شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: رسالة إلى البرلمان قبل جلسة الواحدة

الدفاع عن السعودية واجب عربي.. والتفويض ليس شيكًا على بياض

إلى المستشار #هشام_بدوي، رئيس #مجلس_النواب المصري، وإلى السيدات والسادة أعضاء المجلس، أكتب إليكم قبل جلستكم الطارئة المقررة في الواحدة ظهر اليوم، لا لأدعوكم إلى رفض ما لم تتبينوا تفاصيله، ولا لأطالبكم بالموافقة على ما لم تتحدد حدوده، وإنما لأذكركم بأنكم أمام مسؤولية دستورية وتاريخية، تتجاوز حدود التصويت على طلب رئاسي، إلى المشاركة في قرار قد يتعلق بأرواح جنود مصريين، وأمن دولة عربية شقيقة، ومستقبل منطقة تقف بالفعل على حافة اتساع الحرب.

وأبدأ بموقف واضح لا يحتمل التأويل. لست شخصيًا ضد قيام مصر بدور دفاعي لحماية أي دولة عربية تتعرض لاعتداء مسلح، وخاصة #المملكة_العربية_السعودية، التي يرتبط أمنها بأمن مصر ومصالحها الاستراتيجية، وتجمعنا بشعبها علاقات تاريخية وإنسانية عميقة.
بل أرى أن التضامن الدفاعي العربي التزام أصيل، لا ينبغي اختزاله في استجابة لطلب أو توجيه من أي طرف، مهما بلغت مكانته. فسنده الأسبق والأبقى هو #معاهدة_الدفاع_العربي_المشترك لعام ١٩٥٠، التي قامت على اعتبار الاعتداء المسلح على إحدى الدول المتعاقدة اعتداءً على الجميع، وعلى حق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي، وفق ميثاق الأمم المتحدة.
لكن هذه المعاهدة، بما تفرضه من التزامات، لا تلغي الدستور المصري، ولا تعفي مؤسسات الدولة من استيفاء إجراءاته، ولا تجعل كل أشكال المشاركة العسكرية متساوية في الضرورة أو المشروعية أو التكلفة.
فالتضامن العربي موقف مبدئي، أما إرسال القوات المصرية خارج الحدود فهو قرار دستوري وسيادي، له شروطه وضماناته وحدوده.

أولًا. الرأي الدستوري الذي يجب أن يسبق التصويت.
تنص المادة ١٥٢ من #الدستور_المصري على أنه لا يجوز لرئيس الجمهورية إعلان الحرب أو إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة إلا بعد أخذ رأي #مجلس_الدفاع_الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضائه.
وأشدد هنا على دقة الصياغة. فالدستور اشترط أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وليس الحصول على موافقته الملزمة، ثم اشترط موافقة ثلثي أعضاء البرلمان، وليس مجرد أغلبية الحاضرين.
والمجلس المقصود ليس مجلس الأمن القومي المنصوص عليه في المادة ٢٠٥، وإنما مجلس الدفاع الوطني الذي تنظمه المادة ٢٠٣.
وهو مجلس يرأسه رئيس الجمهورية، ويضم رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب، ووزراء الدفاع والخارجية والمالية والداخلية، ورئيس المخابرات العامة، ورئيس أركان حرب القوات المسلحة، وقادة القوات البحرية والجوية والدفاع الجوي، ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة، ومدير المخابرات الحربية والاستطلاع.
أي أننا أمام مؤسسة دستورية تجمع القيادة السياسية والخبرة العسكرية والأمنية والمالية، حتى لا يُتخذ قرار بهذه الخطورة دون تقدير متكامل لأبعاده.
وحتى لحظة كتابة هذه الرسالة، لم أجد إعلانًا رسميًا منشورًا يؤكد انعقاد مجلس الدفاع الوطني وإبداء رأيه في المهمة المطروحة.
ولا يعني غياب الإعلان أن المجلس لم يجتمع، لكن واجب البرلمان أن يتثبت من استيفاء هذا الشرط قبل التصويت، وأن يثبت ذلك في سجلاته، مع احترام ما تقتضيه السرية العسكرية من تحفظ على التفاصيل.
فلا يجوز أن يصبح رأي المجلس إجراءً يُفترض حدوثه، ولا أن تتحول موافقة البرلمان إلى استكمال شكلي لقرار سبق اتخاذه.

ثانيًا. ما طبيعة القرار الذي يُطلب منكم إصداره؟
السيدات والسادة النواب.
هناك فرق دستوري وسياسي كبير بين إعلان الاستعداد للدفاع عن السعودية، وبين الموافقة على إرسال قوات في مهمة قتالية، وبين صدور الأمر التنفيذي بالتحرك.
وقد أعلن الرئيس الاستعداد لاتخاذ إجراءات دفاعية إذا طلبت المملكة ذلك. لكن هذا الإعلان لا يحدد وحده طبيعة المهمة، ولا نطاقها، ولا مدتها، ولا قواعد تنفيذها.
ومن هنا أرى أن أي موافقة برلمانية ينبغي أن تكون محددة العناصر، وأن تتضمن، أو تستند إلى وثيقة معتمدة تتضمن، الضمانات الآتية.
أولها. تحديد الأساس القانوني والواقعي للمهمة. هل ورد طلب رسمي من المملكة العربية السعودية؟ وما طبيعة الاعتداء الذي تستهدف المهمة صده؟ وما السند الدولي للدفاع الجماعي؟ وهل جرى بحث الإجراءات المنصوص عليها في معاهدة الدفاع العربي المشترك، بما فيها التنسيق العربي والإخطار الدولي عند الاقتضاء؟
وثانيها. تحديد الهدف بدقة. هل المقصود حماية الأراضي السعودية؟ أم المنشآت المدنية والمطارات؟ أم الممرات البحرية؟ أم التصدي لهجمات محددة؟ فلا يجوز أن يتحول هدف دفاعي مشروع إلى تفويض مفتوح لعمليات لا تتصل مباشرة برد الاعتداء.
وثالثها. تحديد النطاق الجغرافي. فالدفاع عن أراضي المملكة ومجالها الجوي ليس بالضرورة مساويًا للمشاركة في عمليات قتالية داخل أراضي دولة أخرى. وأي توسع جوهري في نطاق المهمة يجب ألا يحدث تلقائيًا تحت مظلة تفويض سابق لم يتناوله.
ورابعها. تحديد طبيعة المشاركة. هل المطلوب دعم دفاعي أو لوجستي أو استخباراتي، أم إرسال وحدات قتالية؟ وما الذي يدخل في نطاق الموافقة المطلوبة بموجب المادة ١٥٢؟ فاختلاف صور المساندة يقتضي اختلافًا في التكييف القانوني، ولا يجوز إخفاء مهمة قتالية خلف تسمية عامة للمساعدة.
وخامسها. تحديد المدة. لا أرى سلامة في تفويض لا يحدد أجلًا للمراجعة والانتهاء. ويمكن أن تكون هناك مدة أولية قابلة للتجديد بموافقة برلمانية جديدة، بناءً على تقييم معلن للنتائج والمخاطر، دون أن أزعم أن الدستور فرض مدة بعينها.
وسادسها. تحديد شروط انتهاء المهمة. هل تنتهي بانحسار الاعتداء؟ أم بزوال تهديد معين؟ أم بانتهاء المدة؟ أم بقرار من السلطات المصرية المختصة؟ والأصل ألا يترك قرار إنهاء المشاركة لتقدير أطراف خارج مؤسسات الدولة المصرية.
وسابعها. تحديد المسؤولية والقيادة. يجب أن تكون سلسلة القيادة المصرية واضحة، وأن يُعرف الإطار الذي ينظم التنسيق مع القوات الحليفة، دون التنازل عن مسؤولية الدولة المصرية عن قواتها أو السماح بتوسيع مهامها خارج حدود التفويض.
وثامنها. تقدير التكلفة والمخاطر. من حق البرلمان أن يطلع، في جلسة سرية إذا اقتضت الضرورة، على التقديرات المالية والعسكرية والاقتصادية، وعلى أثر المشاركة في جاهزية القوات المسلحة للدفاع عن مصر وحدودها ومصالحها المباشرة، وعلى ترتيبات حماية الجنود وعلاج المصابين ورعاية أسر الضحايا.
وتاسعها. وضع آلية للمراجعة والمساءلة. بحيث تقدم الحكومة تقارير دورية إلى البرلمان أو لجنته المختصة، وفق قواعد السرية الواجبة، وأن تستلزم أي زيادة جوهرية في نطاق المهمة أو مدتها أو طبيعتها عرضًا جديدًا على المجلس.
وعاشرها. احترام القانون الدولي الإنساني. بما يضمن أن تظل أي مشاركة في حدود الدفاع المشروع، وأن تخضع لقواعد الضرورة والتناسب والتمييز وحماية المدنيين، وألا تتحول إلى مشاركة في عمليات لا يجيزها القانون الدولي.
هذه ليست شروطًا لتعطيل الدفاع عن الأشقاء، بل ضمانات حتى يظل الدفاع دفاعًا، ولا ينقلب إلى التزام مفتوح يصعب التحكم في امتداده أو إنهاؤه.

ثالثًا. بين التفويض المحدد والشيك على بياض.
أخشى ما أخشاه أن يُطلب من البرلمان تفويض عام باتخاذ ما يلزم من إجراءات، دون بيان الحدود التي تنتهي عندها هذه الإجراءات.
فعبارة اتخاذ ما يلزم، مهما بدت مناسبة في البيانات السياسية، لا تكفي وحدها لضبط قرار بإرسال قوات في مهمة قتالية خارج البلاد.
وأرى أن القرار البرلماني السليم ينبغي أن يكون صريحًا في موضوعه، محددًا في نطاقه، قابلًا للمراجعة، وألا يترك الباب مفتوحًا لتغيير طبيعة المهمة دون العودة إلى المؤسسة التي وافقت عليها.
ولا أتحدث هنا عن إعلان خطط العمليات أو أسرار التسليح أو تفاصيل الانتشار. فهذه أمور لا يجوز تعريضها للخطر باسم الشفافية.
إنما أتحدث عن رقابة دستورية يمكن أن تُمارس في إطار من السرية والانضباط، دون أن تُفرغ من مضمونها.
فالسرية العسكرية تحمي العملية، لكنها لا ينبغي أن تلغي المسؤولية الدستورية عن قرارها.

رابعًا. هل استُنفدت البدائل قبل الوصول إلى الخيار العسكري؟
لا أرى أن الدفاع عن السعودية يتعارض مع العمل الدبلوماسي لوقف الاعتداءات عليها، بل إن الجمع بين الأمرين هو جوهر السياسة الرشيدة.
ومن حق النواب أن يستمعوا إلى تقييم وزارة الخارجية ووزارة الدفاع بشأن البدائل المتاحة، والجهود العربية والدولية المبذولة، وفرص وقف التصعيد، والنتائج المتوقعة من كل خيار.
لقد علمتنا تجارب التاريخ أن الدخول في العمليات العسكرية قد يبدأ بقرار واضح، بينما يصبح الخروج منها أكثر تعقيدًا كلما اتسعت أهدافها وتعددت أطرافها.
ومصر، التي تحمل ذاكرة تاريخية ثقيلة عن تجربتها في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، ليست مطالبة بأن تتخلى عن مسؤولياتها العربية خوفًا من التاريخ، لكنها مطالبة بألا تتخلى عن دروسه.
فالحكمة ليست نقيض الشجاعة، بل هي الضمانة التي تمنع الشجاعة من التحول إلى مغامرة.

خامسًا. البرلمان شريك في القرار، لا شاهد على صدوره.
إلى المستشار هشام بدوي، وإلى أعضاء مجلس النواب.
إن المادة ١٥٢ لم تُكتب لتضيف محطة بروتوكولية إلى طريق القرار العسكري، وإنما لتوزع المسؤولية الدستورية عن أخطر القرارات السيادية.
والبرلمان، حين يمنح موافقته، لا يمنحها باسم أغلبية سياسية وحدها، وإنما يمارس اختصاصًا دستوريًا يتعلق بالشعب كله.
ومن ثم، فإن واجبه ليس فقط أن يتحقق من وجود المبررات، بل أن يختبر البدائل، ويوازن المنافع والمخاطر، ويتأكد من وضوح الالتزامات، ويصون حق الدولة في مراجعة القرار وإنهائه.
وإذا لم تكن المعلومات اللازمة متاحة، فإن طلب استكمالها أو عقد جلسة سرية للاستماع إلى المسؤولين المختصين ليس تعطيلًا للمصلحة الوطنية، بل ممارسة أمينة للمسؤولية البرلمانية.
ولا أرى غضاضة في أن يصدر القرار بالموافقة متى استُوفيت شروطه وتأكدت ضرورته، كما لا أرى غضاضة في تأجيل البت فيه إن بقيت عناصر جوهرية مجهولة.
فالموافقة الواعية قوة للدولة، أما الموافقة التي لا تعرف حدود ما تجيزه، فقد تتحول إلى عبء عليها.

وأختم بما بدأت به.
لست ضد الدفاع عن السعودية، ولا ضد وفاء مصر بالتزاماتها العربية، ولا أرى أن المعارضة الوطنية ينبغي أن تقف في مواجهة كل موقف تتخذه الدولة لمجرد اختلافها مع من يحكمها.
لكنني أؤمن بأن الدفاع عن الأشقاء لا يكتمل إلا بالدفاع عن الدستور، وأن حماية الأمن العربي لا تستقيم بإضعاف الضمانات التي تحمي القرار المصري نفسه.
وقد رحبنا خلال الأيام الماضية بالتأكيد الرئاسي على عدم المساس بالدستور واحترام نهاية الولاية الحالية، لأن احترام القواعد الدستورية قيمة تعلو على الخلاف السياسي.
واليوم نحن أمام اختبار عملي آخر لهذا الاحترام.
فالدستور لا تُصان مكانته بالامتناع عن تعديل نصوصه فحسب، وإنما كذلك بالالتزام بإجراءاته وضماناته، وخاصة حين يتعلق الأمر بقرار قد يضع أبناء مصر في مواجهة الخطر خارج حدودها.
إلى رئيس البرلمان وأعضائه.
لا أطلب منكم رفضًا مسبقًا، ولا موافقة مسبقة.
أطلب قرارًا تعرفون أسبابه، وتحددون أهدافه، وتضبطون حدوده، وتملكون مراجعته.
فمن حق السعودية أن تجد في مصر سندًا صادقًا حين تتعرض للعدوان.
ومن حق مصر أن تظل صاحبة قرارها، أمينة على دستورها، حريصة على أرواح أبنائها.
ومن حق البرلمان ألا يكون مجرد شاهد على قرار الحرب والسلام، بل شريكًا دستوريًا كامل المسؤولية في صناعته.
لأن التفويض الذي لا يعرف حدوده قد يبدأ دفاعًا مشروعًا، ثم يترك المستقبل مفتوحًا على ما لم يقصده أصحابه.
أما التفويض الذي يحدد الهدف والوسيلة والمدة والمساءلة، فهو لا يقيد قوة الدولة، بل يحميها من تجاوز الضرورة.
فلا تجعلوا من موافقتكم شيكًا على بياض.
اجعلوها عهدًا دستوريًا واضحًا، يحمي الأشقاء، ويحفظ مصر، ويصون أرواح أبنائها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى