الجزائرملفات وتقارير

حرائق الغابات في الجزائر تلتهم 141 الف هكتار وتدمر المحميات والسدود

حرائق الغابات في الجزائر تلتهم 141 الف هكتار وتدمر المحميات والسدود وتتسبب في أضرار بيئية واقتصادية بالغة الشدة، تتصاعد المخاطر التي تحدق بالثروة الغابية والغطاء النباتي في البلاد إثر تلاحق موجات النيران العنيفة والتغيرات المناخية القاسية، مما خلف خسائر جسيمة طالت المنظومات الإيكولوجية والتنوع البيولوجي والتربة والموارد المائية.

كارثة حرائق الغابات في الجزائر: خطر يداهم البيئة ويدمر التنوع البيولوجي

وتتزايد التهديدات البيئية مع ارتفاع درجات الحرارة وشح الأمطار والسلوكيات البشرية غير المسؤولة، وهو ما وضع الثروة الشجرية والغطاء النباتي في مواجهة دمار شامل يعرض التوازن البيئي والمناخي للخطر.

وقد تجسدت هذه المأساة في مدينة جيجل الواقعة بشرق البلاد، بعدما شهدت موجة حرائق عنيفة أدت إلى سقوط عشرات القتلى والمصابين، وتفحم مساحات واسعة من غابات الفلين والبلوط الأخضر المعمرة في الممرات الجبلية الوعرة المؤدية إلى مناطق برج الطهر، وتاكسنة، وزيامة منصورية، وجمعة بني حبيبي، حيث تحولت الأشجار إلى أعمدة متفحمة يكسوها الرماد.

تتفاقم الأزمة البيئية في جيجل والمناطق المجاورة نتيجة تلف 3209 هكتارات من مكونات الغطاء الغابي والنباتي، من بينها 246 هكتاراً أتلف بالكامل وتضمن أشجار الفلين والبلوط والأشجار المثمرة وأشجار الزيتون ومستثمرات فلاحية أخرى.

وتوضح المعطيات الرسمية الصادرة عن الحماية المدنية أن المجموع التراكمي للحرائق أدى إلى إتلاف أكثر من 141000 هكتار من الرصيد الغابي والنباتي في مختلف الولايات منذ مطلع الصيف الماضي.

وتتوزع هذه الخسائر الجغرافية الشاملة بين إتلاف أكثر من 43000 هكتار من المساحات الغابية الصافية، وأكثر من 46000 هكتار من نطاقات الأدغال الكثيفة، وما يناهز 38000 هكتار من الأحراش والغطاء النباتي، إضافة إلى أكثر من 13000 هكتار من مساحات نبات الحلفاء والمحاصيل الجبلية الاستراتيجية.

ويترتب على تفحم التربة والغطاء النباتي الكثيف فقدان القدرة الطبيعية على امتصاص مياه الأمطار وتصريفها، مما يرفع خطورة الفيضانات الجارفة وتحول الزخات المطرية إلى سيول متدفقة تهدد التجمعات السكنية والمناطق المنخفضة وانجراف التربة الجبلية على المدى البعيد.

النيران تلتهم المحميات الطبيعية والغطاء النباتي النادر

تتسع دائرة الدمار لتطال المحميات الطبيعية والمنظومات الإيكولوجية ذات الحساسية المفرطة، على الرغم من خضوعها لترسانة من القوانين والتشريعات الداخلية الحامية لها، ويشكل استهداف النيران للمحميات الطبيعية والمناطق الرطبة تهديداً مباشراً للملاجئ الحيوية المعزولة التي تحتضن سلالات نباتية وحيوانية نادرة.

وقد تعرضت محمية تازا الطبيعية، التي تغطي أجزاء واسعة من بلديات زيامة منصورية والعوانة ومرتفعات بلدة سلمى بن زيادة، لحرائق عنيفة أدت إلى تفحم مساحات شجرية واسعة في مرتفعاتها والغابات المحيطة بها وأحراج بلديتي وجانة وجيمار.

تتواصل الأضرار الإيكولوجية في محمية بابور ـ تابابورت المشتركة التي تمتد كفضاء محمي عبر ولايات سطيف وبجاية وجيجل، حيث تغطي 4269 هكتاراً داخل الحدود الجغرافية لجيجل، وتسببت النيران المتكررة في وضع تشكيلات المحمية النادرة من غابات البلوط الفليني والسنديان في مرمى الاندثار.

يرافق ذلك تضرر محمية بني بلعيد الطبيعية باعتبارها منطقة رطبة ساحلية ذات أهمية بالغة في استقطاب الطيور المهاجرة، مما يهدد حزامها الغابي والنباتي المحيط ويقوض التوازن البيئي الهش.

الرماد البركاني للحرائق يهدد الأمن المائي والسدود

يمتد التلوث الناجم عن احتراق الغابات إلى المجاري المائية والسدود والآبار الجوفية، حيث يتحول الرماد الكثيف المتراكم فوق التربة مع تساقط الأمطار الأولى إلى جزيئات منجرفة تتدفق مباشرة نحو السدود والأودية.

ويسفر هذا التدفق عن رفع نسب المعادن الثقيلة والمواد العضوية الضارة وتلوث كيميائي حاد يهدد الأحياء المائية ويصعب عمليات معالجة المياه، كما يتسرب هذا التلوث تدريجياً ليلوث المياه الجوفية والآبار، مما يهدد الأمن المائي الاستراتيجي في مدينة جيجل التي تصنف كإحدى أكثر المناطق غزارة في التساقطات المطرية.

تتطلب مواجهة هذه الكوارث تنفيذ تدابير واجراءات عاجلة للحد من الفيضانات وتآكل التربة، من بينها تشييد المطبات الترابية والأحواض لتقليص حدة انحدار الجبال وتخفيف سرعة تدفق السيول.

يتزامن ذلك مع بناء الأسوار الحجرية الجافة والخنادق الهيدرولوجية لتشكيل ممرات تصريف آمنة تنظم حركة المياه وتعمل كجدران تصفية تحجز الأتربة والمواد العضوية المنجرفة لحماية التجمعات السكنية وتقليل تراكم الطمي في السدود.

ويتوجب الاستثمار طويل الأمد في إعادة تشجير النسيج الغابي عبر غرس أصناف شجرية وفصائل نباتية محلية تتحمل الجفاف وتقاوم النيران، بناءً على تقييم فعلي وتقرير شامل للخسائر تعده لجان مختصة بمشاركة سكان التجمعات القروية والجمعيات البيئية.

كما يقتضي الأمر تفعيل أنظمة الإنذار المبكر والمراقبة الدورية لدرجة حموضة ونوعية المياه في السدود عقب الأمطار الأولى، وتنظيف وتطهير قنوات التصريف المحيطة بالمناطق المتضررة لمنع تسرب المواد العضوية والمعادن الثقيلة إلى باطن الأرض.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى