أيمن نور يكتب: النوبة.. 63 عاما من التهجير وحق لا يسقط بالتقادم

النوبة… حق لا يغرق
ثلاثة وستون عامًا من التهجير… وما زال الوطن ينتظر أبناءه
كان صديقي الراحل أحمد كاجوج يروي لي، بنبرته النوبية الدافئة، وبعباراته البسيطة التي تشبه طيبة أهل النوبة، حكايات التهجير عام ١٩٦٤. لم يكن يحكي تاريخًا قرأه، بل وجعًا عاشه وحمله في ذاكرته. وكانت كلماته تختلط فيها كل معاني الحب للوطن، بكل مرارة الألم من رحلة ظلم طويلة عاشها أهل النوبة، على امتداد أجيال. كان يتحدث عن الأرض كما يتحدث المرء عن أمه، وعن البيوت الغارقة كما يتحدث عن أحباب رحلوا ولم يعودوا.
قصص كثيرة سمعتها من كاجوج، ومن أحبائي هاني يوسف وعبد الصبور، وغيرهم من أبناء أرض الذهب، النوبة الحبيبة. حكايات لم تكن عن بيوت هُدمت أو قرى غرقت فحسب، بل عن أعمار اقتُلعت من جذورها، وأحلام تركها أصحابها وراءهم، وذكريات لا تزال تسكن القلوب رغم مرور عشرات السنين. وكم تمنيت، وما زلت أتمنى، أن تنتهي هذه الرحلة الطويلة من الوجع بنهاية سعيدة، تعيد الحق لأصحابه، وترد إلى أهل النوبة بعض ما سلبته منهم السنوات والمياه والقرارات.
بعض الأوطان لا تغرق حين تغمرها المياه، بل حين يغمر النسيان أهلها. وبعض المآسي لا تنتهي بانتهاء أسبابها، بل تظل مفتوحة ما دام العدل غائبًا، والحقوق مؤجلة، والحنين إلى الأرض جرحًا يتوارثه الأبناء عن الآباء.
في مثل هذا اليوم، الثامن عشر من أكتوبر عام ١٩٦٣، بدأت واحدة من أكثر صفحات التاريخ المصري الحديث وجعًا، وامتدت رحلة التهجير خلال عام ١٩٦٤. لم تكن المراكب التي غادرت النوبة تحمل ركابًا في رحلة عادية، بل كانت تحمل شعبًا يُنتزع من جذوره، وبيوتًا تُفصل عن أصحابها، وقرى كاملة تُودّع النيل الذي عاش أهلها على ضفافه آلاف السنين.
لم تكن تلك المأساة الأولى لأهل النوبة. فقد بدأت فصول الغرق مع بناء خزان أسوان عام ١٩٠٢، ثم تعليته عامي ١٩١٢ و١٩٣٣، قبل أن يأتي السد العالي ليكتب الفصل الأكبر والأشد قسوة، حين غمرت المياه عشرات القرى، وانتقل عشرات الآلاف من النوبيين إلى مناطق بعيدة عن موطنهم التاريخي.
لا أنكر أن السد العالي كان مشروعًا ارتبط بأهداف قومية واقتصادية كبرى، من تنظيم مياه النيل إلى الزراعة وتوليد الكهرباء. لكن الاعتراف بأهداف المشروع لا يعفينا من مساءلة ثمنه الإنساني. فالتنمية التي تبني مستقبل الملايين لا ينبغي أن تسلب من بعضهم ماضيهم وحقهم في اختيار مستقبلهم.
والمؤلم أن العالم تحرك لإنقاذ معابد النوبة وأحجارها، ونُقلت المعابد بعناية مدهشة، بينما لم تحظَ حياة الإنسان النوبي وثقافته وصلته بأرضه بما تستحقه من إنصاف. وكأن الحجر كان أقدر على انتزاع اهتمام العالم من الإنسان الذي عاش بجواره، وحرس ذاكرته عبر القرون.
ولعل أخطر ما كشفته مأساة النوبة هو الفارق بين الشعارات الكبرى والحقوق الصغيرة التي تصنع كرامة البشر. فقد ارتفعت في ذلك الزمن رايات القومية العربية والعدالة الاجتماعية، بينما دفع النوبيون ثمنًا إنسانيًا باهظًا. وما قيمة القومية إذا لم تتسع لتنوع أبنائها؟ وما معنى العدالة إذا وجد بعض المواطنين أنفسهم مطالبين بالتضحية بكل شيء، دون أن يكون لهم صوت مساوٍ في القرار؟
أحب النوبة وأهلها، وأرى فيهم بعضًا من أجمل ما في مصر من أصالة وطيبة ووفاء وانتماء. وأؤمن أن النوبة ليست هامشًا جغرافيًا على أطراف الوطن، بل هي أحد أعمق جذوره الحضارية والثقافية. وأن اللغة النوبية وتراثها وفنونها وذاكرتها ليست ملكًا لأهلها وحدهم، بل ثروة مصرية وإنسانية تستحق الحماية.
وقد كان من أهم ما جاء في دستور ٢٠١٤ نص المادة ٢٣٦، التي لم تكتفِ بالحديث عن تنمية المناطق النوبية، بل ألزمت الدولة بوضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات، وأكدت مشاركة الأهالي في مشروعات التنمية وأولويتهم في الاستفادة منها، مع احترام أنماطهم الثقافية والبيئية.
انقضت السنوات العشر في عام ٢٠٢٤، دون أن يتحقق كامل ما استهدفته هذه المادة، رغم ما اتُّخذ من خطوات لتعويض بعض المتضررين. وهنا لا يكفي أن نُذكّر بالنص الدستوري، بل يجب أن نسأل: أين خطة العودة؟ وأين قانونها؟ وأين الجدول الزمني لتنفيذها؟ وأين حق أصحاب الأرض في المشاركة في تقرير مستقبلها؟
إن إنصاف أهل النوبة اليوم يقتضي مطالب واضحة ومحددة. أولها إصدار التشريع الذي ينظم العودة إلى المناطق الأصلية القابلة للسكن والتنمية، مع حصر الأراضي والقرى المعنية، ومراجعة القرارات والقيود التي تعوق العودة، بما يراعي مقتضيات الأمن والحقوق الدستورية معًا. وثانيها إعلان خريطة تنفيذية وجدول زمني ملزم، بمشاركة ممثلين حقيقيين يختارهم أهل النوبة أنفسهم.
وثالثها استكمال التعويضات العادلة لجميع المستحقين الذين لم تُسوَّ حقوقهم، دون اعتبار التعويض بديلًا مفروضًا عن العودة. ورابعها تمكين أبناء النوبة من أولوية الاستفادة من مشروعات التنمية والأراضي وفرص العمل، وتوفير السكن والخدمات الصحية والتعليمية والبنية الأساسية في مناطق العودة الممكنة، مع حماية اللغة النوبية وتراثها وموروثها الثقافي باعتباره جزءًا أصيلًا من الهوية المصرية.
ولا تكتمل هذه المطالب دون رقابة برلمانية جادة، وتقرير حكومي علني يوضح ما نُفذ من المادة ٢٣٦، وما لم يُنفذ، وأسباب التعثر، والمسؤوليات، والمواعيد الجديدة المقترحة. فالنص الدستوري ليس وعدًا أدبيًا، بل التزام على الدولة تجاه مواطنيها، لا ينبغي أن يتحول إلى ذكرى أخرى من الذكريات المؤجلة.
وأقول بوضوح إن التعويض المالي، مهما بلغت قيمته، لا يستطيع وحده أن يعيد تاريخًا غارقًا، أو يشتري ذاكرة قرية، أو يعوض إنسانًا عن قبر أبيه وبيت أمه وأرض أجداده. ولهذا فإن حق العودة، والتنمية العادلة، والحفاظ على الهوية الثقافية واللغوية، والمشاركة الحقيقية في القرارات المتعلقة بأرض النوبة، ليست مطالب استثنائية، بل حقوق وطنية ودستورية.
في هذه الذكرى، أبعث إلى أهل النوبة جميعًا رسالة محبة صادقة وتضامن كامل مع حقوقهم المشروعة. لا أتحدث باسمهم، ولا أدّعي أنني أشعر بكل ما شعروا به، لكنني أعرف أن من ذاق مرارة الابتعاد عن وطنه يستطيع أن يفهم شيئًا من قسوة الحنين إلى بيت لا يستطيع الرجوع إليه.
وأعرف أيضًا أن العدالة لا تسقط بالتقادم، وأن الأوطان العظيمة ليست تلك التي تخلو صفحات تاريخها من الأخطاء، بل تلك التي تمتلك شجاعة الاعتراف بها، وإرادة إصلاحها.
واليوم، وأنا أستعيد صوت صديقي الراحل أحمد كاجوج، وحكايات أحبائي من أبناء النوبة، لا أريد أن تنتهي هذه الكلمات بمجرد أمنية جديدة تضاف إلى أمنيات ثلاثة وستين عامًا. ولا أريد للنوبة أن تبقى مجرد ذكرى حزينة نحييها كل أكتوبر، ثم نطوي صفحتها حتى أكتوبر آخر.
ولهذا أدعو إلى أن يكون إحياء هذه الذكرى بداية تحرك وطني جاد، يبدأ بدعوة الحكومة إلى إعلان موقفها التفصيلي من تنفيذ المادة ٢٣٦، وعقد جلسات استماع برلمانية علنية، وإطلاق حوار مباشر مع ممثلي أهل النوبة، ينتهي إلى تشريع واضح وخطة محددة للعودة والتنمية والتعويض، بآجال معلنة ومتابعة مستقلة وشفافة.
وأدعو القوى السياسية والحقوقية والثقافية المصرية إلى مساندة هذه المطالب، بعيدًا عن المزايدات والشعارات، فالقضية ليست مواجهة بين النوبة ومصر، بل قضية عدالة داخل مصر، وحق لأبناء الوطن في أن يجدوا وطنهم منصفًا لهم.
وأدعو كذلك إلى مشروع وطني لحفظ ذاكرة النوبة، وتوثيق القرى الغارقة وشهادات من عاشوا التهجير، وصون اللغة والتراث، حتى لا تضيع الحكاية برحيل أصحابها، ولا يُدفن التاريخ مرة ثانية تحت مياه النسيان.
لعل أجمل وفاء لذكرى أحمد كاجوج، ولكل من رحلوا وفي قلوبهم صورة البيت القديم، أن يرى أبناؤهم وأحفادهم عدالة تتحقق، لا وعودًا تتكرر. وأن يصبح الطريق إلى النوبة طريق عودة وحياة، لا مجرد رحلة لزيارة ما تبقى من الذكريات.
لقد نجحنا في إنقاذ معابد النوبة من الغرق، فهل ننجح أخيرًا في إنصاف أهلها؟
لم يعد المطلوب خطاب تعاطف جديدًا، بل قرارًا يعيد الحقوق، وقانونًا ينفذ الدستور، وخطة تعيد الحياة إلى الأرض وأهلها.
فقد نستطيع نقل معبد من مكان إلى آخر، لكننا لا نستطيع نقل الوطن من قلب إنسان.
وإذا كان الغرق قد أخذ من أهل النوبة أرضًا وبيوتًا وأعمارًا، فلا يجوز أن يأخذ الانتظار ما بقي لهم من حق وأمل.
النوبة ليست قضية ماضٍ نرثيه، بل حق حاضر يجب إنصافه، ومستقبل لا يجوز أن نظل نؤجله.







