السودانملفات وتقارير

من قلب الدمار: شارع “الجرائد” بالخرطوم ينبض بالحياة من جديد على أيدي الصحفيات

تستعيد الأوساط الإعلامية في الخرطوم أنفاسها اليوم مع تسجيل حضور لافت وميداني، حيث تكللت عودة الصحفيات السودانيات لشارع الجرائد بالخرطوم بالنجاح بعد سنوات طويلة من الصراع الدموي والدمار الشامل الذي طال البنية التحتية.

عودة الصحفيات السودانيات لشارع الجرائد بالخرطوم تشعل الأمل في النفوس

وتجسد هذه الخطوة عزيمة أصحاب الجلالة والمهنة على إعادة إحياء المؤسسات الصحفية والمنابر الإعلامية التي تضررت بشدة جراء المواجهات المسلحة الدائرة بين الجيش والقوات المسلحة الأخرى من جهة وقوات الدعم السريع من جهة أخرى منذ أبريل من عام 2023.

وكان هذا الموقع الحيوي يضم عشرات المقار الرسمية والمؤسسات الصحفية العريقة التي تحولت على مدار الأشهر الماضية إلى أنقاض وخراء يخيم عليه الصمت، وتتراكم فيه أوراق المطبوعات القديمة وتغطي الأعشاب البرية جدران المباني المتهدمة.

كان هذا الشارع الشهير في وسط العاصمة القديمة قبل اندلاع الشرارة الأولى للقتال ملتقى رسمياً وفكرياً زاخراً بالصحفيين والنشطاء الميدانيين والقراء الذين كانوا يتجمعون بانتظام تحت ظلال الأشجار الممتدة لتبادل الآراء والمواقف السياسية والثقافية، وترافقت هذه الأجواء مع حضور بائعات الشاي والقهوة اللاتي قدمن المشروبات للرواد في المشهد اليومي الممزوج بالنشاط المهني والتفاعل الإنساني الراقي.

وشهدت المكاتب الموزعة على هذا الشارع خروج العديد من التحقيقات الاستقصائية والمهنية التي حصدت جوائز عربية ودولية مرصوفة، بجانب إطلاق مبادرات إنسانية وخدمية ساهمت بالنهوض بالعمل الإعلامي في جمهورية السودان، ليظل هذا المكان شاهداً حياً على مرحلة ذهبية زاهرة بالحراك الاجتماعي والإعلامي.

بدأت مظاهر الحياة والتعافي تتسلل تدريجياً إلى الطرقات والمناطق المجاورة المحيطة بهذا الشارع الحيوي المتاخم لشوارع رئيسية ومفصلية أخرى شهدت أشرس المعارك الميدانية الممتدة لشهور طويلة. وترافقت هذه العودة مع تطلعات واسعة لتحسين الأوضاع المهنية والميشية للصحفيات وضمان استعادة المؤسسات الإعلامية لعافيتها التشغيلية ومواصلة دورها المحوري في توجيه الرأي العام.

وصرحت الكاتبة الصحفية صفاء تاج بسعادتها البالغة جراء العودة الميدانية برفقة زميلاتها إلى هذا المقر التاريخي بعد سنوات من النزوح والشتات الداخلي والبارز، مؤكدة أملها في التحاق باقي الكوادر الصحفية خلال الأيام القليلة المقبلة، بالتزامن مع الترتيبات الجارية لاستئناف طباعة وتوزيع الصحف الورقية مجدداً، ومشيرة إلى أن الأوضاع الميدانية والخدمية تمضي نحو التحسن الملحوظ يوماً بعد آخر.

شهدت اللقاءات الميدانية التي عقدتها الصحفيات داخل المقار المتضررة تنظيم ورش عمل اجتماعية ومطبوعات تقييمية ناقشت بوضوح الملفات الشائكة وأبرزها أزمة التمويل المالي المباشر التي تقف حائلاً أمام إعادة إصدار الإصدارات المطبوعة وتوفيق الأوضاع الإدارية والمالية للكوادر الميدانية.

ومن جانبها أوضحت الصحفية إجلال إسماعيل أن المنطقة لم تعد بكامل رونقها القديم بعد رحلة النزوح القسري المأساوية التي فرضتها العمليات العسكرية، لكنها أبدت تفاؤلاً كبيراً بالمستقبل معتبرة أن التواجد اليومي الميداني يمثل تمهيداً عملياً لاستكمال استعادة النشاط بالكامل، معربة عن حنينها الشديد للصحافة المطبوعة ورغبتها في ترك منصات النشر الرقمي والمواقع الإلكترونية للعودة الصريحة إلى المقار والمكاتب الرسمية، مؤكدة في الوقت ذاته أن الأوطان تبنى بالأقلام والوعي إلى جانب الحجارة والتشييد.

عبرت الصحفية هدى النجار عن سعادتها العارمة بالعودة الميدانية والتواجد في قلب الأحداث رغم التحديات المعيشية والأمنية الصعبة، مؤكدة افتقادها الكبير للصحافة الورقية المطروحة التي ارتبط بها الشارع لعقود طويلة ومتمنية تسريع إجراءات عودتها للمطابع في أقرب وقت ممكن.

ولم تقتصر مشاعر الفرح والاستبشار على العاملات في الميدان الإعلامي فحسب، بل امتدت لتشمل ابتسام داؤود التي تتولى بيع الشاي والقهوة في نفس الموقع منذ 27 عاماً متواصلة، حيث سجلت حضورها الميداني وعادت لممارسة نشاطها القديم معربة عن أملها في رجوع كافة الرواد القدامى واستعادة المنطقة لحيويتها السابقة.

وتؤكد هذه العودة الاستثنائية إصرار المرأة على الصمود واستعادة زمام المبادرة الميدانية وإعادة فتح أبواب التوظيف أمام اللاتي فقدن أعمالهن ووظائفهن الرسمية منذ اندلاع القتال في عام 2023.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى