مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: أوراق النديم الهاربة من البسفور للنيل(الحلقه 18)..الاحتفاء في الاختفاء والمسامير والنديم أسير



عجيب أمر هذا الرجل. كلما ظننت أنني اقتربت من نهاية حكايته، فتحت لي ورقة قديمة بابًا إلى حكاية أخرى. وكأن عبد الله النديم، الذي قضى سنوات يهرب من عيون السلطة، ترك وراءه أوراقًا تتقن الاختفاء أكثر مما أتقنه صاحبها.
في الآستانة، جرت واقعة تستحق أن تكون فصلًا في رواية، لولا أنها وردت في كتب التاريخ.


كان النديم قد انتهى من تأليف كتاب ساخر أسماه «المسامير»، وجّه فيه سهام هجائه إلى الشيخ أبي الهدى الصيادي، أحد أكثر رجال الحاشية قربًا من السلطان عبد الحميد الثاني.
بلغ الخبر الصيادي، فقيل إنه أبلغ السلطان أن الكتاب يتضمن هجاءً له أيضًا. وبدأ البحث عن المخطوطة، التي لم تكن قد طبعت بعد.


لكن الكتاب اختفى.
ولم يكن اختفاؤه نهاية الحكاية، بل بدايتها.
يروي أحمد أمين أن رجلًا يدعى جورج كرتشي، كان على صلة بالنديم وجمال الدين الأفغاني، احتفظ بالمخطوطة وأخفاها، ثم استطاع الفرار بها إلى مصر، حيث طبعت بعد ذلك.
أتخيل تلك الأوراق وهي تنتقل بين الأيدي، لا يميزها في ظاهرها شيء عن أي أوراق أخرى. لكنها تحمل كلمات كان يمكن أن تثير غضب رجل من أقوى رجال السلطنة.
ولا أعرف كيف جرى العبور، ولا الطريق الذي سلكه حامل المخطوطة، ولا ما إذا كانت الأوراق قد خبئت بين ثياب أو في حقيبة سفر. فالمصدر لا يقدم هذه التفاصيل.
لكن المفارقة التي بقيت بعد أكثر من قرن تستحق التأمل.
نجحت بعض أوراق النديم في الرحلة التي حُرم منها صاحبها. عادت الكلمات إلى مصر، وبقي الكاتب أسير المنفى.
ولم تكن «المسامير» مجرد كتاب في الخصومة بين رجلين.
كانت عنوانًا لطبيعة عصر تختلط فيه السلطة بالشخص، والسياسة بالمكانة الدينية، ويصبح القرب من الحاكم بابًا واسعًا للنفوذ.
لكن من الإنصاف أن نتوقف أمام الوجه الآخر للحكاية.
فأحمد أمين، الذي نقل واقعة تهريب المخطوطة، لم يبد إعجابًا بمضمون الكتاب، بل انتقد ما تضمنه من هجاء جارح، ورأى أنه لم يكن مما يشرف صاحبه.
وهنا تظهر قيمة الحرية في صورتها الأصعب.
أن ندافع عن حق الكاتب في التعبير، دون أن نكون ملزمين بالدفاع عن كل ما كتب.
فالكاتب الكبير قد يخطئ، وصاحب الموقف الوطني قد يظلم خصمه، والموهبة العظيمة لا تمنح صاحبها حصانة أخلاقية.
الحرية ليست شهادة بحسن السلوك، ولا جائزة تمنح للأفكار التي نحبها.
إنها حق لا ينبغي أن يتوقف على رضا أصحاب السلطة.
ولهذا أستطيع أن أختلف مع بعض ما كتبه النديم في «المسامير»، وأن أرفض في الوقت نفسه أن يصبح مصير كتابه مرهونًا بغضب رجل نافذ.
لكن «المسامير» لم تكن إلا ورقة واحدة من شجرة هائلة، تساقطت أوراق كثيرة منها على طرق المطاردة والمنفى.
أعدت قراءة ترجمة جرجي زيدان للنديم، وهي تستند إلى سيرة وضعها صديقه أحمد سمير، فوقفت أمام أرقام تكاد تصدم القارئ.
يتحدث زيدان عن دواوين شعرية تضم آلاف الأبيات، وعن واحد وعشرين كتابًا في موضوعات مختلفة، وعن ديوان قارب عشرة آلاف بيت، قيل وقت كتابة الترجمة إنه كان محجورًا عليه في الآستانة.
ثم يذكر عناوين بعضها يبدو كأنه يحمل سيرة صاحبه بين كلماته.
«النخلة في الرحلة».
«الشرك في المشترك».
«موحد الفصول وجامع الأصول».
وأشدها إثارة لوجداني عنوان «الاحتفاء في الاختفاء».
يا لها من بلاغة تختصر العمر!
رجل عاش قرابة عشر سنوات متواريًا عن عيون المطاردين، يصنع من الاختفاء عنوانًا لكتاب.
لا نملك نصًا كاملًا موثقًا لهذا العمل، فلا نستطيع أن نجزم بمضمونه. لكن العنوان وحده يدعوني إلى تصور رجل يكتب ليلًا، في غرفة لا يريد أن يعرف أحد موضعها، ويصغي إلى وقع الخطوات في الخارج قبل أن يعود إلى قلمه.
ربما كان يكتب ليهزم الخوف.
وربما كان يخشى أن تضيع حياته من دون أن يترك لها شاهدًا.
وربما كانت الكتابة، في سنوات الاختفاء، وطنه الصغير الذي يستطيع أن يدخله كلما ضاقت عليه الأرض.
فليس كل اختفاء غيابًا، وقد يترك المختفي أثرًا أعمق من أثر الذين ملأوا الدنيا حضورًا.
ومن أغرب ما وجدته عند جرجي زيدان أن جامعي تراث النديم لم يستطيعوا، بعد جهد كبير، الوصول إلا إلى أربع عشرة رسالة من رسائله الأدبية.
أربع عشرة رسالة!
أيعقل أن هذا الرجل الذي ملأ الصحف والخطب والمجالس بالكلام، لم يبق من رسائله التي أمكن جمعها آنذاك إلا هذا العدد؟
كم رسالة كتب إلى أمه؟
وكم كتب إلى شقيقه عبد الفتاح؟
وكم ورقة أرسلها إلى صديق في مصر، يطمئنه فيها على صحته، أو يشكو إليه وحدته، أو يسأله عن أخبار وطن لم تفارقه ذكراه؟
لا نعرف.
وربما أجد هنا جوابًا لمن يكررون عليّ: لماذا تكتب كل هذا القدر؟
أكتب لأن المنفى يجعل للكلمات وظيفة أخرى. فهي تسافر عوضًا عنا. لكن حظي أفضل من حظ النديم. فكلماتي تعبر البحار في ثوانٍ، وقد تحفظها الذاكرة الرقمية طويلًا، بينما كانت رسائله تحتاج إلى يد أمينة تحملها، وسفينة تعبر بها، وأيام أو أسابيع من الانتظار، وربما تصل بعد أن يتغير كل ما كتبت من أجله.
ولا يصح أن نملأ فراغ الوثائق بحكايات ننسبها إليه.
لكننا نستطيع أن نفهم ما تعنيه الرسالة لرجل يعيش بعيدًا عن بلاده.
فالرسالة ليست حبرًا فوق الورق فحسب.
إنها محاولة للمصافحة من وراء البحار.
وعناق تؤجله المسافات.
ونافذة يفتحها المنفي في جدار غربته.
وقد تكون رسالة قصيرة، كتبها رجل في ساعة ضعف، أصدق في الكشف عن إنسانيته من خطبة هزت آلاف المستمعين.
لهذا أبحث عن رسائل النديم بشغف لا يقل عن شغفي بالبحث عن قبره.
فالقبر يخبرنا أين انتهى الجسد.
أما الرسالة فقد تخبرنا كيف عاش القلب.
ولعل من أكثر التفاصيل التي لفتتني في سيرة النديم ما رواه جرجي زيدان عن سخائه.
يذكر أنه كان يتلقى مالًا من مصر ومن الآستانة، فلا تمر أيام حتى يكون قد وزعه على الأقارب والمحتاجين، دون أن يحتفظ لنفسه إلا بالقليل.
ويصفه بأنه لم يكن يرد سائلًا، ولا يطالب من أقرضه باسترداد قرضه.
لا أعرف مقدار ما في هذه الصورة من محبة الصديق الذي نقل سيرته، لكنني أجد فيها وجهًا آخر للرجل الذي نعرفه ساخرًا ومقاتلًا بالكلمات.
كان شديدًا في خصومته، رقيقًا في عطائه.
لسانه حاد في مواجهة أصحاب النفوذ، ويده مفتوحة لمن يقصده محتاجًا.
وأعرف من تجربة السجن والمنفى أن الناس لا يرون دائمًا من المعارض إلا وجهه السياسي، بينما تختبئ وراء ذلك الوجه حياة أخرى، فيها ضعف الإنسان، وحنينه، واحتياجه إلى من يسأله عن يومه لا عن موقفه. ولهذا أبحث عن النديم الإنسان، لا عن النديم الذي صنعته المنابر وحدها. وهذه التناقضات الإنسانية أجمل من الصورة المصقولة التي تصنعها كتب التمجيد.


فنحن لا نبحث عن قديس، بل عن إنسان.
إنسان يستطيع أن يغضب ويخطئ، وأن يسخر بقسوة، ثم يلين قلبه أمام محتاج لا يعرفه.
وبعد رحيله، بدأت رحلة أخرى لإنقاذ ما تبقى من صوته.
نهض شقيقه عبد الفتاح وصديقه محمود واصف بجمع ما استطاعا الوصول إليه من كتاباته، وخرج إلى النور كتاب «سلافة النديم».
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن الذين حاولوا إنقاذ تراثه لم يكونوا أصحاب سلطان، بل أصحاب وفاء.
أتخيل عبد الفتاح وهو يقلب أوراق أخيه، يتعرف على خطه، ويقرأ عباراته، وربما يتوقف عند كلمة تذكره بصوته.
وأتخيل محمود واصف يبحث بين الصحف القديمة والرسائل المتناثرة عما يمكن جمعه قبل أن يبتلعه النسيان.
لقد جمعا كتابًا من بقايا حياة.
ولم يعيدا عبد الله إلى الدنيا، لكنهما أعادا إلى الدنيا شيئًا من عبد الله.
والأجمل أن النسخ القديمة من «سلافة النديم» لا تزال محفوظة في مجموعات مكتبية، ومنها نسخة مصورة أتاحتها مجموعة الكتب العربية الرقمية بمساهمة مكتبة جامعة كورنيل، هنا يصبح الوفاء قابلًا لأن نراه بأعيننا، لا أن نكتفي بالحديث عنه.


ولا تزال أمامنا حكاية أخرى لم تستكمل وثائقها.
فقد نقل رشيد رضا عن شقيق النديم أن بعض كتب أخيه بقيت في الآستانة عند الشيخ محمد ظافر، وأن تسليمها تعثر بسبب أمر بفحصها.
هذه شهادة تستحق البحث، لكنها لا تثبت أين انتهت الكتب، ولا أن النسخ المذكورة بقيت إلى يومنا هذا.
قد نجد أثرها في فهرس عثماني، أو سجل مكتبة، أو مجموعة خاصة.
وقد لا نجد شيئًا.
لكنني أرفض أن يتحول نقص الدليل إلى عذر لوقف البحث، كما أرفض أن يتحول الأمل إلى يقين لا سند له.
فالفارق بين الباحث وصانع الأساطير أن الأول يستطيع أن يقول لا أعرف، ثم يواصل البحث.
أما الثاني فيملأ الفراغ بما يتمنى أن يكون صحيحًا.
أعود إلى «المسامير» التي وجدت طريقها إلى النيل، وإلى «الاحتفاء في الاختفاء» الذي ما زلنا نبحث عن نصه، وإلى الرسائل الأربع عشرة التي استطاع جامعو التراث الوصول إليها.
ثلاث صور لثلاثة مصائر.
كتاب نجا.
وكتاب بقي عنوانه شاهدًا على غياب نصه.
ورسائل قليلة أفلتت من ضياع أوسع.
أمشي اليوم في إسطنبول التي مشى فيها النديم قبل أكثر من قرن، وأعرف أن المدينة تبدلت، وأن وسائل الاتصال تغيرت، وأن المنفى صار أقل عزلة في ظاهره. لكن الهاتف الذي يحمل إليك صوت وطنك لا يحمل إليك الوطن. والشاشة التي تريك شوارع مدينتك لا تمنح قدميك حق السير فيها.
كأن الزمن تقدم في كل شيء، إلا المسافة التي تفصل المنفي عن باب بيته.
وأفكر أن من أقسى أشكال المنفى ألا يغيب الإنسان عن وطنه وحده، بل أن تتفرق كلماته بعد موته، فلا يعرف أحد أين انتهت.
لهذا لم يعد مشروع «من النيل إلى البوسفور» مجرد بحث عن قبر في مقبرة يحيى أفندي.
إنه بحث عن جسد غاب، وأوراق تفرقت، وفكر يستحق أن يعود كاملًا إلى أصحابه.
في الحلقة السابقة، بحثنا عن قبر النديم الذي ضاع عنوانه. واليوم نبحث عن كتب بقيت عناوينها وضاعت صفحاتها.
وما أشد المفارقة أن تنجو بعض كلمات الرجل من قبضة السلطان، ثم تواجه بعد قرن وثلث قرن عدوًا آخر لا يقل خطرًا.
النسيان.
لقد استطاعت بعض أوراق النديم أن تعبر من البوسفور إلى النيل.
فهل نستطيع نحن أن نكمل الرحلة، ونعيد من أوراقه ما بقي، ومن فكره ما غاب، ومن سيرته ما يستحق أن يعيش؟
غدا (الحلقه 19)قد تحمل مفاجأة

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى