د. أيمن نور يكتب: أم النديم و الأفغاني.. ابنٌ رحل ومتاعٌ نُهب من النيل الي البسفور عبد الله النديم.. (حلقه ١٧|)

لم تأتِ أم عبد الله النديم إلى الآستانة لتزور قبرًا. جاءت لتزور ابنًا مريضًا، ولعلها كانت تحمل في قلبها من الدعاء ما يكفي ليعود معها إلى الحياة وإلى مصر. قطعت البحر، وحملت معها شوق السنين، وعبرت المسافة التي فصلتها عن ولدها طويلًا. لكنها وصلت بعد أن سبقها الموت إليه. لم تجد عبد الله الذي جاءت من أجله. وجدت خبر رحيله.
والأقسى أنها، وفق ما يرويه أحمد أمين، وجدت شقيقه معها أمام متاعه وأثاثه وقد تعرضا للنهب. كأن الغياب لم يكتفِ بأن يأخذ الإنسان، بل امتدت يد أخرى إلى الأشياء التي كان يمكن أن تحتفظ بها الأم من بعده. كان ينبغي أن تجد سريره، وثيابه، وكتبه، شيئًا تلمسه لتطمئن أن ولدها عاش هنا، وأن هذا المكان عرف صوته وخطواته. لكن المكان لم يمنحها ما جاءت تبحث عنه. ولم يبقَ أمامها إلا أن تسأل عن قبره.
هنا يدخل إلى الحكاية رجل آخر من رجال ذلك العصر، جمال_الدين_الأفغاني، الذي عرف عبد الله النديم في حياته، وشاركه بعض أحلامه وخصوماته، وتقدم المشيعين في جنازته. وتذكر روايات لاحقة أن الأفغاني أرشد الأم وشقيق النديم إلى موضع قبره. المشهد ما زال قادرًا على أن يستعيد صوته الإنساني، وأن يضعنا أمام أم لا تريد من الدنيا كلها إلا ولدها.
أين عبد الله يا جمال الدين؟
رحل يا أم عبد الله.
أعرف أنه رحل. لقد أخبروني بذلك. لكنني جئت من مصر لأراه. أين هو الآن؟
لقد ودعناه ودفناه.
وأين وضعتموه؟ دلني عليه.
لقد سار وراءه رجال الدولة والعلماء، وأكرمه السلطان، وخرجت له جنازة عظيمة.
أنا لا أسألك عمن مشى وراءه يا جمال الدين. أسألك عن ولدي. أين وضعتم عبد الله؟
وما الذي يمكن أن يقوله رجل امتلك من الفصاحة ما جعل الملوك يخشون كلماته، أمام أم لا تطلب منه إلا أن يدلها على قبر ابنها؟
ما قيمة البلاغة في مواجهة دمعة أم؟ وما قيمة كل الذين ساروا خلف النعش، إذا كانت التي حملت صاحبه في بطنها لم تستطع أن تسير وراءه؟
كأن الأم تقول له:
لم أكن أريد أن أراه عظيمًا في عيون الناس. كنت أريد أن أراه حيًا أمام عيني.
خذني إليه يا جمال الدين.
خذني إلى آخر مكان عرف الطريق إليه.
وأتوقف طويلًا أمام الرحلة القصيرة من موضع اللقاء إلى القبر. لا نعرف تفاصيل الطريق الذي سلكاه. ولا عدد الخطوات التي قطعتها الأم قبل أن تقف أمام موضع دفنه. لكننا نعرف أن الطريق إلى قبر الابن ليس كأي طريق.
ربما كانت تستعيد طفولته في الإسكندرية. صوته الصغير قبل أن يصبح خطيبًا تهتز له الميادين. وجهه قبل أن تصنع السياسة من عمره حكاية مطاردة ومنفى. ربما كانت تسمع في داخلها صوتًا قديمًا يناديها، وتبحث بين الوجوه عن وجه تعرفه منذ ولادته.
وصلت إلى ولدها أخيرًا. لكنها لم تستطع أن توقظه. كان تحت التراب، بعيدًا عن البيت الذي عرف طفولته، وعن الأرض التي ظل يتمنى العودة إليها.
وأتصور أن أقسى ما يمكن أن يقال في هذا الموضع ليس رثاء طويلًا، بل كلمات قليلة تخرج من قلب أم:
يا عبد الله.
أنا هنا يا ولدي.
جئت إليك.
لماذا لم تنتظرني؟
في تلك اللحظة لم يكن عبد الله النديم خطيب الثورة العرابية، ولا أديب مصر، ولا مفتش المطبوعات في الآستانة. كان مجرد ابن تأخرت أمه عن وداعه. ولعل هذا هو أكثر ما يؤلم في الحكاية كلها.
لقد استطاعت الأم، كما تروي الروايات، أن تصل إلى قبر ولدها قبل مئة وثلاثين عامًا. أما نحن، فما زلنا نبحث عن الموضع الذي وقفت أمامه. كانت تبحث عن ابنها فوجدت قبره. ونحن نبحث عن قبره لنستعيد ابنها إلى ذاكرة وطنه.
في الخامس عشر من أكتوبر عام ألف وثمانمئة وستة وتسعين، نشرت صحيفة «ثروت فنون» العثمانية خبر وفاة عبد الله النديم، وظهر اسمه في فهرسة الصفحة الرابعة والعشرين، موصوفًا بمفتش المطبوعات العربية، وأحد مشاهير أهل الفضل والأدب. توقفت طويلًا أمام المفارقة.
الرجل الذي عجزنا بعد مئة وثلاثين عامًا عن تحديد موضع قبره، كان اسمه منشورًا في صحيفة عثمانية بعد أيام قليلة من رحيله. عرفت الجريدة موته. وعرفت الجنازة طريقها. أما نحن، فما زلنا نبحث عن العنوان.
لم يكن النديم مجهولًا في إسطنبول. يروي جرجي زيدان، نقلًا عن سيرة وضعها أحمد سمير، أن السلطان عبد الحميد الثاني أمر بتشييعه في جنازة رسمية على نفقته الخاصة. سارت أمام نعشه فرقتان من الجيش وفرقة من الشرطة وطلاب المدرسة السلطانية، وشارك في وداعه كبار رجال الدولة والعلماء، وتقدم المشيعين جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد ظافر وعبد الرحمن الجزولي.
رجل طاردته الشرطة في حياته، سارت أمام نعشه في وداعه. وكاتب أزعج السلطات بخطبه ومقالاته، احتفى به رجال السلطة بعد موته. وثائر لم يستطع أن يحقق أمنيته الأخيرة في العودة إلى وطنه، وجد دولة أخرى تكرمه، بعدما انتهت فرصته في أن يعود حيًا.
كان يريد مصر، فأعطوه جنازة تليق به.
وما أشد قسوة أن يملك السلطان أن يكرم الإنسان بعد رحيله، بينما يظل حق ذلك الإنسان في العودة إلى وطنه أمرًا لا يملكه.
بعد أسابيع من البحث، بدأت أرى في الحكاية أكثر من لغز شاهد غائب. إنها قصة انتقال الذاكرة من جيل إلى جيل. جنازة عرف الناس طريقها. ومدفن وصل إليه المشيعون. وأصدقاء عرفوا الرجل والمكان. وأم جاءت من مصر لتقف عند قبر ابنها.
ثم مضت السنوات. ومات الشهود. وتغيرت المدينة. وانقطعت الصلة بين الاسم والموضع. لا أملك دليلًا على أن القبر أزيل، أو أن شاهده أتلف، أو أن جهة تعمدت طمس اسمه. قد يكون الحجر باقيًا. وقد يكون النقش مطموسًا. وقد تكون هناك وثيقة في جرد قديم تحمل ما نفتش عنه.
لهذا لا ينبغي أن نستبدل الوثيقة بالظن، أو نحول الألم إلى اتهام بلا دليل. لكن من حقنا أن نعرف، ومن واجبنا أن نبحث. فالذاكرة الوطنية أمانة، لا مجرد حنين إلى الماضي.
بدأت هذه الرحلة منذ سنوات أمام شاهد قرأت عليه اسم النديم، ثم اكتشفت أنه توقيع خطاط عثماني، لا اسم صاحب القبر. وعدت إلى مقبرة يحيى أفندي في بشكتاش، وامتدت الرحلة إلى دراسات الباحثة التركية توبا روهنكيز أزاكلي، وإلى سجلات الأوقاف وجرد الشواهد، وإلى جهود بلال فضل والدكتور عمرو عبد العزيز منير والدكتور عمار علي حسن. ومع اتساع البحث، لم يعد النديم مجرد اسم نبحث عنه بين الأحجار، بل صار اختبارًا لقدرتنا على إنقاذ جزء من تاريخنا من الضياع.
فإذا كانت الصحيفة قد سجلت خبر وفاته، وسجلت المصادر أسماء المشاركين في جنازته، فربما نجد في الصحف المجاورة والدفاتر الرسمية وسجلات الدفن خيطًا يصل بين ذلك اليوم وموضع القبر. فالطريق إلى النديم قد يبدأ هذه المرة من صفحة جريدة، لا من بوابة مقبرة.
المنفى لا يقاس بطول المسافة بين الإنسان وبلاده. قد يعيش المنفي في مدينة تحتفي به، ويحيط به الأصدقاء، ويجد من يحترمه ويقدره، لكنه يظل محرومًا من حق العودة، ومن رؤية أهله، ومن اختيار الأرض التي يقضي عليها أيامه الأخيرة. وهذه هي المأساة السياسية والأخلاقية
النديم لم يكن ينقصه أن يعرفه الناس.
كان ينقصه أن يستطيع الرجوع إلى الذين يعرفونه ويحبونه. وما أبشع أن تصبح العودة إلى الوطن امتيازًا تمنحه السلطة، لا حقًا يملكه الإنسان. فالسنوات التي تمضي بعيدًا عن الأهل لا تعود بقرار، ولا يستردها اعتذار.
وأفكر هنا مرة أخرى في تلك الأم التي قطعت البحر. كم كان سيتغير من الحكاية لو استطاع عبد الله أن يعود إلى مصر قبل مرضه؟او تصل هي قبل موته ؟
ربما كانت أمه ستمسك بيده في أيامه الأخيرة. وربما كان سيجد في بيته ما لم يجده في وحدته. وربما كنا اليوم نعرف موضع قبره دون كل هذا البحث.
لكن التاريخ لا يعود إلى الوراء ليرحم أصحابه. ونحن لا نملك أن نغير ما جرى. نملك فقط ألا نسمح للغياب بأن يبتلع ما تبقى.
لذلك لا أريد أن ينتهي هذا المشروع بالعثور على القبر، مهما كانت قيمة ذلك الاكتشاف. أريده بداية لعمل أكبر. أن نصل إلى ما بقي من أوراق النديم في الآستانة. أن نراجع ما نشره وما لم ينشره.
أن نعيد قراءة رسائله وعلاقاته وخصوماته وكتاباته عن الاستقلال والحرية والعدل. وأن نقدمه للأجيال الجديدة رجلًا من لحم ودم، لا تمثالًا صامتًا ولا اسمًا محفوظًا في كتاب مدرسي. فالوفاء للمفكر لا يكون بتحويله إلى أسطورة، بل بإعادته إلى التاريخ كما كان، بكل ما له وما عليه.
اليوم، في الذكرى المئة والثلاثين، أرى ثلاث صور لا صورتين. الصورة الأولى لجنازة مهيبة تسير في طرقات الآستانة، يعرف المشيعون وجهتهم ويعرفون من يودعون. والثانية لأم عبرت البحر، ووقفت أمام قبر ولدها، بعد أن فاتتها الفرصة الأخيرة لتراه حيًا.
والثالثة لرجل مصري،لم يري النديم بعينه لكنه يعود بعد أكثر من قرن إلى مقبرة يحيى أفندي، يتأمل الشواهد، ويتوقف أمام النقوش، ويبحث بين آلاف الأسماء عن اسم يعرفه جيدًا، ولا يعرف بعد أين يستقر تحته صاحبه.
بين الصور الثلاث مئة وثلاثون عامًا. لكن المسافة الحقيقية بينها ليست مسافة الزمن وحده. إنها المسافة بين ذاكرة عرفت الطريق ذات يوم، وذاكرة تحاول اليوم أن تستعيده.
لا أريد أن أورث هذه الحيرة إلى من يأتي بعدنا. ولا أريد أن يصبح النديم مجرد مناسبة سنوية نلقي فيها الكلمات، ثم نتركه عامًا جديدًا بين دفاتر لم نفتحها وأحجار لم نقرأها.
في الصفحة الرابعة والعشرين من صحيفة صدرت قبل مئة وثلاثين عامًا، وجدنا خبر رحيل عبد الله النديم. لكن التاريخ لم يقل بعد أين يرقد، ولا كيف انقطعت الصلة بين جنازة عرف الجميع طريقها وقبر لم نتمكن نحن من تحديده. وهنا تبدأ مسؤوليتنا.
أن نحول الخبر القديم إلى بحث حاضر، وأن نصل بين ما حفظته الصحيفة وما أخفاه الزمن، بالوثيقة لا بالظن، وبالعمل لا بالرثاء. وما زلت أؤمن أننا سنصل إلى بعض الإجابات، ما دمنا نرفض أن نعامل الظنون بوصفها وثائق، أو أن نقبل النسيان بوصفه قدرًا.
قبل مئة وثلاثين عامًا، احتاجت الآستانة إلى سطور قليلة كي تعلن أن عبد الله النديم مات. واليوم تقع علينا مسؤولية أن نقرأ ما بقي من وثائقها، وأن نعيد إلى اسمه مكانه في ذاكرة وطنه.
أما هو، فقد أدى رسالته ومضى. وبقيت أمه، في ذاكرتي، واقفة أمام قبر عرفته يومًا، ولم نعد نعرف طريقنا إليه. لعل أقل ما نستطيع أن نفعله وفاءً لتلك الأم، أن نعيد العثور على الموضع الذي وقفت فيه، قبل أن يتحول نسياننا إلى منفى آخر لابنها.
{يتبع… غداً إن شاء الله}







