مقالات وآراء

د. وصفي أبو زيد يكتب: محمد عبد اللطيف دراز.. العالم الثائر في وجه الاحتلال والاستبداد

في أيام ثورة 1919م، كان الإنجليز يطاردون شيخًا أزهريًّا شابًّا، لم يتجاوز التاسعة والعشرين من عمره، يتنقل بين الجماهير، ويخطب في المساجد والكنائس، ويشارك في تنظيمب الحرس الوطني، حتى عرفه الثوار بلقب “حكمدار القاهرة”، فلم يكن يحمل سلاحًا يوازي سلاح الاحتلال، ولكنه كان يملك ما يخشاه المستعمرون أشد الخشية: كلمة تجد طريقها إلى القلوب، وشجاعة تدفع صاحبها إلى مقدمة الصفوف، وقدرة على جمع المصريين في وقت كان تفريقهم فيه أحد أخطر أسلحة الاحتلال، وكان ذلك الشيخ، الذي اضطر إلى التخفي فرارًا من الملاحقة، ثم ذاق الاعتقال والفصل من وظيفته، هو محمد عبد اللطيف دراز، أحد الوجوه البارزة في تاريخ الأزهر والحركة الوطنية المصرية، وهو غير العلامة محمد عبد الله دراز صاحب كتاب: “دستور الأخلاق في القرآن الكريم”.

والعجيب في سيرته أن ثورة 1919م لم تكن إلا فصلًا من حياة حافلة بالمواجهات؛ فقد عرفته مصر مدرسًا يغرس حب الوطن في نفوس طلابه، وخطيبًا يجمع المسلمين والمسيحيين على مقاومة الاحتلال، ونائبًا يتصدى لتقييد حرية الصحافة، ومسؤولًا أزهريًّا يبلغ وكالة الأزهر ثم يغادرها في أجواء الخلاف مع السلطة، وكان حاضرًا كذلك في قضايا فلسطين وليبيا وحركات التحرر الإسلامي، فمن أين جاء هذا العالم الذي جمع بين العلم والثورة؟ وكيف استطاع أن يعبر عهودًا سياسية متباينة، محتفظًا بشخصيته وحضوره، حتى أصبح اسمه جزءًا من تاريخ النضال الوطني، وإن لم تنل سيرته من الذيوع ما نالته سير رجال آخرين؟ نص ملصق

عالم صنعته محاريب الأزهر وصقلته ميادين الوطن

ولد محمد عبد اللطيف دراز في السابع من يونيو سنة 1890م بقرية محلة دياي التابعة لمركز دسوق بمحافظة كفر الشيخ، في بيئة ريفية كان للزراعة فيها سلطانٌ على حياة الناس وأحلام الصغار، وتروي بعضُ أخبار طفولته أنه كان مولعًا بالحقول والعمل فيها، قليل الميل إلى الكُتّاب، حتى كان يهرب منه أحيانًا، غير أن والده أصر على تعليمه وإلحاقه بطريق العلماء، ومهما يكن من أمر هذه الرواية، فإن الثابت أن الفتى مضى في طلب العلم، وحفظ القرآن الكريم، وأتقن تلاوته في الرابعة عشرة من عمره، ثم انتقل إلى معهد الإسكندرية الديني، حيث بدأت تتشكل شخصيتُه العلمية والفكرية.

وكان معهد الإسكندرية يومئذ من البيئات الأزهرية التي شهدت عناية بالتعليم والإصلاح، وقد تلقى دراز العلم على عدد من شيوخه، منهم الشيخ عبد الله دراز – والد محمد عبد الله دراز، المشار إليه قبل قليل – والشيخ عبد المجيد الشاذلي، واتصل بالأجواء العلمية التي أسهم في بنائها الشيخ محمد شاكر، والد الشيخين: محمود وأحمد – وحصل على الشهادة العالمية سنة 1916م، وهو في السادسة والعشرين من عمره، بعد أن درس علوم الشريعة والعربية، وتهيأ للعمل في التعليم الأزهري، غير أن تكوينه لم يقتصر على ما تلقاه في حلقات الدرس؛ فقد كانت مصر تعيش صراعًا محتدمًا مع الاحتلال البريطاني، وكانت الدعوة إلى الاستقلال والإصلاح تستولي على عقول جيل كامل من الشباب، فوجد دراز نفسه مشدودًا إلى هذه القضايا، يتابع رجالها ويتصل بحركاتها.

وكان للشيخ عبد العزيز جاويش أثرٌ ظاهر في توجيهه الوطني، كما ارتبط بالحزب الوطني الذي أسسه مصطفى كامل، وانخرط في نشاطه منذ شبابه، وفي تلك البيئة التقى الوعي الديني بالشعور الوطني، وامتزجت الدعوة إلى إصلاح التعليم بمقاومة الاحتلال، وتعلم الشاب الأزهري أن للعلم رسالة تتجاوز حدود المدرسة، وأن الأمة التي تريد الاستقلال تحتاج إلى بناء العقول والنفوس بقدر حاجتها إلى مواجهة القوة التي تحتل أرضها.

وحين بدأ التدريس، عُهد إليه بتعليم التاريخ والجغرافيا والحساب والإنشاء، وتروي شهاداتٌ عن تلك المرحلة أنه كان يستثمر دروسه في تنمية الوعي الوطني لدى طلابه، ويحدثهم عن كرامة مصر وحقوق أهلها، مستعينًا بما يدرسه من تاريخ الأمم وأحوال الشعوب، ولم تكن هذه المواد بعيدة عن اهتماماته؛ فالتاريخ يفتح أعين الناشئة على مصائر الدول، والجغرافيا تعرفهم بأوطانهم والعالم من حولهم، واللغة تمنحهم القدرة على التعبير عن أفكارهم والدفاع عنها، وهكذا وجد دراز في التعليم ميدانًا مبكرًا لخدمة القضية التي ستستغرق جانبًا كبيرًا من حياته.

وكان من أبناء جيل أزهري أدرك أن مصر تمر بمرحلة لا يكفي فيها أن يحسن العالم أداء وظيفته التعليمية، ثم ينصرف عما يجري خارج أسوار معهده، فقد كانت البلاد تحت الاحتلال، وكانت الحريات عرضة للمصادرة، وكان المجتمع يتطلع إلى قادة يثق بعلمهم وصدقهم، ولما جاءت اللحظة التي احتاج فيها الوطن إلى هؤلاء الرجال، كان دراز قد تهيأ لها بعلمه وصلاته الوطنية وقدرته على مخاطبة الناس.

عمامة في قلب الثورة.. دراز وثورة 1919م

اندلعت ثورة 1919م، فخرج المصريون يطالبون بالاستقلال، وامتلأت الشوارع بالمظاهرات، وتقدمت المؤسسات الوطنية والدينية إلى ساحة المواجهة، وكان الأزهر في قلب هذه الحركة، بما يملكه علماؤه من مكانة بين الناس وقدرةٍ على التعبئة والتوجيه، وفي تلك الأيام برز الشيخ محمد عبد اللطيف دراز بين العلماء الشبان الذين حملوا عبء المشاركة في الثورة، إلى جانب الشيخ مصطفى القاياتي والشيخ محمود أبو العيون وغيرهما ممن أدركوا أن مقاومة الاحتلال واجب لا يجوز التخلف عنه.

وكان دراز قد اتصل بسعد زغلول عن طريق الصحفي الوطني أمين الرافعي، واتسعت علاقاتُه برجال الحركة الوطنية، فجمع بين خبرته السابقة في الحزب الوطني وبين مشاركته في الثورة الشعبية الكبرى، وأخذ يخطب في الجماهير، ويشارك في تنظيم حركتها، ويؤدي أدوارًا تجاوزت الوعظ والخطابة.

وتذكر المصادر أنه تولى قيادة الحرس الوطني الذي تشكل في أثناء الثورة للمساعدة في حفظ الأمن وحماية الناس والممتلكات، وأنه عرف في هذا التنظيم بلقب “حكمدار القاهرة”، وكان للّقب دلالتُه؛ إذ يشير إلى ثقة الثوار في قدرته على التنظيم وتحمل المسؤولية، في وقت كانت فيه القاهرة تموج بالغضب والمظاهرات والمواجهات مع قوات الاحتلال.

ولم يكن حفظ الأمن في تلك الظروف مهمة يسيرة؛ فالثورة التي تواجه قوة محتلة تحتاج إلى حماية وحدتها الداخلية، وإلى الحيلولة دون استغلال الفوضى لتبرير القمع أو ضرب الحركة الوطنية، وكان دراز حاضرًا في هذا الجانب من العمل الثوري، كما كان حاضرًا في الميادين وعلى المنابر، حتى أصبح من الشخصيات التي تلاحقها سلطات الاحتلال وتسعى إلى إسكاتها.

ومن أروع صفحات تلك الثورة ما صنعه المصريون من وحدة وطنية أفسدت على الاحتلال محاولاتِ الوقيعة بين المسلمين والمسيحيين، وكان للشيخ دراز نصيب بارز في هذه الصفحة؛ فقد أسرع إلى الكنائس يخطب فيها، ويطمئن الأقباط إلى أن معركة الاستقلال معركتهم جميعًا، وأن الوطن يتسع لأبنائه على اختلاف أديانهم، وأن حماية أرواح الناس وأموالهم وصيانة أمنهم من صميم المسؤولية التي يحملها العلماء والوطنيون.

وتذكر الروايات أن عددًا من علماء الأزهر ساروا في هذا الطريق، منهم الشيخ مصطفى القاياتي والشيخ الزنكلوني والشيخ محمود أبو العيون، بينما صعد القمص سرجيوس والقمص بولس غبريال وغيرهما من رجال الدين المسيحي إلى منابر المساجد، يخاطبون المصريين ويشاركون في تعبئتهم ضد الاحتلال، وكانت صورة الهلال والصليب المتعانقين من أبرز رموز تلك المرحلة، حتى غدت علامةً على اتحاد المصريين في مواجهة المستعمر، وقد اشتهرت نسبة ابتكار هذا الشعار إلى الشيخ محمد عبد اللطيف دراز، وإن كانت المصادر المتاحة لا تكفي للجزم بأنه أول من ابتكره؛ أما مشاركته في ترسيخ الوحدة التي عبر عنها الشعار، فتشهد بها الأخبار المتداولة عن نشاطه في الثورة.

ولم يكن خروج العالم المسلم إلى الكنيسة أمرًا مألوفًا في الحياة العامة على هذا النحو الواسع، كما لم يكن صعود رجل الدين المسيحي إلى منبر المسجد حدثًا عاديًّا، فلقد كانت مصر تقدم مشهدًا من أبلغ مشاهد تاريخها الحديث؛ رجال دين مختلفون في العقيدة، مجتمعون على حماية وطن واحد، يدركون أن الاحتلال يستفيد من كل خصومة داخلية، وأن أمن المجتمع وكرامة أبنائه لا يجوز أن يكونا موضع مساومة، وكان دراز في قلب هذا المشهد، يتحدث إلى المصريين بما يعزز ثقتهم بعضهم ببعض، ويحفظ للثورة قوتها الشعبية.

ولم تتأخر سلطاتُ الاحتلال في ملاحقته، وتذكر بعض الروايات أنه كان يتنكر في أزياء مختلفة ليتجنب القبض عليه، وأنه اعتقل بعد ذلك، واحتجز في ثكنات قصر النيل، ثم نقل إلى معتقل سيدي بشر بالإسكندرية، بينما تختلف مصادرُ أخرى في تحديد بعض أماكن احتجازه، وتعرّض كذلك للفصل من عمله الأزهري، وللإبعاد عن القاهرة وتقييد حركته، وكانت هذه الإجراءات كافية لإدراك حجم الخطر الذي رأته سلطاتُ الاحتلال في نشاطه، وإن لم تستطع أن تمحوَ أثرَه في الذاكرة الوطنية.

لقد عَرف دراز في ثورة 1919م معنى أن يقف العالم أمام امتحان تتجاوز تبعاتُه ما اعتاده في حياته العلمية، فقد وجد نفسه مطلوبًا للاعتقال، محرومًا من وظيفته، مهددًا في أمنه، لكنه خرج من تلك التجربة وقد أصبح اسمُه مرتبطًا بجيل من العلماء الذين منحوا الحركة الوطنية سندًا دينيًّا وشعبيًّا، وأسهموا في صيانة وحدتها أمام واحدة من أشد القوى الاستعمارية بأسًا في ذلك العصر.

كرامة العالم في مواجهة السلطة.. محن ومواقف لا تُشترى

لم تطوِ ثورة 1919م صفحة المواجهة في حياة دراز؛ فقد ظلت مصرُ تعيش صراعًا متصلًا حول الاستقلال والدستور والحريات، وتعاقبت حكومات لم تكن علاقتها بالحركة الوطنية ولا بالمؤسسات الدينية على وتيرة واحدة، وكان الشيخ حاضرًا في هذه الصراعات، يساند ما يراه حقًّا ويعارض ما يراه ظلمًا، حتى تعرض للفصل من الأزهر مرة ثانية سنة 1931م، في عهد حكومة إسماعيل صدقي باشا.

وتتعدد الروايات في تفسير هذا الفصل؛ فمنها ما يربطه بمعارضته حكومة صدقي وسياساتها، وموقفه من إدارة الأزهر في عهد الشيخ محمد الأحمدي الظواهري، ومنها ما يربطه باحتجاجه الشديد على إعدام المجاهد الليبي عمر المختار على أيدي الاحتلال الإيطالي، وتذكر إحدى الروايات أنه أرسل برقيات احتجاج إلى جهات دولية، وأن صداها بلغ السلطات المصرية، وقد يكون أكثر من موقف قد أسهم في تأزم علاقته بالحكومة، لكن الوثائق المتاحة في هذه السيرة لا تسمح بتحديد سبب واحد على سبيل القطع.

ولم يكن اعتراضُه على إعدام عمر المختار بعيدًا عن تجربته الوطنية؛ فقد عَرف دراز الاحتلال في مصر، وشارك في مقاومته، ورأى في المجاهد الليبي صورةً من صور الكفاح الذي تخوضه الشعوب لاسترداد حريتها، وكانت مأساة عمر المختار قد هزت وجدان المسلمين، وأثارت غضبًا واسعًا من السياسات الاستعمارية الإيطالية في ليبيا، ولم يكن من المنتظر أن يمر حدث كهذا على عالم انخرط في قضايا التحرر دون أن يثير فيه الغضب والاحتجاج.

وتنقل بعض الأخبار أن حكومة صدقي حاولت استرضاء الشيخ بعرض وظيفة عليه في القضاء الشرعي، لكنه لم يستجب لما أرادته منه، وتحتاج هذه الرواية إلى توثيق مستقل، غير أنها تتفق مع صورة الرجل الذي عَرف المحن الوظيفية ولم ينقطع عن التعبير عن مواقفه، وقد بقي بعيدًا عن عمله الأزهري حتى عودة الشيخ محمد مصطفى المراغي إلى مشيخة الأزهر سنة 1935م، عقب حركة احتجاجية واسعة ارتبطت بالمطالبة بالإصلاح والتغيير.

عاد دراز إلى التدريس بكلية اللغة العربية، ثم أخذ يتدرج في المسؤوليات الأزهرية؛ فعين وكيلًا لمعهد القاهرة الديني سنة 1936م، ثم مفتشًا للعلوم الشرعية والعربية سنة 1937م، وتولى التفتيش للوعظ والإرشاد، ثم مشيخة معهد الزقازيق سنة 1943م، وكان قد منح كسوة التشريف العلمية في فبراير سنة 1941م، تقديرًا لمكانته، قبل أن يعين سكرتيرًا عامًا للجامع الأزهر والمعاهد الدينية سنة 1944م، ومديرًا للجامع الأزهر سنة 1946م، ثم عضوًا في المجلس الأعلى للأزهر.

وقد أكسبته هذه المناصبُ خبرة واسعة بشؤون التعليم الديني والإدارة الأزهرية، وجعلته على صلة مباشرة بقضايا المعاهد والعلماء والطلاب، وكان قد قضى عقودًا في التدريس والعمل الوطني، وعرف الأزهر في أحوال مختلفة، من مواقع المعلم والمفصول والمفتش والمسؤول، وحين قامت أحداث يوليو سنة 1952م، اختير وكيلًا للجامع الأزهر والمعاهد الدينية في أكتوبر من العام نفسه، فبلغ بذلك واحدًا من أعلى المناصب في المؤسسة التي نشأ وتعلم وعمل في رحابها.

ولم تكن مكانة الشيخ دراز في الأزهر مستمدة من المناصب التي تولاها وحدها، بل من رسوخ قدمه في العلم، وصلاته الوثيقة برجال المؤسسة وعلمائها، وما جمعه ببعضهم من روابط العلم والمصاهرة؛ فقد كان الشيخ أحمد حسن الباقوري، أحد أبرز الوجوه الأزهرية في القرن العشرين، والذي تولى وزارة الأوقاف عقب ثورة يوليو، صهرًا له، كما أكد لي أستاذنا الدكتور محمد يوسف حبلص في إفادة خاصة عن الشيخ، وتستوقفنا كذلك صلته بالبيئة العلمية التي اشتهر فيها العلامة محمد عبد الله دراز، صاحب كتاب “دستور الأخلاق في القرآن”، وقد اجتمع في هذه الدائرة من العلماء رجال اختلفت مسالكهم العلمية ومواقعهم العامة، لكنهم أسهموا جميعًا في تشكيل جانب مهم من تاريخ الأزهر والفكر الإسلامي المعاصر.

غير أن وصوله إلى وكالة الأزهر لم يضع نهاية لخلافاته مع السلطة، فقد شهدت السنوات الأولى بعد يوليو تحولاتٍ سياسيةً واسعة، وبرزت خلافاتٌ حول موقع المؤسسات الدينية واستقلالها وعلاقتها بالحكم الجديد، وتذكر المصادر أن دراز اعترض على انتقادات وجهها جمال عبد الناصر إلى علماء الأزهر، ودافع عن مكانة المؤسسة وعلمائها في كلمة ألقاها بجمعية الشبان المسلمين، كما احتفظ بعلاقات مع شخصيات سياسية لم تكن مَرضيًّا عنها لدى رجال الحكم، ومن بينها فؤاد سراج الدين.

وفي يناير سنة 1954م استقال من وكالة الأزهر، وسط أجواء سياسية مضطربة، ولا تكفي الأخبار المتاحة للجزم بجميع الأسباب التي أفضت إلى استقالته، لكن موقفه من انتقاد العلماء، وما عرف عنه من استقلال في علاقاته وآرائه، يوضح جانبًا من التوتر الذي أحاط بوجوده في المنصب، وكان قد بلغ الرابعة والستين من عمره، وأمضى معظم حياته في التعليم والعمل العام، فلم تكن مغادرتُه الوكالةَ نهايةً لحضوره في المجتمع.

ولعل هذه المرحلة من سيرته تكشف عن أحد أشق الامتحانات التي يواجهها العلماء في مواقع المسؤولية؛ فالمؤسسة تحتاج إلى من يدير شؤونها ويحفظ مصالحها، والسلطة تريد من كبار مسؤوليها قدرًا من الانسجام مع سياساتها، بينما يظل العالِمُ مُطالَبًا بأن يصون كرامةَ علمِه واستقلالَ رأيِه، وقد عاش دراز هذا الامتحان في عهود متباينة، واختبر تبعاته حين كان خارج الوظيفة، كما اختبرها حين أصبح في قمة الهرم الإداري للأزهر.

في البرلمان وعلى منابر الإصلاح.. السياسة أخلاق ومسؤولية

عرف الشيخ محمد عبد اللطيف دراز السياسة من أبواب متعددة، ولم يحصر نشاطَه في المظاهرات أو العمل الأزهري، فقد ارتبط منذ شبابه بالحزب الوطني، واتصل بعد ذلك برجال الوفد والحركة السعدية، وكانت له صلات بأحمد ماهر والنقراشي باشا وغيرهما من الشخصيات السياسية التي أدت أدوارًا مؤثرة في تاريخ مصر الملكية، ولم تكن هذه العلاقات خالية من الخلاف؛ فقد كان للشيخ رأيه في بعض القضايا التي تتجاوز الحسابات الحزبية، وتذكر المصادر أنه خالف عددًا من حلفائه حين رأى أن الموقف يستدعي ذلك.

