شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يعلّق على «استقالة مواطن» للدكتور محمود عمارة: لتكن استراحة بدلًا من استقالة

أخي العزيز الدكتور محمود عمارة،

قرأت «استقالة مواطن» بمحبة واحترام، ووجدتني أتمنى أن تتراجع عن قرارك، بينما أعترف لك أنني أفكر في القرار نفسه كل يوم، وربما كل ساعة. لهذا أفهم وجع كلماتك، وأعرف كم يتعب الإنسان حتى يصبح الصمت أمنية، بعدما كان الكلام واجبًا وأملًا.

يأتي وقت يحتاج فيه الإنسان، قبل المواطن، إلى أن يستريح. أن ينام مثل سائر البشر، دون أن يحمل همَّ بلدٍ إلى وسادته. أن يذهب إلى وطنه ويعود منه مثل أي مواطن في بلد طبيعي. أن يحجز تذكرة سفر، دون أن تصبح العودة سؤالًا سياسيًا، وأن يختلف مع حاكمه، دون أن يخشى أن يفقد بلده.

هذه أمنيات بسيطة، لكننا أنفقنا أعمارًا في الدفاع عن حقنا فيها.

ما نعيشه منذ سنوات وضع استثنائي طال حتى صار مطلوبًا منا أن نعتبره حياة طبيعية. وضع يحتاج إلى مواطنين استثنائيين، من خامة تتحمل ما يفوق طاقة البشر. كأننا تماثيل من البورسلين، مطلوب منها أن تحتفظ بملامحها الهادئة مهما أصابها. وحتى البورسلين يتشقق يا صديقي، فكيف بنا ونحن من لحم ودم، لنا قلوب تتعب، وأعمار تمضي، وأحبة نتمنى أن نمنحهم ما بقي لنا من وقت وطمأنينة؟

ومن القسوة أن نطالب من أنهكه الطريق بمزيد من الاحتمال، لمجرد أنه اعتاد أن يحتمل. أفهم حقك في الراحة، وأحترم رغبتك في أن تسترد شيئًا من حياتك لنفسك.

ومع ذلك، أتمنى أن تراجع قرارك. أقولها وأنا محتاج إلى من يقولها لي. فصوتك، بما يحمله من خبرة وصدق وحرص على مصر، يترك أثرًا، حتى حين لا ترى أنت هذا الأثر وسط كل ذلك الإحباط.

وسأنتظر حكاياتك وشهاداتك بشغف. فيها أيضًا بعض ما يحتاجه وطننا ليفهم ما جرى له. ولعل الكتابة التي تبدأ طلبًا للراحة تمنحك، وتمنحنا، سببًا جديدًا للكلام.

خذ وقتك يا دكتور محمود، واترك باب العودة مواربًا. لعلها تكون «استراحة مواطن»، نلتقط فيها أنفاسنا معًا. ما زلت أتمنى أن يأتي اليوم الذي نكتب فيه عن مصر من داخلها، ثم نغلق أوراقنا ونخرج إلى شوارعها، مطمئنين إلى أن لنا فيها مكانًا، مهما اختلفنا.

د. أيمن نور

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى