
لماذا تتأخر الحقيقة حتى يسقط أصحاب الأسرار؟
ليست كل الجرائم تنتهي بصدور الأحكام، وليست كل القضايا تغلق بمجرد إعلان المسؤولين عن المتهمين. فهناك أسرار تظل معلقة لسنوات، وأسئلة لا تجد إجابة، خاصة عندما تتشابك الجريمة مع النفوذ السياسي والمصالح الدولية.
وتبقى قضية الصحفي السعودي جمال خاشقجي واحدة من أبرز هذه القضايا، بعدما دخل القنصلية السعودية في إسطنبول يوم 2 أكتوبر 2018، ولم يخرج منها حيا…. ورغم إقرار السلطات السعودية بمقتله ومحاكمة عدد من المتهمين، ظل السؤال الأكثر غموضا: أين ذهب جثمان خاشقجي، ولماذا لم يكشف عن مصيره النهائي؟
لم يكن اختفاء الجثمان مجرد تفصيل في قضية جنائية، بل أصبح رمزا لأسئلة لم تحسم. ففي تقريرها الصادر عام 2019، دعت المقررة الخاصة للأمم المتحدة إلى مزيد من التحقيق في المسؤوليات المحتملة، وأشارت إلى أدلة موثوقة تستوجب التحقيق مع مسؤولين سعوديين كبار، بمن فيهم ولي العهد محمد بن سلمان، دون أن يمثل ذلك حكما قضائيا بإدانته.
وفي فبراير 2021، خلص تقييم الاستخبارات الأمريكية إلى أن ولي العهد وافق على عملية للقبض على خاشقجي أو قتله.
في المقابل، رفضت الرياض هذا الاستنتاج، وقالت إن الجريمة ارتكبها أفراد تجاوزوا صلاحياتهم. وهنا يبرز الفارق بين محاسبة المنفذين وتحديد المسؤولية على المستويات القيادية، وهو سؤال لم تحسمه محاكمة المتهمين داخل السعودية.
فلماذا تتأخر الحقيقة أحيانا؟ قد يكون الخوف سببا في صمت الشهود، وقد تبقى وثائق مهمة بعيدة عن الأضواء، كما يمكن للمصالح السياسية أن تعقد مسارات التحقيق والمسائلة.
وأحيانا تظهر معلومات جديدة بعد سنوات، نتيجة شهادات أو وثائق أو تطور وسائل التحقيق. لكن موت أصحاب الأسرار لا يضمن بالضرورة كشفها، ولا تصبح الاعترافات المتأخرة حقائق إلا إذا دعمتها أدلة موثوقة.
إن قضية خاشقجي تطرح سؤالا يتجاوز حدود السياسة…. هل تكفي محاكمة بعض المتهمين لإغلاق ملف لم يكشف فيه عن مصير الجثمان، ولم تحسم فيه جميع الأسئلة المتعلقة بسلسلة المسؤولية؟
الحقيقة أن العدالة لا تكتمل بالعقوبة وحدها، بل بكشف الوقائع ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون، بعيدا عن النفوذ أو المصالح.. كما أن حماية الصحفيين وحق أسرهم في معرفة مصيرهم ليس شأنا سياسيا عابرا، بل جزء من احترام القانون وكرامة الإنسان.
فحين يغيب الجثمان وتبقى الأسئلة بلا إجابة، لا تطوى القضية بمرور الزمن… بل تظل الحقيقة الغائبة شاهدا على أن العدالة لا تكتمل إلا بكشف ما حدث ومحاسبة المسؤولين عنه.







