مقالات وآراء

الدكتور عدنان منصور يكتب: بدأ العد العكسي في المنطقة… أهو للحرب أم للتسوية!

لم تسفر المفاوضات الأميركية الإيرانية حتى اليوم عن نتيجة إيجابية، بعد أن وصلت إلى عقدة يرفض كلٌّ من الطرفين تقديم تنازلات حساسة تمسّ مصالحه. إيران من جهتها تشترط رفع الحصار وفتح مضيق هرمز، وتنفيذ بنود مذكرة الاتفاق المرحلية مع الولايات المتحدة، بينما تريد واشنطن تنازلات إيرانية ملموسة يحرص عليها الجانبان الأميركي و”الإسرائيلي”، لا سيما المتعلق منها بالملف النووي الإيراني، قبل أن تقوم واشنطن بتقديم المقابل.
أمام الجمود الحاصل في المفاوضات، يبدو أنّ الأسابيع المقبلة شديدة الحساسية، ومليئة بالمفاجآت، خاصة أنّ كلاً من الرئيس الأميركي ترامب ورئيس الوزراء “الإسرائيلي” نتنياهو أمام استحقاق انتخابي مفصلي، وبالذات ترامب الذي يجد نفسه أمام نافذة سياسية ضيقة، وهو الذي يريد إنهاء الحرب، والوصول إلى اتفاق قبل أن تصبح نفقات الحرب على الاقتصاد الأميركي ـ وبالذات أسعار الطاقة ـ أكثر حضوراً وتأثيراً في الانتخابات النصفية للكونغرس التي ستجري بعد 25 يوماً من الآن، إذ تشير التقارير إلى أنّ الحرب أصبحت تشكل فعلاً مشكلة انتخابية للإدارة الأميركية، لأنّ الضغط العسكري والاقتصادي الذي يمارسه ترامب على إيران لم يؤدّ إلى التسوية التي يريدها على طريقته الخاصة، وأنّ أيّ تنازلات كبيرة يقدّمها لإيران ستفسّر في الداخل الأميركي على أنها تراجع عن تحقيق الأهداف التي من أجلها شنّت الولايات المتحدة الحرب على إيران! هنا يتبيّن أنّ هامش المناورة أمام ترامب يضيق في اتجاهات ثلاثة:
1 ـ إما أن يتوصل ترامب إلى اتفاق سريع مع طهران وفق شروط معقولة يمكن تسويقها في الداخل الأميركي.
2 ـ إما تصعيد عسكري سريع وحاسم، لإجبار إيران على تعديل شروطها ووضعها أمام الأمر الواقع.
3 ـ إما الاستمرار بحرب استنزاف، وهذا خيار له تداعياته السياسية والاقتصادية والمالية الكبيرة على أميركا والعالم.
لكن ماذا عن نتنياهو الذي لديه خيارات أخرى متباينة وهو على بعد 18 يوماً من انتخابات الكنيست، حيث ترامب لم يعلن حتى الآن عن تأييده لإعادة انتخابه، وهو الذي سبق له أن وجه رسالة رسمية إلى رئيس الكيان الإسرائيلي إسحاق هرتزوغ يطالبه فيها بإنهاء “الملاحقة السياسية غير المبررة والحرب القانونية” ضدّه، معتبراً أنّ العفو ضروري لوحدة “إسرائيل”.
خلاف ترامب ونتنياهو ظهر بوضوح خلال الأشهر الماضية حول إيران، وغزة، ولبنان، وسورية. ترامب يريد دفع دول المنطقة إلى تسويات واسعة، فيما نتنياهو يرى أنّ الحرب والضغط العسكري على إيران كفيلان بأن يحققا الأهداف السياسية والأمنية لـ “إسرائيل”.
لذلك تعتبر الفترة القصيرة قبل انتخابات الكنيست بالنسبة لنتنياهو أخطر وأدقّ فترة يواجهها.
ماذا عن إيران التي تراهن على عامل الوقت، ومستعدة لمواجهة أيّ عدوان عليها، ولا تتقيّد بمهلة زمنية ضاغطة كالتي يشهدها ترامب ونتنياهو؟! إيران رغم الحصار والعقوبات القاسية المفروضة عليها، ليست في وارد تقديم تنازلات قبل تحقيق مطالبها الرئيسة. واشنطن تريد من إيران تنازلات مهمة ترتبط بعدة ملفات في طليعتها الملف النووي الإيراني، لكن طهران تربط فتح المضيق، وعودة الملاحة، بالتزام واشنطن بمذكرة الاتفاق نصاً وروحاً.
إذا كان المسار الحاليّ لا يشير إلى اتفاق قريب مؤكد، وأنّ الجمود لا يزال سيد الموقف، فليس من المستبعد مطلقاً أن يقوم كلٌّ من ترامب ونتنياهو بضربة أميركية أو “إسرائيلية” محدودة، يتبعها ردّ إيراني، يؤدي إلى تدهور وتدحرج الأحداث. لكن إذا ما تخلّت واشنطن وتل أبيب عن فكرة الحرب قبل الانتخابات النصفيّة وانتخابات الكنيست، سيصبح لدى أميركا و”إسرائيل” فيما بعد حرية أكبر لاتخاذ قرارات معقدة كان صعباً عليهما اتخاذها قبل الانتخابات!
إذا كان هدف ترامب ونتنياهو المشترك يصبّ في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فإنّ الخلاف بينهما يتعلق في كيفية إنهاء الحرب. ترامب يريد نتائج سياسية يقدّمها للأميركيين على أنها إنجاز كبير، فيما نتنياهو يرفض أن تحقق المفاوضات لإيران مكاسب استراتيجية وازنة، حتى لا يواجه اعتراضات كبيرة من الداخل الإسرائيلي.
هل يتمّ الاتفاق في اللحظة الأخيرة بين واشنطن وطهران على مضيق هرمز مع تأجيل البحث في الملف النووي، وتناوله لاحقاً؟! أم أنّ نتنياهو سيستبق الأمور لتوجيه الضربات المباشرة ضدّ إيران، أو اللجوء إلى استخدام لبنان كورقة ضغط إذا تعثرت التسوية بين واشنطن وطهران؟! ليس من المستبعد في حال بقاء المسار الأميركي الإيراني مسدوداً، أن ينتقل الضغط العسكري الأميركي الإسرائيلي إلى مناطق أخرى في المنطقة، لأنّ أطراف النزاع ستبحث عن أوراق ضغط بديلة تعوّض عن تعطيل المفاوضات الأساسية.
المنطقة تدخل الآن في أجواء رمادية قاتمة بانتظار ما سيُتخذ من قرار، فهل ستنجح الوساطات في تحقيق تسوية قبل أن تتحوّل الانتخابات إلى عامل ضغط إضافي، لأنّ فشلها سيشرّع الأبواب أمام تصعيد سريع وحاسم، أخطر بكثير مما سبقه من عمليات عسكرية.
إذا كان نتنياهو يرى أنّ واشنطن ليست مستعدة أن تمنحه حرية التصرف العسكري ضدّ إيران، كالتي كانت ممنوحة له في بداية الحرب، إلا أنّ هذا لن يمنعه من توجيه ضربة لإيران، وإنْ أدّت الضربة إلى تعريض المصالح الأميركية للخطر، إذ إنّ نتنياهو على يقين من أنّ الضربة ستجعل ترامب يجد نفسه أمام خيار التدخل، وإنْ لم يطلب منه ذلك. لأنّ ضربة عسكرية يشنّها العدو ضدّ إيران ستنتج عنها ردود فعل خطيرة لا يمكن لترامب تجاهلها، مما يحتّم عليه المشاركة العملية في الحرب. بذلك يضع نتنياهو ترامب أمام أمر واقع يصعب عليه تجاوزه. لكن هل يستطيع نتنياهو أن يمنع تحوّل الضربة الخاطفة إلى حرب طويلة يصعب عليه التحكم بمسارها، أو احتواؤها؟!

إنّ الفترة الممتدة من الآن وحتى 27 تشرين الأول/ أكتوبر تتطلب مراقبة شديدة في حال قامت “إسرائيل” بتحريك سلاح الجو، وتعبئة الاحتياط، أو إجلاء دبلوماسيين ورعايا أجانب، فهذه ستكون مؤشراً قوياً لخوض حرب ثالثة ضدّ إيران! فهل يخوضها ترامب أو نتنياهو، أو كلاهما معاً؟!
يبقى على دول المنطقة أن تضع في حساباتها أنّ الضامن لها ليست واشنطن ولا تل أبيب، ولا القواعد العسكرية. إذا ما اندلعت الحرب مرة أخرى، فإنّ المنطقة ستشهد المزيد من الدمار والخراب، وستفرغ خزائن دولها، حيث إنّ مصانع الأسلحة الأميركية والأوروبية تمتصّ عشرات المليارات، فيما الشركات الغربية تبقى في حالة تأهّب دائم لإعادة بناء ما هدمته الحرب. الرابح الوحيد هي الولايات المتحدة التي تحصد المليارات من بيعها للسلاح في زمن السلم، ومن ثم تحصد شركاتها الأرباح عند إعادة بناء ما تهدّم أثناء الحرب. بذلك تكون دول المنطقة بمثابة مصل يجري في شرايين الخزانة الأميركية في زمن السلم وفي زمن الحرب!
هل هي صدفة أنّ معظم الحروب والاضطرابات والفوضى، والصراعات في العالم، تجد بيئتها الحاضنة في العالمين العربي والإسلامي! أهي بسبب الغرب و”إسرائيل” أم لأنّ دول المنطقة أضاعت البوصلة، وارتمَت في حضن إمبراطورية لا يهمّها سوى مصالحها، حتى ولو سحقت في طريقها دولاً وشعوباً.
متى يدرك العرب أنّ الترياق لا يأتي من واشنطن وتل أبيب، الترياق موجود لديهم إذا عرفوا فعلاً كيف يستخدمونه، حتى تصحو المنطقة من رهاناتها وأوهامها، وتفك قيودها من جديد؟؟…

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى