محمد ابو عجور يكتب: إسرائيل تريد السيطرة على المنطقة.. لكن جيلًا جديدًا يُعِدُّه الله لتغيير المعادلة

من تفكيك الدول إلى السيطرة على الممرات وصناعة التبعية. (خمسون عامًا من إعادة تشكيل المنطقة)
لم تعد إسرائيل تخفي طموحها إلى أن تصبح القوة المهيمنة على الشرق الأوسط، لا باحتلال عواصمه وجيوشه، وإنما بالتحكم في موازين قوته، وممراته الاستراتيجية، وقراراته السياسية والاقتصادية والأمنية.
وما نشهده اليوم ليس مجرد أحداث متفرقة، وإنما مسار تاريخي تتجمع نتائجه أمام أعيننا. فمنذ اتفاقيات السلام، مرورًا بتدمير العراق، وانهيار سوريا، وتفكك ليبيا والسودان واليمن، وصولًا إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، أخذت المنطقة تفقد مراكز قوتها، بينما تتسع فرص إسرائيل لفرض إرادتها.
وليس ضروريًا أن تكون إسرائيل قد صنعت كل هذه الأزمات؛ فقد يكفيها أن تستثمرها وتدفع نتائجها في الاتجاه الذي يخدم مشروعها.
إنها لا تحتاج إلى احتلال المنطقة ما دامت تستطيع التأثير في قراراتها، وإضعاف قوتها، وتوجيه ثرواتها، وربط أمنها بمصالحها.
(الممرات الاستراتيجية.. مفتاح الهيمنة)
من يتأمل خريطة التحركات الإسرائيلية يدرك أن الصراع لم يعد محصورًا في فلسطين، بل امتد إلى البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن وشرق المتوسط.
فالعلاقة الإسرائيلية المتنامية مع أرض الصومال، والتشابك مع النفوذ الإماراتي في القرن الإفريقي، والتحولات الجارية في اليمن والسودان، تكشف أهمية الموانئ والجزر والممرات البحرية في الحسابات الإسرائيلية.
وهنا تتلاقى المصالح الإسرائيلية والأمريكية؛ فالسيطرة على طرق التجارة والطاقة تمنح أصحابها نفوذًا يتجاوز القوة العسكرية.
والخطير أن دولًا عربية تمتلك هذه المواقع الاستراتيجية أصبحت غارقة في الحروب والانقسامات، أو شديدة الاعتماد على الحماية الخارجية.
وهكذا تتحول الجغرافيا العربية من مصدر قوة لأصحابها إلى مجال مفتوح لنفوذ الآخرين.
(السعودية.. بين الاستنزاف ومصيدة التحالف)
ما يحدث اليوم بين السعودية والحوثيين يمثل نموذجًا بالغ الخطورة.
فالهجمات الحوثية تستنزف الأمن السعودي وتهدد منشآته واقتصاده، بينما تحاول إسرائيل استثمار هذا التهديد لتقديم نفسها شريكًا أمنيًا قادرًا على مساعدة المملكة.
وقد تحدثت تقارير إسرائيلية عن عرض مساعدة استخبارية للسعودية، وعن احتمالات تدخل عسكري إسرائيلي ضد الحوثيين.
وهنا يبرز السؤال: هل يصبح الخطر الذي تواجهه السعودية مدخلًا لدفعها نحو منظومة أمنية تشارك فيها إسرائيل، ثم نحو تطبيع يتجاوز القضية الفلسطينية؟
ليست مصلحة السعودية أن تُستنزف في اليمن،(وقد طلبت من تحالف مكة ان يتدخل وتدخلي مصر فعلا الان ) ولا مصلحة اليمن أن يتحول إلى ساحة صراع دائم.
.. والخيار الاستراتيجي هو حماية أمن المملكة، وإنهاء الحرب، واستعادة الدولة اليمنية، ورفض تحويل التهديدات الأمنية إلى وسيلة لفرض التبعية.
(الأنظمة العربية وأزمة الإرادة)
المشكلة لا تكمن في قوة إسرائيل وحدها، وإنما في ضعف الإرادة السياسية العربية.
فمن الإمارات إلى المغرب، ومن مصر إلى دول تعاني التفكك، تتفاوت صور العلاقة بإسرائيل، لكن النتيجة المقلقة هي اتساع قدرتها على اختراق المصالح والتحالفات الإقليمية.
لقد سُوّقت الاتفاقيات الإبراهيمية باعتبارها مشروعًا للسلام والازدهار، بينما تطرح اليوم أسئلة أعمق حول توظيف التطبيع في إنشاء نظام إقليمي يمنح إسرائيل مكانة أمنية واقتصادية متقدمة.
فأي سلام هذا الذي يستمر معه الاحتلال والاستيطان والعدوان؟ وأي استقرار يُبنى على حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه؟
إن أخطر ما أ صاب أمتنا أن يتحول بقاء بعض الأنظمة إلى مصلحة مرتبطة باستمرار ميزان القوة القائم، وأن يصبح الاستقلال السياسي عبئًا تخشى هذه الأنظمة تكلفته.
(لكن إسرائيل تخسر معركة الأجيال)
وسط هذه الصورة القاتمة، يولد تحول آخر ربما يكون أعمق أثرًا من التحالفات العسكرية.
إنه جيل جديد يتشكل وعيه أمام مشاهد غزة، ويرى حقيقة الاحتلال، ويدرك الفجوة بين الشعارات الغربية عن الحرية وحقوق الإنسان وبين المواقف السياسية من فلسطين.
لم تعد الرواية الإسرائيلية تتمتع بالحصانة نفسها التي حظيت بها لعقود. فقد خرجت أجيال من الشباب في الجامعات والشوارع، في الشرق والغرب، ترفض الاحتلال والاستيطان، وتطالب بالعدالة والمساءلة.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: إسرائيل تحقق مكاسب في موازين القوة، لكنها تواجه تحديًا متصاعدًا في ميدان الوعي والأخلاق والشرعية.
فالمعركة مع الاحتلال والظلم والهيمنة،
(سنن الله.. حين تنشأ القوة من قلب المحنة)
إن التاريخ لا تصنعه القوة العسكرية وحدها، ولا تبقى موازينه ثابتة.
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
ومن سنن الله أن الشدائد قد توقظ الوعي، وأن المحن قد تصنع أجيالًا أكثر إدراكًا لمسؤولياتها، لكن النصر ليس وعدًا لمن يكتفي بالغضب أو الانتظار؛ بل يحتاج إلى إيمان وعلم وعمل وإعداد وصبر.
وأرى أن ما يحدث اليوم قد يكون من مقدمات إعداد جيل جديد، لا يرث عجز القيادات، ولا يقبل الاستبداد، ولا يختزل المقاومة في المواجهة العسكرية، وإنما يبني مشروعًا حضاريًا يجمع المعرفة والتنظيم والعمل الشعبي والسياسي والاقتصادي والقانوني.
جيل يفرق بين نصرة فلسطين وتدمير أوطان المسلمين، وبين الشجاعة والمغامرة، وبين المقاومة الحقيقية والشعارات التي لا تحسب نتائجها.
(المعركة القادمة.. على الإنسان والوعي)
إن إسرائيل قد تستطيع فرض اتفاقيات، وتوسيع نفوذها في الموانئ، والتأثير في حكومات، لكنها لا تستطيع ضمان ولاء الأجيال القادمة.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا: تحويل الوعي المتنامي إلى مؤسسات تعليمية، ومراكز بحثية، ومشروعات إعلامية، وتعاون اقتصادي، وعمل حقوقي وسياسي منظم، يملك رؤية للتحرر والبناء.
فالوعي الذي لا يتحول إلى قوة مؤسسية قد يتبدد، والغضب الذي لا يتحول إلى مشروع قد يستهلك أصحابه.
إن أخطر ما يواجه إسرائيل ليس مجرد ظهور قوة عسكرية جديدة، وإنما ولادة جيل عربي وإسلامي وإنساني يمتلك المعرفة والإرادة، ويرفض أن يكون مستقبل المنطقة مرهونًا بمشروع الهيمنة والاحتلال.
قد تكون إسرائيل اليوم في ذروة تفوقها، لكن ذروة القوة ليست ضمانًا للدوام، والتاريخ لم يعرف هيمنة أبدية.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: 17].
وإذا كانت العقود الماضية قد شهدت إعادة تشكيل المنطقة لصالح إسرائيل، فإن الأمل أن تشهد العقود القادمة إعادة بناء الإنسان الذي يرفض هذه الهيمنة، ويملك القدرة على تغييرها.
وأهم ما يحقق ذلك في مقاومة وإنهاء احلام المشروع الصهيوني وجود قيادة متماسكة، غير متنازعة، متجردة لله، لا تبحث عن المناصب والمواقع، وإنما تحمل القضية بإخلاص، ابتغاء مرضاة الله، وتضع مصلحة فلسطين و الأمة فوق كل اعتبار. أو هوي نفس
وهذه ليست أمنية تُغني عن العمل؛ إنها مسؤولية جيل ينبغي أن نشارك في إعداده من الآن.





