مقالات وآراء

الدكتور أيمن خالد يكتب: أوروبا والسلطة الفلسطينية.. من إدارة القضية إلى احتواء إرادة الشعب

من وعد بلفور إلى أوسلو والانتخابات المؤجلة: من يملك القرار الفلسطيني، ومن يستفيد من بقائه محدودًا؟

ليست القضية الفلسطينية ملفًا إداريًا يحتاج إلى مؤسسات أكثر كفاءة، ولا أزمة إنسانية تنتظر مزيدًا من المساعدات، ولا خلافًا سياسيًا يمكن احتواؤه ببيانات دبلوماسية تتجدد كلما اتسعت دائرة المعاناة. إنها قضية شعب حُرم من تقرير مصيره، وشهد اقتلاعًا وتهجيرًا واحتلالًا ومصادرةً للأرض، وظل يناضل من أجل حريته وحقه في إقامة دولته، فيما تتبدل الحكومات والتحالفات والمبادرات الدولية.

ومن هنا، فإن السؤال عن أوروبا لا يبدأ من بيانها الأخير بشأن الانتخابات الفلسطينية، بل من موقعها في التاريخ السياسي للقضية، ومن طبيعة الأدوات التي استخدمتها، والحدود التي رسمتها لنفسها حين اصطدمت الحقوق الفلسطينية بمصالحها وعلاقاتها الدولية.

في 14 أكتوبر 2026، أعرب الاتحاد الأوروبي عن أسفه لتأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية إلى سبتمبر 2027، ودعا إلى إجرائها في أقرب وقت، مؤكدًا أن الانتخابات شرط للشرعية الديمقراطية والمساءلة وتجديد المؤسسات. وسبقت ذلك دعوة فرنسية في 11 أكتوبر، ثم بيان مشترك لفرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا في 13 أكتوبر، دعا القيادة الفلسطينية إلى إعادة النظر في قرار التأجيل.

هذه مواقف ينبغي تسجيلها كما هي، لكنها لا تكفي وحدها لإصدار حكم إيجابي على الدور الأوروبي. فالسؤال الذي يتجاوز لغة البيانات هو: هل تريد أوروبا فلسطينيين يختارون قيادتهم فحسب، أم تريد أيضًا أن يمتلك هؤلاء الفلسطينيون القدرة الفعلية على تقرير مستقبلهم وإنهاء الاحتلال؟

إن الفرق بين الأمرين هو المسافة الفاصلة بين دعم الشرعية السياسية وإعادة إنتاج إدارة الأزمة.

أولًا: الفلسطينيون ليسوا صناعة دبلوماسية أوروبية

قبل أن يصبح الفلسطينيون موضوعًا لمؤتمرات السلام ومبادرات التسوية، كانوا شعبًا له أرض وتاريخ ومجتمع وحق في تقرير المصير. ولم تنشأ قضيتهم لأن الحكومات الأوروبية اكتشفت مظلوميتهم، كما لم يستمر نضالهم لأن العواصم الغربية منحتهم اعترافًا أو سمحت لهم بالتحرك في المساحات التي رسمتها.

لقد حمل الفلسطينيون قضيتهم عبر أجيال من النضال الوطني والسياسي والشعبي، ودفعوا أثمانًا باهظة في مواجهة التهجير والاحتلال والحروب والحصار. وأسهمت حركات التحرر الوطني، ومنظمة التحرير الفلسطينية، والفلسطينيون في الشتات، والقوى المدنية والحقوقية، في إبقاء القضية حاضرة في الضمير العالمي، حتى حين حاولت بعض التسويات حصرها في ترتيبات أمنية وإدارية.

كما أن التضامن الدولي مع فلسطين لم يكن منحة من الحكومات؛ فقد صنعته أيضًا حركات شعبية ونقابات وجامعات وحقوقيون وكتّاب وصحفيون، بينهم أوروبيون تحدّوا سياسات حكوماتهم وطالبوا بمحاسبة إسرائيل واحترام الحقوق الفلسطينية.

لذلك، لا يجوز أن نخلط بين أوروبا الرسمية وأوروبا المجتمعات والقوى المتضامنة. فهناك أصوات أوروبية وقفت إلى جانب الفلسطينيين، وهناك حكومات تبنت مواقف متفاوتة، وهناك مؤسسات أصدرت قرارات وانتقدت ممارسات إسرائيلية، لكن هذا التعدد لا يعفينا من تقييم السياسات الرسمية وفق أثرها الفعلي.

فالشعوب التي تناضل من أجل حريتها لا تُقاس قضيتها بعدد الحكومات التي تعلن التعاطف معها، بل بمدى قدرتها على تحويل حقوقها إلى واقع.

ثانيًا: من وعد بلفور إلى أوسلو… التاريخ لا يبدأ من نقطة مريحة لأوروبا

لا يمكن تناول العلاقة الأوروبية بالقضية الفلسطينية من دون التوقف عند وعد بلفور الصادر عام 1917، الذي عبّرت فيه الحكومة البريطانية عن دعم إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين، في صيغة لم تمنح الشعب العربي الفلسطيني حقًا سياسيًا مماثلًا في تقرير مصيره.

ثم جاء الانتداب البريطاني، بما حمله من آثار عميقة في تشكيل الواقع السياسي والديمغرافي في فلسطين، قبل حرب 1948 وقيام إسرائيل ونكبة الفلسطينيين وتهجير أعداد كبيرة منهم. وفي عام 1967، احتلت إسرائيل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، لتدخل القضية مرحلة أخرى من الاحتلال العسكري والصراع على الأرض والسيادة.

وبعد عقود من المقاومة والتحولات الدولية، جاءت اتفاقات أوسلو في تسعينيات القرن الماضي، لتفتح باب الاعتراف المتبادل والترتيبات الانتقالية، لكنها لم تُنهِ الاحتلال ولم تُنجز قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة.

ومن الضروري هنا التمييز بين بريطانيا التي أصدرت وعد بلفور، والاتحاد الأوروبي بصورته المؤسسية المعاصرة؛ فهما ليسا كيانًا سياسيًا واحدًا عبر الزمن. لكن هذا التمييز لا يبرر محو التاريخ الاستعماري الأوروبي، ولا يمنع مساءلة الحكومات الأوروبية الراهنة عن خياراتها وقدرتها على التأثير في استمرار واقع الاحتلال.

لقد أوجدت أوسلو سلطة فلسطينية بصلاحيات محدودة ومتفاوتة جغرافيًا، ضمن ترتيبات انتقالية لم تحسم قضايا الحدود والقدس والمستوطنات واللاجئين والسيادة. وبذلك نشأت فجوة بين وجود مؤسسات فلسطينية تدير شؤونًا محددة، وبين امتلاك دولة مستقلة سلطة القرار على أرضها وحدودها وأمنها ومواردها.

وهنا تبدأ إحدى أكثر المفارقات السياسية أهمية: يمكن أن تتوسع المؤسسات، وتتدفق المساعدات، وتتزايد برامج التدريب والإصلاح، فيما تظل السيادة غائبة أو مجزأة.

إن بناء المؤسسات ليس بديلًا عن إنهاء الاحتلال، كما أن تمويل الإدارة لا يساوي تمكين الشعب من تقرير مصيره.

ثالثًا: أي سلطة فلسطينية تريدها أوروبا؟

لا أرى أن السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت الحكومات الأوروبية تريد انهيار السلطة الفلسطينية. فالأرجح، بالنظر إلى طبيعة دعمها السياسي والمالي والمؤسسي، أنها تريد استمرار المؤسسات الفلسطينية وتجنب انهيارها. لكن ذلك يقود إلى السؤال الأكثر حساسية: ما نوع السلطة التي تريدها، وما حدود القوة التي تقبل أن تمتلكها؟

يمكن تصور أن حكومات أوروبية تريد سلطة قادرة على إدارة الخدمات والمؤسسات، والمحافظة على قدر من الاستقرار، وتنفيذ الإصلاحات، ومنع الانهيار الإداري والأمني. لكن هذا لا يعني بالضرورة أنها مستعدة لاستخدام كامل نفوذها الاقتصادي والسياسي لإزالة القيود التي تحول دون قيام دولة فلسطينية ذات سيادة.

وهنا تبرز فرضية استراتيجية تستحق الفحص: قد تفضّل بعض الحكومات الأوروبية بقاء سلطة فلسطينية قابلة للاستمرار والتمويل، لكنها محدودة القدرة على تغيير قواعد الصراع، بدل الدخول في مواجهة مكلفة مع إسرائيل من أجل إعادة تشكيل تلك القواعد.

ليست هذه بالضرورة خطة موحدة أو نية معلنة لدى جميع الحكومات الأوروبية. إنها قراءة محتملة لمنطق السياسات ونتائجها: سلطة قوية بما يكفي لإدارة المؤسسات، لكنها لا تملك الأدوات الكاملة للسيادة؛ قيادة مطالبة بالإصلاح والشرعية، بينما تظل البيئة التي يفترض أن تمارس فيها تلك الشرعية خاضعة للاحتلال والقيود والانقسام.

وتصبح الفرضية أكثر جدية حين نقارن بين اللغة الأوروبية وأدوات التأثير المتاحة لها. فالاتحاد الأوروبي ليس طرفًا هامشيًا اقتصاديًا؛ بل يمتلك علاقات تجارية واسعة مع إسرائيل، وشراكات سياسية ومؤسسية، وأدوات مالية ودبلوماسية. والسؤال ليس إن كان قادرًا على ممارسة أي ضغط، بل ما مقدار الضغط الذي استعد لممارسته، وما الذي امتنع عن استخدامه، ولماذا؟

في سبتمبر 2025، اقترحت المفوضية الأوروبية تعليق بعض الأحكام التجارية في اتفاق الشراكة مع إسرائيل، مستندة إلى اعتبارات مرتبطة بحقوق الإنسان وتدهور الوضع في غزة. لكن تقديم المقترح لا يساوي تنفيذه، والتهديد بإجراء لا يساوي فرض كلفة فعلية. وهذه المسافة بين القدرة والإرادة هي موضع الاختبار السياسي.

إذا كانت أوروبا ترى أن انتهاكات الحقوق الفلسطينية تمثل مشكلة جوهرية، فمن حقنا أن نسأل: لماذا لا يتحول نفوذها الاقتصادي بصورة أكثر حسمًا إلى أداة لتغيير السلوك الذي تنتقده؟ وإذا كانت تريد سلطة فلسطينية ذات شرعية، فكيف يمكن بناء شرعية مستقرة في ظل واقع لا يتيح للفلسطينيين ممارسة حقوقهم السياسية والسيادية بصورة طبيعية؟

إن السياسة لا تُقرأ من نوايا أصحابها المعلنة وحدها، بل من الخيارات التي يتخذونها، والكلفة التي يقبلون تحملها، والنتائج التي يستمرون في قبولها.

رابعًا: الانتخابات الفلسطينية… حق للشعب أم شرط لإدارة السلطة؟

قرار تأجيل الانتخابات الفلسطينية إلى سبتمبر 2027 يعيد فتح أزمة الشرعية السياسية. ففي بيانه الصادر في 14 أكتوبر 2026، شدد الاتحاد الأوروبي على ضرورة إجراء انتخابات ديمقراطية وشفافة، وربط استمرار دعمه للسلطة الفلسطينية بالتقدم في الإصلاحات وتحقيق الأهداف الديمقراطية.

وفي البيان المشترك الصادر في 13 أكتوبر، أشارت فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا إلى أن جيلًا فلسطينيًا كاملًا بلغ سن الرشد من دون فرصة لاختيار ممثليه في انتخابات تشريعية، ودعت هذه الدول إلى إعادة النظر في قرار التأجيل. كما أشار البيان إلى ضرورة ألا تعرقل إسرائيل مشاركة الفلسطينيين في الانتخابات.

هذه مواقف مهمة، لكنها تثير سؤالًا يتجاوز المطالبة بإجراء الانتخابات: هل تُعامل الديمقراطية باعتبارها حقًا أصيلًا للشعب الفلسطيني، أم باعتبارها جزءًا من برنامج لإصلاح المؤسسات والحفاظ على قابليتها للاستمرار؟

الانتخابات ليست هدية تقدمها السلطة لشعبها، ولا امتيازًا تمنحه الجهات الممولة عندما تكتمل شروط الإصلاح. إنها إحدى أدوات الشعب في محاسبة قيادته وتجديد تفويضها، وتحديد الاتجاه السياسي الذي يريده.

وفي المقابل، لا يجوز تجاهل العوائق الحقيقية التي يفرضها الاحتلال، بما في ذلك القيود على الحركة والنشاط السياسي، والوضع في غزة، ومسألة مشاركة الفلسطينيين في القدس الشرقية. لكن هذه العوائق لا تجعل تأجيل الانتخابات مسألة بلا كلفة سياسية؛ بل تزيد الحاجة إلى معالجة وطنية واضحة، وتوافق سياسي، وخطة عملية لا تجعل التأجيل المفتوح بديلًا عن تجديد الشرعية.

وهنا تقع مسؤولية السلطة الفلسطينية نفسها. فمحدودية الصلاحيات لا تلغي واجب المساءلة، والاحتلال لا يمنح القيادة حصانة من النقد، كما أن أزمة الشرعية لا تُحل بمجرد التأكيد على نية إجراء الانتخابات في موعد لاحق.

ليس من المقبول أن تتحول السلطة إلى غاية بذاتها، وأن يصبح الحفاظ على مؤسساتها أهم من حق الشعب في تغيير قيادته. كما ليس من المقبول أن تستخدم الحكومات الخارجية خطاب الإصلاح الديمقراطي للضغط على الفلسطينيين، بينما لا تمارس ضغطًا متناسبًا على القوة القائمة بالاحتلال لإزالة العوائق أمام ممارسة تلك الحقوق.

الشرعية لا تُستمد من رضا الممولين، ولا من بقاء المؤسسات وحده؛ بل من إرادة الشعب، ومن القدرة على تمثيل مصالحه والدفاع عن حقوقه.

خامسًا: لا إعفاء لأوروبا… ولا إعفاء للسلطة

من الأخطاء الشائعة في النقاش السياسي أن يتحول نقد طرف إلى إعفاء للطرف الآخر. فهناك من يرى أن الاحتلال يفسر كل أزمة فلسطينية، وكأن القيادة الفلسطينية لا تتحمل أي مسؤولية عن خياراتها. وهناك من يختزل الأزمة في فساد السلطة أو انقسام الفصائل، وكأن الاحتلال والقيود المفروضة على الفلسطينيين لا أثر لها في واقعهم.

كلا المنهجين قاصر.

تتحمل إسرائيل مسؤولياتها بوصفها القوة القائمة بالاحتلال، بما في ذلك الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي على هذا الوضع. وتتحمل القيادة الفلسطينية مسؤولية قراراتها، وتجديد الشرعية، والمساءلة، وبناء المؤسسات على أساس التمثيل الشعبي. أما الحكومات الأوروبية، فتتحمل مسؤولية خياراتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، ومدى اتساقها مع المبادئ التي تعلنها.

ولا يشترط أن تكون هذه الأطراف متفقة في ما بينها حتى تتقاطع نتائج سياساتها. فقد يستفيد الوضع القائم من ضعف السلطة، ومن الانقسام الفلسطيني، ومن تردد القوى الدولية في ممارسة ضغط فعلي، ومن عجز النظام العربي عن صياغة استراتيجية مشتركة. وقد تتلاقى مصالح بعض النخب المحلية والخارجية في استمرار نموذج سياسي معين، حتى من دون وجود اتفاق سري بينها.

هذا ما ينبغي أن نفحصه: ليس فقط من يريد ماذا، بل كيف تتفاعل المصالح والسياسات لتنتج واقعًا يستمر رغم كلفته على الشعب الفلسطيني.

ولذلك، فإن إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني لا تبدأ من الانتخابات وحدها، ولا من تغيير الأشخاص فقط. إنها تحتاج إلى تجديد التمثيل السياسي، وإعادة الاعتبار للمساءلة، وإنهاء الانقسام، وصياغة استراتيجية وطنية تجعل المؤسسات وسيلة لخدمة التحرر والحقوق، لا بديلًا عنهما.

سادسًا: من واشنطن إلى بروكسل وبكين وموسكو… تعدد الوسطاء لا يعني تعدد السيادة

لا تتحرك أوروبا في فراغ. فالولايات المتحدة تمتلك نفوذًا استراتيجيًا وعسكريًا وسياسيًا واسعًا في المنطقة، وتؤدي علاقاتها مع إسرائيل دورًا مركزيًا في تحديد حدود الضغط الدولي. أما الصين فتستخدم أدوات اقتصادية ودبلوماسية وتقدم نفسها بوصفها داعمًا للتسوية السياسية، بينما تمتلك روسيا أدوات دبلوماسية وعلاقات إقليمية يمكن أن تؤثر في بعض مسارات الصراع.

وتملك الدول العربية وتركيا بدورها أوراقًا مختلفة، تتصل بالجغرافيا والأمن والاقتصاد والدبلوماسية والعلاقات الإقليمية. لكن تعدد الأطراف لا يضمن أن تكون القضية الفلسطينية صاحبة القرار في مسارات التفاوض؛ فقد تتحول القضية إلى ملف تتنافس القوى على إدارته، بينما يظل الفلسطينيون في موقع التكيف مع شروط الآخرين.

وهنا تكمن ضرورة التمييز بين النفوذ الذي يستخدمه طرف لمصلحة مشروعه، والنفوذ الذي يساهم في تمكين الشعب الفلسطيني من امتلاك قراره. فليس كل دعم دبلوماسي دعمًا للتحرر، وليس كل تمويل للمؤسسات دليلًا على الاستعداد لإنهاء الاحتلال، وليس كل خطاب عن حل الدولتين التزامًا عمليًا بإنجاز شروط قيام دولة قابلة للحياة وذات سيادة.

المعيار الذي ينبغي أن يحكم تقييم جميع هذه الأطراف واحد: ما الذي تغير في واقع الفلسطينيين؟ هل تقلصت السيطرة على الأرض؟ هل توقفت سياسات الاستيطان والتهجير؟ هل تعززت قدرة الفلسطينيين على إدارة مواردهم وحركة سكانهم ومؤسساتهم؟ هل باتوا أقرب إلى ممارسة تقرير المصير، أم أن عدد المبادرات ازداد فيما بقيت عناصر القوة الأساسية على حالها؟

لا يمكن استبدال هذه الأسئلة بمقارنة شكلية بين عدد الاعترافات والبيانات والزيارات الدبلوماسية.

سابعًا: ثلاثة مسارات لمستقبل الدور الأوروبي

إذا استمرت السياسة الأوروبية في الجمع بين دعم المؤسسات الفلسطينية والدعوة إلى الإصلاح، من دون استخدام نفوذ أكثر تأثيرًا لتغيير شروط الاحتلال، فقد يستمر نموذج إدارة الأزمة: مؤسسات تحافظ على وجودها، وتمويل يخفف بعض آثار الانهيار، وبيانات تؤكد حل الدولتين، فيما يتأخر التغيير البنيوي.

أما المسار الثاني، فيتمثل في انتقال أوروبي تدريجي من دعم المؤسسات إلى ممارسة ضغط أكثر كلفة على إسرائيل، بما يشمل إجراءات اقتصادية وسياسية قابلة للتنفيذ، ومحاسبة أكثر اتساقًا، وربطًا واضحًا بين العلاقات الثنائية واحترام الالتزامات القانونية. وعندها يصبح الدعم الأوروبي جزءًا من تغيير البيئة السياسية، لا مجرد تخفيف نتائجها.

أما المسار الثالث، فيرتبط بإعادة بناء الشرعية الفلسطينية ضمن مشروع وطني أوسع، يربط الانتخابات بالوحدة السياسية والمساءلة والقدرة على تمثيل الفلسطينيين، ويمنع تحول المؤسسات إلى غاية مستقلة عن الحقوق الوطنية. ويتطلب هذا المسار إرادة فلسطينية داخلية، لكنه يحتاج أيضًا إلى بيئة دولية لا تعاقب الفلسطينيين على ممارسة خياراتهم الديمقراطية، ولا تتعامل مع شرعيتهم باعتبارها مسألة إدارية.

ويمكن اختبار اتجاه أوروبا في المرحلة المقبلة من خلال مؤشرات واضحة: هل تتحول مقترحات تعليق الامتيازات التجارية إلى إجراءات فعلية؟ هل يصبح الضغط على إسرائيل متناسبًا مع النفوذ الأوروبي؟ هل تدعم أوروبا مشاركة جميع الفلسطينيين في الانتخابات من دون انتقائية سياسية؟ وهل تساعد على توسيع القدرة الفلسطينية على ممارسة السيادة، أم تكتفي بتمويل مؤسسات تعمل تحت قيود مستمرة؟

هذه المؤشرات أكثر أهمية من أي بيان منفرد، لأنها تكشف ما إذا كانت السياسة تتغير أم أن الخطاب يتجدد فيما تبقى النتائج على حالها.

الخاتمة: القضية ليست أن تقبل أوروبا بالفلسطينيين، بل أن يُنتزع الحق من واقع القوة

لا يحتاج الفلسطينيون إلى شهادة من أوروبا بأنهم يستحقون الحرية. حقهم في تقرير المصير لا يتوقف على توازنات الحكومات، ولا على مزاج الممولين، ولا على رضا القوى التي تمتلك نفوذًا أكبر منهم. وهو حق لا يسقط لأن قيادتهم أخفقت، ولا يتحقق بمجرد أن تعترف به عاصمة أو تصدر بشأنه مؤسسة بيانًا.

لكن الحكومات الأوروبية، بما تمتلكه من نفوذ اقتصادي ودبلوماسي، لا تستطيع أن تجمع إلى ما لا نهاية بين إعلان دعم الحقوق الفلسطينية وتجنب ممارسة ضغط يتناسب مع قدرتها على التأثير. كما لا تستطيع السلطة الفلسطينية أن تستمر في الاستناد إلى شرعية تاريخية أو وطنية من دون تجديد تفويض الشعب ومحاسبة القيادة على خياراتها.

إن القضية ليست في أن تكون أوروبا صديقة للفلسطينيين أو خصمًا لهم وفق التصريحات؛ بل في أن نحدد بدقة ما إذا كانت سياساتها توسع مجال الحرية الفلسطينية أم تساعد على استمرار إدارة واقع محدود السيادة. وليست المسألة أن نطالب السلطة بالبقاء أو السقوط، بل أن نسأل: هل تخدم الشعب ومشروعه الوطني، أم بات الحفاظ على بنيتها يتقدم على تجديد الشرعية وتحقيق الحقوق؟

قد لا تعترف الحكومات دائمًا بالمصالح التي توجه قراراتها، لكن سياساتها وأدواتها ونتائجها تتيح لنا أن نقرأ اتجاهاتها، وأن نختبر فرضياتنا، وأن نحاسبها على ما تفعله لا على ما تقوله فحسب.

إن المقياس الحقيقي لأي سياسة دولية تجاه فلسطين ليس مقدار ما تقدمه من مساعدات، ولا عدد بياناتها، ولا أناقة لغتها الدبلوماسية؛ بل مقدار ما تسهم به في إنهاء الاحتلال وتمكين الفلسطينيين من امتلاك قرارهم.

فلا سيادة بلا إرادة، ولا شرعية بلا شعب، ولا سلام مستدامًا يمكن أن يقوم على إدارة المظالم بدل إنهائها.

والشعوب الحرة لا تنتظر أن يمنحها العالم حقها؛ إنها تناضل لانتزاعه، ثم تحاسب العالم على موقفه من نضالها.

  • باحث في الإعلام السياسي والقانون الدولي
المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى