مصر

في ذكرى ميلاده.. الشيخ عبدالمجيد سليم “ابن سينا” شيخ الأزهر الذي تحدى الملك فاروق وأغضب القصر

يحتفل التاريخ بذكرى ميلاد قامة علمية ودينية بارزة تمثلت في شخص الشيخ عبد المجيد سليم، الذي لُقب بـ “ابن سينا”، ويُعد أحد الأئمة الستة الذين تقلدوا مشيخة الجامع العريق مرتين، فضلاً عن توليه منصب الإفتاء ليكون المفتي الثامن في تاريخ دار الإفتاء.

مسيرة علمية ومحطات مفصلية في تاريخ الإمام

وُلد الشيخ عبد المجيد سليم في قرية ميت شهالة التابعة لمحافظة المنوفية في يوم الجمعة الموافق غرة شهر ذي الحجة سنة 1299 هجرية، والذي يوافق 13 أكتوبر من عام 1882 ميلادية.

التحق بالجامع العريق منذ صباه ونبغ في علم الفلسفة حتى اشتهر بين زملائه بلقب “ابن سينا”، نتيجة حرصه على حضور دروس الشيخ محمد عبده في الرواق العباسي، وهو أشهر أروقة الجامع، لمدة خمس سنوات متواصلة تلقى خلالها كتابي أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني، بالإضافة إلى تلقي دروس في تفسير القرآن الكريم وعلم المنطق.

تأثر بشكل عميق بالشيخ حسن الطويل وتعلّم منه أساليب متقدمة في فنون الجدل والقياس لم تكن مألوفة لدى أنداده، حتى إن استاذه تنبأ له بتولى مشيخة الجامع. كما درس الفقه على يد الشيخ أحمد أبى خطوة، وتأثر كثيراً بآرائه وفتواه إلى جانب تأثره بالإمام محمد عبده والشيخ أبي خطوة، مساراً على نهجهما مع التحرر المطلق من التقيد برأي معين أو مذهب فقهي خاص.

نال شهادة العالمية من الدرجة الأولى عام 1326 هجرية الموافق 1908 ميلادية، ونال عضوية جماعة كبار العلماء في 5 شعبان 1347 هجرية الموافق 16 يناير 1929 ميلادية، وصدر الأمر الملكي رقم 71 لسنة 1929 لتعيينه شيخاً للسادة الأحناف.

مواقف جريئة وأزمات سياسية صنعت التاريخ

عاصر الشخصية البارزة أحداث البلاد العظيمة وعاش فترة مشتعلة من تاريخ الوطن، وتميز بمواقف شجاعة ومشرفة في مواجهة الفساد الذي عانت منه البلاد في ظل النظام الملكي، وأبرزها عندما تلقى سؤالاً شرعياً عن حكم الدين في رجل يراقص النساء ويشرب الخمر ويرتكب أفعالاً يحرمها الإسلام، وكان المقصود بذلك السؤال ما يُقام من حفلات ماجنة في قصور بعض الأمراء والأميرات بحضور الملك فاروق، فأفتى فتوى جريئة دون مدارة أو تودد ولم يخف لومة لائم، مما أحدث دوياً هائلاً في الأوساط السياسية والدوائر الرسمية، ودفع الملك للاتصال بالإمام محمد مصطفى المراغي طالباً الاطلاع على كل فتوى يصدرها الشيخ قبل السماح بنشرها.

في سنة 1946 ميلادية، حاولت الحكومة التدخل في شئون المؤسسة الدينية بفرض تعيين الشيخ مصطفي عبد الرازق دون الرجوع لعلماء الجامع، فوقف الشيخ عبد المجيد سليم معارضاً بشدة رغم التهديدات التي تلقاها من رئيس الديوان الملكي وقتذاك والذي أنذره بغضب الملك، فكان رد الشيخ متسائلاً عما إذا كانوا يستطيعون الحيلولة بينه وبين المسجد، فلما أجاب رئيس الديوان بالنفي، أكد الشيخ أنه ما دام يتردد بين بيته والمسجد فلا خطر عليه، وقدم استقالته من منصب الإفتاء على الفور. صدر القرار بتوليه منصب المشيخة في 26 من ذي الحجة سنة 1369 هجرية الموافق 8 أكتوبر سنة 1950 ميلادية.

وعندما أرادت الحكومة تقليص ميزانية المؤسسة، غضب بشدة معلناً أن هناك قصداً في مكان وإسرافاً في مكان آخر، قاصداً أن الحكومة تبخل على الجامع بينما تمنح الجامعات ما تريد، غير أن خصومه فسروا كلامه بشكل مغاير وادعوا قاصداً إسراف الملك فاروق على رحلاته وسفرياته، مما تسبب في إعفائه من منصبه في 3 من ذي الحجة سنة 1370 هجرية الموافق 4 من سبتمبر 1951 ميلادية.

عاد لمهامه شيخاً للجامع مرة أخرى في 11 من جمادى الأولى سنة 1371 هجرية الموافق 10 من فبراير سنة 1952 ميلادية بعد تأكد الملك من حسن نيته، وظل في منصبه حتى بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 ميلادية حيث قدم استقالته في 28 ذي الحجة 1371 هجرية الموافق 17 سبتمبر 1952 ميلادية، والتي حاول الوزير المسؤول فتحي رضوان ثنيه عنها دون جدوى لإصراره التام على موقفه، ليخلفه في المشيخة الشيخ محمد الخضر حسين.

وتوفي الشيخ عبد المجيد سليم تاركاً رسالة إصلاحية واضحة للجامع العريق في يوم الخميس 10 صفر 1374 هجرية الموافق 7 أكتوبر 1954 ميلادية، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى