أخبار العالممصرملفات وتقارير

هل حذر عباس كامل قبل 7 أكتوبر؟ الجدل يتجدد على طريقة تحذيرات الملك حسين

تستمر التداعيات السياسية والتاريخية المحيطة بالذكرى الثالثة للهجوم الذي وقع في السابع من أكتوبر، لتعيد إلى الواجهة نقاشا محتدما حول الأدوار الاستخباراتية والتحذيرات المبكرة التي سبقت المواجهة. يطرح هذا الملف تساؤلات ملحة حول طبيعة ما دار في كواليس الدبلوماسية الأمنية الإقليمية، وتحديداً التحركات التي قامت بها الأجهزة المعنية قبل أيام معدودة من اندلاع الأحداث. وفي قلب هذا الجدل، تبرز تفاصيل الزيارة المثيرة التي قام بها رئيس المخابرات المصرية آنذاك، عباس كامل، إلى إسرائيل، وما تبعها من ردود رسمية متباينة وتأويلات سياسية متشعبة بين مؤيد ومعارض لطبيعة تلك التحركات الدبلوماسية.

كواليس التحذيرات الاستخباراتية وتفاصيل زيارة بن غوريون

تشير التحقيقات الصحفية الاستقصائية، وتحديداً ما نشرته مجلة “ذي أتلانتيك”، إلى أن المسؤول الأمني المصري الرفيع حط رحله في مطار بن غوريون بتاريخ السادس والعشرين من سبتمبر لعام 2023، على متن طائرة تابعة لجهاز المخابرات، حيث استغرقت زيارته نحو سبعة وستين دقيقة فقط. وتكشف تقارير أخرى صادرة عن صحيفة “وول ستريت جورنال” أن هذا التحرك كان بمثابة الإنذار الثالث من نوعه الذي توجهه القاهرة بشأن الأوضاع المشتعلة في قطاع غزة، إذ نقل المسؤول المصري تحذيرات واضحة للمسؤولين الإسرائيليين مفادها أن الأوضاع الميدانية والمعيشية في القطاع بالغة الصعوبة وتنطوي على احتمالية كبيرة للانفجار في وجه الجميع. وتؤكد المعطيات أن قنوات الاتصال المصرية ظلت تنقل رسائل مقلقة وتحذيرية حتى الخامس من أكتوبر، أي قبل يومين فقط من اندلاع الهجوم، دون أن تلقى تلك التحذيرات التجاوب المطلوب من الجانب الإسرائيلي الذي واجه اتهامات بالتقصير في قراءة المشهد الاستخباراتي بصورة صحيحة.

تفاعلات النفي والاعتراف الرسمي ومضمون الرسائل الأمنية

تدرجت الردود الرسمية الصادرة من تل أبيب من الإنكار القاطع إلى الاعتراف الجزئي المتأخر، حيث نفى مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البداية تلقي أي تحذيرات مسبقة، زاعماً عدم حدوث أي لقاء أو حديث طوال الأشهر التي سبقت السابع من أكتوبر، وهو النفي الذي دعمه رئيس مجلس الأمن القومي السابق تساحي هنغبي الذي أنكر وقوع الزيارة برمتها. غير أن نتنياهو تراجع لاحقاً ليقر رسمياً بأن المسؤول المصري هبط بالفعل في إسرائيل قبل نحو أسبوع ونصف من الأحداث، محاولاً التقليل من شأن الزيارة عبر التشكيك في هوية الشخصيات التي التقاها، ومشيراً إلى أن الوفود المصرية تضم عادة شخصيات مرافقة ولا تلتقي برؤساء الدول مباشرة. وفي المقابل، أشار بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى أن القاهرة نفت رسمياً في الحادي عشر من أكتوبر تلقيها أو إطلاقها تحذيرات بهذا الشأن، بينما غابت الردود الرسمية المصرية المباشرة على تفاصيل تحقيق “ذي أتلانتيك”. أما عن مضمون التحذير، فقد اقتصر على تقييم سياسي عام يحذر من استعداد فصائل المقاومة وفي مقدمتها حركة حماس لتصعيد واسع النطاق في غزة، مترافقاً مع دعوات مصرية مستمرة لتقديم تسهيلات اقتصادية ومعيشية للقطاع لتخفيف حدة الاحتقان ومنع الانفجار، دون أن يتضمن التقرير الاستخباراتي خططاً عملياتية مفصلة أو تواريخ دقيقة للتنفيذ.

المقارنة التاريخية مع حرب أكتوبر وظلال زيارة الملك حسين

يستدعي هذا المشهد السياسي استدعاء مقارنات تاريخية بارزة، لعل أبرزها اللقاء السري الذي جمع العاهل الأردني الراحل الملك حسين برئيسة وزراء إسرائيل غولدا مائير في الخامس والعشرين من سبتمبر لعام 1973، أي قبل نحو أسبوعين من اندلاع حرب أكتوبر. تشير الوثائق والأرشيفات المفرج عنها إلى أن الملك حسين نقل تحذيرات تفيد بأن الجانب السوري بات في وضع الاستعداد التام لشن حرب عسكرية، حتى إنه أرسل برقية مشفرة قبل ست ساعات فقط من انطلاق المعارك ليؤكد أن الحرب ستبدأ قريباً. ومع ذلك، تتباين الروايات التاريخية بشأن تلك الواقعة، إذ تشير دراسات معهد بروكينغز إلى أن الروايات الإسرائيلية الأولى زعمت تجاهل القيادة السياسية لتحذيرات صريحة بشأن هجوم عربي مشترك، بينما تفيد البروتوكولات الرسمية بأن العاهل الأردني أكد عدم رغبته في الانضمام المباشر للقتال، لكنه سعى لإظهار التضامن الشكلي مع مصر وسوريا لتفادي الاتهام بالخيانة، مستشهدة بإرسال رئيس استخباراته إلى دمشق صباح السادس من أكتوبر. ورغم التقارب الزمني وطابع السرية وتجاهل التحذيرات في الواقعتين، تظل هناك فروق جوهرية تتمثل في طبيعة الأطراف المحذرة والمحذَر منها، وطبيعة العلاقات الدبلوماسية والاتفاقيات الرسمية بين الدول المعنية في الفترتين، فضلاً عن الدور المحوري للوساطة المصرية التي جعلت من نقل التقديرات جزءاً أصيلاً من العمل الدبلوماسي المستمر بين إسرائيل وحماس.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى