديدًا؟

لأن الإخوان لم يقدموا أنفسهم تاريخيًا كجماعة وعظية فقط، بل كمشروع إسلامي اجتماعي وتربوي وسياسي منظم، يجمع بين الدعوة والتربية والعمل المجتمعي والمشاركة السياسية وبناء المؤسسات.

وتميزت دعوتهم، في مراحل واسعة من تاريخها، بخطاب إسلامي وسطي، وبقدرة على الوصول إلى شرائح اجتماعية مختلفة، وبناء كوادر، وإنشاء شبكات تعليمية واجتماعية وخيرية وسياسية، والامتداد خارج حدود الدولة الواحدة.

ولهذا فالصراع معهم لا يتعلق بمجرد وجود أفراد متدينين، وإنما بوجود مشروع إسلامي يمتلك أدوات للتأثير والاستمرار وتغيير الوعي المجتمعي.

وهنا تكمن حساسية المسألة.

ففي يناير 2026 صنفت الولايات المتحدة فرعي الإخوان في مصر والأردن ضمن الكيانات الإرهابية العالمية المحددة، واتخذت إجراءات ضد الجماعة الإسلامية في لبنان، في سياق سياسة أمريكية قالت إنها تستهدف الفروع المتهمة بدعم حماس أو الإرهاب.

وفي فرنسا جاء التقرير الحكومي سنة 2025 بعنوان: «الإخوان المسلمون والإسلام السياسي في فرنسا»، بما يوسع دائرة النقاش من الجماعة ذاتها إلى ظاهرة الإسلام السياسي.

أما تقرير حكومي إسرائيلي صدر في فبراير 2026، فتناول ما سماه «الإسلاموية القانونية»؛ أي النشاط الذي يتحرك عبر المساجد والجمعيات والتعليم والعمل المدني والسياسي داخل حدود القانون، واعتبر هذه الشبكات تحديًا استراتيجيًا.

وهنا يُطرح سؤال مهم:

إذا كان الإسلامي عنيفًا قيل: إرهابي.

وإذا ترك العنف وخاض الانتخابات قيل: إسلام سياسي.

وإذا أنشأ جمعية أو مؤسسة تعليمية قيل: بناء نفوذ.

وإذا عمل لفلسطين قيل: شبكة مرتبطة بحماس.

فما المجال الذي يراد أن يبقى متاحًا للإسلامي المنظم؟

هذه هي القضية الأساسية.

المشكلة، بالنسبة إلى بعض خصوم الإسلام السياسي، لا تبدأ من التدين الفردي، بل من تحول هذا التدين إلى قدرة اجتماعية وسياسية ومؤسسية مستقلة.

فالفكرة الفردية محدودة الأثر، أما الفكرة التي تملك تنظيمًا ومؤسسات فتستطيع الاستمرار والتأثير والمنافسة.

ومن هنا يجب التمييز بين أمرين:

إصلاح التنظيم شيء، وتفكيك القدرة الإسلامية المنظمة شيء آخر.

وللأسف انتقل بعض الإسلاميين من نصح أو نقد الإخوان، وهو حق مشروع، إلى نتيجة مختلفة تمامًا:

«إذن فليحل الإخوان أنفسهم».

لكن الخطأ لا يستلزم الإلغاء.

فإذا أخطأ حزب نغير قيادته وبرنامجه، وإذا فشلت مؤسسة نعيد هيكلتها، ولا تصبح الأخطاء بذاتها حجة على إنهاء فكرة المؤسسة.

والأخطر أن يتحول الإسلاميون أنفسهم، تحت ضغط الهزيمة أو الملاحقة، إلى تبني منطق:

لا تنظيم.

لا عمل سياسي إسلامي.

لا تعاون عابر للحدود.

لا مؤسسات قوية.

لا تمويل مستقل.

وعندها لا تعود المشكلة في حل جماعة واحدة، بل في تفكيك القدرة الجماعية للمشروع الإسلامي كله.

وهذا لا يعني تقديس الإخوان.

فالجماعة ليست دينًا، ولا اسمها مقدسًا، ويمكن أن تتغير قيادتها وبنيتها ولوائحها وأدواتها وحتى شكلها التنظيمي إذا اقتضت المصلحة ذلك.

لكن السؤال الحقيقي ليس:

هل نبقي الإخوان كما هم؟

بل:

هل نصلح التجربة، أم ننهي معها فكرة العمل الإسلامي المؤسسي؟

المشروع الإسلامي يحتاج إلى مراجعة فكرية، وإصلاح تنظيمي، وتجديد في القيادة، ومؤسسية ومحاسبة.

لكنه يحتاج أيضًا إلى مؤسسات قادرة على حمل أفكاره وتحويلها إلى عمل اجتماعي وسياسي وثقافي مستمر.

فالأفكار بلا مؤسسات تظل محدودة الأثر.

أما الأفكار التي تستطيع بناء الإنسان والمؤسسة والاستمرار عبر الأجيال، فهي التي تملك القدرة على التأثير في التاريخ.

محمد أبو عجور

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى