«مفيش حد اتقبض عليه»… والسجون ترد على اعلامي النظام نشأت الديهي

في ليلة الأربعاء، قرر نشأت الديهي أن يعلن من استوديو قناة «TEN» أن مصر لا تعرف الحبس بسبب الكلمة «مفيش حد كتب مقال وقبضوا عليه، مفيش حد كتب بوست بيهاجم رئيس الدولة وقبضوا عليه»، الجملة قصيرة وواثقة، لكن الوقائع الموثقة تهدمها واحدة بعد أخرى.
ما الذي قاله الديهي؟
قالها في برنامجه «بالورقة والقلم»، بنبرة من لا يحتاج إلى ورقة ولا قلم، المفارقة أن الورق متاح: أوراق نيابة أمن الدولة العليا، وبيانات المجلس القومي لحقوق الإنسان، وتقارير الأمم المتحدة، ورسائل منظمات دولية.
والمجلس القومي، وهو جهة تابعة للحكومة نفسها، وثّق حالات احتجاز ومحاكمة لصحفيين ومحامين وكُتّاب وفنانين بسبب تعبيرهم السلمي عن آرائهم، وتقريره السنوي، بحسب «المنصة»، أقرّ بالحبس الاحتياطي المطوّل وتدوير المتهمين في قضايا جديدة وحجب المواقع الإخبارية ومضايقة الصحفيين المستقلين.
مقال واحد يكفي: أحمد دومة
في 25 مارس 2026 نشر أحمد دومة في «العربي الجديد» مقالًا بعنوان «من السجن داخل الدولة إلى الدولة داخل السجن»، بعد 12 يومًا، في 6 أبريل، كان في نيابة أمن الدولة العليا بعد استجواب استمر ست ساعات، ثم صدر قرار بحبسه، وفي 3 يونيو حكمت محكمة جنح القاهرة الجديدة بحبسه سنة مع الشغل والنفاذ بتهمة نشر أخبار كاذبة، وأيدت الاستئناف الحكم في 16 يوليو.
القضية لم تقتصر على المقال، فقد شملت منشورًا في 29 مارس ينتقد الإضاءة الساطعة المستمرة داخل السجون، والدستور نفسه، في مادته 71، يمنع العقوبة السالبة للحرية في جرائم النشر.
وبحسب «القلم الدولي»، رفضت المحكمة طلبات الدفاع بسماع شهود وخبراء ومعاينة السجون للتحقق من واقعة الإضاءة التي اعتبرتها النيابة «أخبارًا كاذبة»، وقالت منظمة العفو الدولية إنه محتجز بسبب ممارسة حقه في حرية التعبير وحده.
أستاذ الإعلام الذي كتب عن «إعلام البغال»
في سبتمبر 2021 أُلقي القبض على الأستاذ الدكتور أيمن منصور ندا، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، بتهمة ترويع مؤسسات الدولة وتعطيلها، بعد مقاله «إعلام البغال من أحمد موسى إلى كرم جبر» الذي انتقد فيه سيطرة المخابرات على وسائل الإعلام، وأُفرج عنه بعد أكثر من شهر بضمان محل إقامته، وبحسب «العربي الجديد»، فإن ندا نفسه معروف بتأييده للرئيس السيسي، ما يعني أن الحبس لم يقتصر على المعارضين.
رسام كاريكاتير
في يوليو 2024 أُلقي القبض على أشرف عمر، رسام الكاريكاتير بموقع «المنصة»، وهو في منزله بالجيزة، اختفى يومين قبل ظهوره أمام نيابة أمن الدولة، ووُجهت إليه تهمتا الانضمام إلى جماعة إرهابية وإساءة استخدام مواقع التواصل، وسألته النيابة عن رسوم تتناول أزمة الكهرباء والوضع الاقتصادي، وقالت زوجته إنه تعرض للتعذيب، جُدد حبسه 45 يومًا في أكتوبر 2025، هنا لم يكن الأمر مقالًا ولا بوستًا، بل رسمًا بالقلم الرصاص.
«بوست» من نقطة تفتيش
في سبتمبر 2025 أوقفت قوة أمنية الصحفي إسماعيل الإسكندراني عند نقطة تفتيش بمطروح عائدًا من سيوة، وانقطع الاتصال به أكثر من 12 ساعة، استُجوب بشأن 17 منشورًا على «فيسبوك» (وتذكر بيانات حقوقية 18)، واتُّهم بنشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة إرهابية، وهو محبوس على ذمة القضية 6469 لسنة 2025 أمن دولة.
وتزامن القبض عليه مع فترة وصفتها منظمات حقوقية بأنها «انفراجة» عقب عفو رئاسي بيومين فقط، ويعاني الإسكندراني السكري وصعوبات في التنفس، وقد قضى قبل ذلك سبع سنوات في السجن بين 2015 و2022.
«مفيش حد اتقبض عليه».. والقائمة تردّ على الديهي
حين قال نشأت الديهي إن «مفيش حد كتب مقال وقبضوا عليه»، لم يكن بحاجة إلى أكثر من ملف واحد في أرشيف المرصد المصري للصحافة والإعلام ليسقط كلامه، فقد وثّق المرصد في سبتمبر 2025 احتجاز أكثر من 11 صحفيًا بسبب تعبيرهم عن آرائهم، وجّهت إليهم تهم نشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة محظورة.
بين هؤلاء أحمد بيومي، الصحفي بموقع «إرم نيوز»، الذي لا يزال محبوسًا بتهمة نشر بيانات وأخبار كاذبة، ومصطفى الخطيب، العامل بوكالة «أسوشيتد برس»، المحبوس منذ أكتوبر 2019 بتهمتي نشر الأخبار الكاذبة والانضمام إلى جماعة إرهابية، وسبب القبض عليه تقرير عن طلاب بريطانيين غادروا مصر.
ومدحت رمضان، من موقع «شبابيك»، المحبوس منذ 2020 بالتهم نفسها، وحمدي الزعيم، المصور الصحفي الذي أُلقي القبض عليه عام 2021 ولا يزال محبوسًا بالتهم نفسها، أمثال هؤلاء لا يردّ عليهم برنامج «بالورقة والقلم»، لأن ما كتبوه هو «الورقة» وما حدث لهم هو الإجابة على «القلم».
الصحافة المستقلة في قفص الاتهام
في أغسطس 2025 استُجوبت لينا عطا الله، رئيسة تحرير «مدى مصر»، ثلاث ساعات بتهمتي إذاعة أخبار كاذبة وإدارة موقع من دون ترخيص، بعد أيام من نشر الموقع تقريرًا عن سجن «بدر 3»، أُخلي سبيلها بكفالة 30 ألف جنيه على ذمة القضية 6182 أمن دولة عليا، وتقول «مراسلون بلا حدود» إنها الملاحقة الخامسة لصحفيي الموقع في خمس سنوات، والموقع محجوب في مصر منذ سنوات.
وفي الشهر نفسه أُلقي القبض على الصحفي إسلام الراجحي، وهو عضو في نقابة الصحفيين، ووُجهت إليه تهمتا تعمد إزعاج الغير وقذف موظف عام عن طريق النشر، بعد منشور على «فيسبوك» عن القمامة وتردي الخدمات في قريته بدمياط، ثم أُخلي سبيله، وأصدرت وزارة التنمية المحلية بيانًا تنفي فيه أي صلة بين القبض عليه وانتقاده للخدمات.
وحتى «الفيديو الساخر»
في مايو 2016 أُلقي القبض على أعضاء فرقة «أطفال شوارع»، شبان تتراوح أعمارهم بين 19 و25 عامًا، بعد فيديو يسخر من سياسات الرئيس عبدالفتاح السيسي، اتُّهموا بإهانة مؤسسات الدولة، وجُدد حبسهم مرارًا، وحُجبت صفحتهم، وهذه هي الواقعة الأقرب إلى ما نفاه الديهي بالضبط: مادة نُشرت على الإنترنت تسخر من رئيس الدولة، ثم قبض.
والأرقام لا تجامل
وضعت «مراسلون بلا حدود» مصر في المرتبة 169 من 180 في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، ضمن فئة «خطيرة جدًا»، وهبط مؤشرها التشريعي من 32.65 إلى 27.32 بسبب تجريم العمل الصحفي بقوانين الأمن القومي، وتصنف لجنة حماية الصحفيين مصر ضمن أكبر سجّاني الصحفيين في العالم، بـ19 صحفيًا خلف القضبان.
وبعد التصريح بأيام: فريق تحرير كامل
في 28 و29 سبتمبر 2026 اعتقلت قوات الأمن الصحفيين الستة الذين يشكلون كامل الطاقم التحريري لمنصة «مصدقش» للتحقق والتحقيقات، في أول واقعة من نوعها في مصر بحسب «هيومن رايتس ووتش».
وصفتها وزارة الداخلية بأنها صفحة غير مرخصة تُدار من الخارج وتنشر «معلومات مضللة»، وربطتها بجماعة الإخوان، وقال الصحفيون لمحاميهم إنهم تعرضوا للتعذيب وأُجبروا على تصوير اعترافات، ونفت الشرطة ذلك.
وأدانت أكثر من 80 منظمة ما جرى، ونظم صحفيون اعتصامًا في نقابتهم، وارتفع عدد الصحفيين المحتجزين بسبب عملهم إلى 26 بحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.
الديهي قال إن لا أحد يُقبض عليه بسبب مقال أو بوست، الوقائع تقول إن كاتب المقال سُجن، ورسّام الكاريكاتير سُجن، وصاحب المنشورات سُجن، وفريق صحفي كامل اعتُقل، وأوراق المجلس القومي لحقوق الإنسان، الجهة الحكومية، تقول غير ما قاله على الهواء.







