
أكثر من أحد عشر عامًا منذ انطلاق «عاصفة الحزم»، وها نحن أمام «فجر اليمن» ووعود متجددة بالحسم العسكري! تتغير أسماء العمليات، والنتيجة واحدة، دمار وجوع ونزوح لليمنيين، واستنزاف عسكري واقتصادي للسعوديين، وصواريخ ومسيّرات تصل إلى عمق بلادهم.
الهجمات المتبادلة وسقوط الضحايا واستهداف المطارات والمنشآت السعودية، ثم طلب المساندة الأمريكية والبريطانية، تكشف حجم المأزق. فبعد سنوات من خطاب الحسم، تطلب الرياض مزيدًا من الحماية الخارجية لتأمين أجوائها ومنشآتها!
استهداف المدنيين مدان في السعودية كما في اليمن؛ رحم الله الضحايا وشفى المصابين. فأرواح الأشقاء ليست أوراق ضغط، وجرائم طرف لا تبرر جرائم الآخر. لكن الإدانة لا تعفي أصحاب القرار من المساءلة: كيف انتهت سياسات حماية الأمن إلى هذا الاستنزاف؟ وهل يكون الحل بتوسيع الحرب أم بمراجعة أسبابها؟!
في تقديري ، هذا حصاد سياسات سعت إلى احتواء ثورة اليمنيين وهندسة مستقبلهم من الخارج. وتتحمل السعودية والإمارات وإيران مسؤولية كبيرة عن تعميق الكارثة، بالتدخل العسكري ودعم تشكيلات مسلحة متنافسة وتحويل اليمن إلى ساحة لصراعات النفوذ.
ولا يعفي ذلك القوى اليمنية، وفي مقدمتها الحوثيون الذين فرضوا سلطتهم بالسلاح. لكن الحسابات السعودية أسهمت في تهيئة الظروف لتمددهم؛ فالعداء للإخوان وإضعاف حزب الإصلاح وقاعدته القبلية، كما تناول تحليل نشرته «كارنيغي»، سهّلا تقدم الحوثيين نحو صنعاء.
وتحالف علي عبدالله صالح مع الحوثيين لاستعادة نفوذه والانتقام ممن أطاحوا به، قبل أن ينتهي التحالف بمقتله على أيديهم. هكذا تضافرت حسابات الثورة المضادة وصراعات السلطة والتدخلات الخارجية لإجهاض آمال اليمنيين وتعطيل انتقالهم السياسي.
بعد كل هذه السنوات، ألم يتضح أن السيطرة على مدينة لا تصنع توافقًا، وإخضاع الناس بالقوة لا يبني دولة؟! والمظلة العسكرية الأجنبية قد تعترض صاروخًا، لكنها لا تعالج جذور الصراع ولا تصنع سلامًا.
أمن السعودية يحتاج إلى يمن مستقر يملك قراره، وأمن اليمن يحتاج إلى إنهاء الوصاية الخارجية وسلطة المليشيات. والمطلوب وقف تغذية الحرب، ووقف شامل لإطلاق النار، وحوار يمني يضمن المشاركة والحقوق، بلا وصاية ولا إملاءات.
ومن يريد مساعدة اليمن، فليوجّه أمواله إلى المدارس والمستشفيات وإعادة الإعمار.
فجر اليمن الحقيقي سيشرق حين تتوقف الحرب، ويملك اليمنيون قرارهم، ويأمن أطفالهم الجوع والقصف، ويأمن جيرانهم الصواريخ والمسيّرات.
كفى استنزافًا.. وكفى رهانًا على حرب يدفع ثمنها الجميع، ولا تصنع أمنًا لأحد!