خاض دراز الانتخابات البرلمانية سنة 1938م، وتشير روايات إلى أنه أصبح عضوًا في مجلس النواب سنة 1945م، وقد عرفتْهُ الحياةُ النيابية متحدثًا في قضايا عامة، ومن أبرز ما تنقله المصادر عن مواقفه تصديه لمشروع قانون يقيد حرية الصحافة، فقد اعترض على المشروع ودافع عن حق الصحف في أداء رسالتها، حتى احتفت بعض الصحف بموقفه، ووصفته بأنه حمل لواء الدفاع عن حريتها، ونقل عن كامل الشناوي قوله في الإشادة به: “إن الشيخ دراز حكم فيما لا يحتمل جدلًا”.

وتحتاج تفاصيل هذه الواقعة إلى مراجعة مضابط البرلمان والصحف المعاصرة، لكنها، في صورتها المنقولة، تكشف عن وجه مهم من وجوه نشاطه السياسي؛ فالصحافة في مصر آنذاك كانت من أبرز ميادين الصراع بين الحكومات والقوى الوطنية، وكانت القيود المفروضة عليها تمس قدرة المجتمع على مناقشة شؤونه ومحاسبة مسؤوليه، ولم يكن دفاع عالم أزهري عن حريتها أمرًا قليل الدلالة؛ فقد كان إعلانًا بأن صيانة المجال العام وحماية الكلمة من التعسف قضيتان تستحقان أن يتقدم للدفاع عنهما أصحاب العلم والمكانة.

وفي فبراير سنة 1946م استقال دراز من مجلس النواب، في سياق ارتباطه بمسؤولياته الأزهرية، وتذكر بعض الروايات أنه ابتعد عن الهيئة السعدية بسبب خلاف مع النقراشي باشا حول موقفه من الزعيم العراقي رشيد عالي الكيلاني؛ إذ سعى الشيخ إلى تأييده وجمع توقيعات برلمانية لمناصرته، بينما كانت للحكومة حساباتها السياسية في علاقاتها مع العراق، وهذا يبين اتساع صلاته بالقضايا العربية، وامتداد اهتمامه السياسي إلى ما وراء الشأن المصري المباشر.

وكانت جمعية الشبان المسلمين ميدانًا آخر من ميادين عمله؛ فقد أسهم في تأسيسها سنة 1927م، ضمن نخبة من العلماء والمصلحين الذين أرادوا إيجاد إطار يجمع الشباب على التربية الإسلامية والعمل الاجتماعي والثقافي، وقد ارتبط بنشأة الجمعية عدد من الشخصيات البارزة، في مقدمتها الدكتور عبد الحميد سعيد، والشيخ عبد العزيز جاويش، والشيخ محب الدين الخطيب، كما شارك في جهود تأسيسها الشاب حسن البنا، الذي سيؤسس جماعة الإخوان المسلمين في العام التالي، وكانت الجمعية ملتقى لتيارات وشخصيات إصلاحية متعددة، وجدت في العناية بالشباب والدفاع عن القيم الإسلامية وخدمة المجتمع مجالًا للعمل المشترك، وقد ظل دراز حاضرًا في أنشطتها، مستثمرًا خبرته العلمية والوطنية في مخاطبة الأجيال الجديدة.

ولم يكن بعيدًا عن الصحافة والأدب؛ فقد كتب في جريدتي “اللواء” و”الشعب”، وارتبط بجمعية “إخوان الصفا” الأدبية، التي ضمت عددًا من العلماء والأدباء، منهم الشيخ محمود شلتوت والشيخ محمود أبو العيون، وتكشف هذه الأنشطة عن اتساع اهتماماته الثقافية، وعن صلته بالوسط الفكري الذي كانت تتداول فيه قضايا الإصلاح واللغة والسياسة والتربية، وكان لهذا الحضور أثرٌ في تنوع أدواته؛ فهو يخاطب طلابه في الدرس، والجمهور في المسجد، والنواب في البرلمان، والقراء في الصحافة، والشباب في الجمعيات.

ولم تنقطع مشاركته في الحياة النيابية بانتهاء العهد الملكي؛ فقد انتخب عضوًا في مجلس الأمة سنة 1957م، بعد ثلاث سنوات من استقالته من وكالة الأزهر، وكانت مصر قد دخلت مرحلة سياسية جديدة تغيرت فيها مؤسسات الحكم وأطر المشاركة العامة، غير أن الشيخ ظل حاضرًا فيها، وقد تجاوز السابعة والستين، وتستحق تجربته البرلمانية في العهدين الملكي والجمهوري دراسة خاصة، تكشف طبيعة مواقفه ومداخلاته ومدى استمرار استقلاله السياسي في ظل هذه التحولات.

وتحتفظ ذاكرة أستاذنا الدكتور محمد يوسف حبلص، أحد أبناء دائرة دسوق، بشهادة شخصية نادرة عن الشيخ دراز، الذي وصفه بأنه “عالم ثبت، وخطيب مفوه، وسياسي محنك”، فقد رآه د. حبلص طفلًا في خمسينيات القرن الماضي، حين جاء إلى قريتهم في جولة انتخابية يخاطب أهل دائرته، ولم تكن تلك الزيارة كسائر الزيارات؛ إذ قذفه أحدُ خصومه السياسيين بحجر أصابه حتى سال دمه، فحُمل إلى منزل أسرة الدكتور حبلص لإسعافه، وهكذا تكشف الشهادة عن وجه آخر من وجوه الحياة السياسية التي خاضها الشيخ، بما كان يعتري المنافسة فيها من خصومات قد تتجاوز حدود الكلمة إلى الاعتداء.

أما المشهد الذي بقي حيًّا في ذاكرة الدكتور حبلص، بعد مضي عشرات السنين، فهو ما جرى داخل منزل أسرته؛ فقد كان يومئذ طفلًا، وتقدم إلى الشيخ الجريح بما تيسر من أدوات الإسعاف، ثم اختصر تلك اللحظة في كلمات قليلة مؤثرة: “وقدمت له مُطهرًا وقطنًا ودعا لي بالخير”، ومضت الأعوام، وكبر الطفل، وأصبح أستاذًا جامعيًّا، وبقيت صورة الشيخ المصاب ودعوته له حاضرتين في ذاكرته، وفي هذه الشهادة ما يضيء جانبًا إنسانيًّا من سيرة دراز؛ فقد عرفتْهُ مصر في ميادين الثورة وعلى منابر الأزهر وتحت قبة البرلمان، واحتفظ به طفلٌ من أبناء دائرته في صورة رجل جريح أسعفه بيديه، فجازاه بدعوة صالحة لم ينسها.

فلسطين والأمة في ضمير الثائر.. إرث دراز الذي لا يغيب

كان الشيخ محمد عبد اللطيف دراز من جيل عاش اتساع السيطرة الاستعمارية على البلاد العربية والإسلامية، وشهد سقوط الخلافة العثمانية، واحتلال فلسطين، ومقاومة الشعوب للاستعمار في المغرب العربي والمشرق. وقد تركت هذه الأحداث أثرها في اهتماماته، فشارك في قضايا تجاوزت حدود مصر، واتصل بشخصيات وحركات حملت هم الاستقلال والتحرر.

وتذكر المصادر مشاركته في المؤتمر الإسلامي العام الذي عقد في القدس سنة 1931م، وهو المؤتمر الذي اجتمع فيه علماء وشخصيات إسلامية لبحث شؤون فلسطين والمقدسات الإسلامية في ظل الانتداب البريطاني وتصاعد النشاط الصهيوني، وكانت القدس يومئذ تشغل موقعًا متقدمًا في وجدان المسلمين، وقد أدرك المشاركون في المؤتمر أن مستقبلها يتصل بما يجري في فلسطين من تحولات سياسية وسكانية، وأن الدفاع عنها يحتاج إلى تعاون يتجاوز الحدود القطرية.

وكان دراز قد عرف في مصر كيف تؤثر الهيمنة الأجنبية في حياة الشعوب ومؤسساتها؛ ولذلك لم تكن قضية فلسطين بعيدة عن اهتمامه، كما كان لموقفه من مأساة عمر المختار دلالته على انشغاله بمقاومة الاستعمار الإيطالي في ليبيا، وهي القضية التي هزت الرأيَ العامَّ الإسلاميَّ عقب إعدام قائد المقاومة السنوسية سنة 1931م.

وفي سنة 1954م ارتبط اسم الشيخ بتأسيس “جماعة الكفاح لتحرير الشعوب الإسلامية”، التي كان لعدد من رموز حركات التحرر صلة بها، ومنهم الأمير عبد الكريم الخطابي، والحاج أمين الحسيني، ورشيد عالي الكيلاني، وأحمد بن بلة، ويوضح الاتجاهُ إلى جمع شخصيات من أقطار مختلفة تحت عنوان تحرير الشعوب الإسلامية استمرارَ اهتمامِ دراز بقضايا الاستقلال في مرحلة كانت حركات التحرر الوطني تشهد فيها صعودًا واسعًا.

ولم تكن تلك المرحلة يسيرة على مصر ولا على العالم العربي؛ فقد توالت الأزماتُ والحروب والتحولات السياسية، وشهد الشيخ هزيمة يونيو سنة 1967م، التي تذكر بعض الأخبار أنه حزن لها حزنًا شديدًا، ثم عاش حتى شهد حرب أكتوبر سنة 1973م، وكان قد أمضى عمرًا طويلًا بين العهد الملكي والجمهوري، ورأى مصر وهي تكافح الاحتلال البريطاني، ثم تسترد استقلالها وتواجه تحديات جديدة في محيطها العربي.

وفي الأول من أكتوبر سنة 1977م توفي الشيخ محمد عبد اللطيف دراز، وقد ناهز السابعة والثمانين، وانطوت بوفاته حياةٌ امتدت عبر معظم أحداث القرن العشرين الكبرى في مصر، وترك وراءه سيرةً حافلة بالمواقف، لكنها لم تحظ بما تستحق من الدراسة والتوثيق، ولا سيما خطبه ومقالاته ومداخلاته البرلمانية، التي يمكن أن تكشف عن آرائه بصورة أدق وأعمق مما تحفظه الأخبار المتفرقة عنه.

وليس من العدل أن يُحبس هذا الرجل في لقب “حكمدار القاهرة”، أو في نسبة شعار الهلال والصليب إليه، أو في منصب وكيل الأزهر الذي بلغه؛ فقد كانت هذه كلُّها صفحاتٍ من حياة أوسع؛ كان ابنَ الأزهر الذي عَرَف قيمةَ العلم، وابنَ الحركة الوطنية الذي ذاق مرارة الاعتقال والفصل من عمله، وصاحبَ المواقف الذي لم تحصرْهُ حدود الوظيفة أو الانتماء الحزبي، والرجل الذي ظل يرى في آلام الشعوب المستعمَرة شأنًا يستحق الاهتمام والعمل.

إن سيرة محمد عبد اللطيف دراز تستحق أن تُقرأ بوصفها فصلًا من تاريخ العلماء الذين شاركوا في صناعة الحياة العامة، ولم يقبلوا أن تكون مكانتُهم الدينية سببًا لابتعادهم عن واجباتهم الوطنية، وهي تذكرنا بأن الأزهرَ لم يكن في تاريخه مجردَ مؤسسة للتعليم فحسب، بل خرج من رحابه رجالٌ وقفوا في مواجهة الاحتلال، وحمَوا وحدةَ المجتمع، ودافعوا عن الحريات، وتحملوا تبعات مواقفهم.

رحم الله الشيخ محمد عبد اللطيف دراز؛ فقد عاش عالمًا يعرف قدر الكلمة، وثائرًا يدرك ثمنها، وترك في تاريخ مصر صورة للعمامة التي لم تخشَ ميادينَ الكفاح، وللعلم الذي حفظ كرامتَه صاحبُه حين كان الامتحانُ عسيرًا، والسكوتُ أيسرَ، والموقفُ الصادقُ أغلى ثمنًا.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى