حدث في مثل هذا اليوم

إرث التنوير في ذكرى ميلاد فيلسوف الصحافة أحمد بهاء الدين

تحل اليوم الذكرى التاسعة والتسعون لميلاد الكاتب الصحفي والمفكر الاستثنائي أحمد بهاء الدين الذي غادر دنيانا تاركاً وراءه مدرسة فكرية وصحفية متفردة، ويمثل أحمد بهاء الدين أحد أعمدة القوة الناعمة الذي صاغ بوعيه الفائق وقلمه الرصين وجدان القارئ العربي لأكثر من ربع قرن من الزمان، وولد هذا المثقف الموسوعي في مدينة الإسكندرية في الحادي عشر من شهر فبراير لعام ألف وتسعمائة وسبعة وعشرين ميلادية لأسرة تعود جذورها إلى قرية الدوير التابعة لمركز صدفا بمحافظة أسيوط ، واستطاع أحمد بهاء الدين أن يحفر اسمه بمداد من نور منذ تخرجه في كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول عام ألف وتسعمائة وأربعين ميلادية حين انخرط في العمل الصحفي مقدماً نموذجاً للمثقف المتسق مع ذاته والمنحاز لقضايا وطنه وأمته بعيداً عن الجمود الأيديولوجي ، وتعتبر مسيرته المهنية سجلاً حافلاً بالمعارك التنويرية التي خاضها بشرف وموضوعية مما جعله يحظى باحترام الخصوم والمؤيدين على حد سواء.

مدرسة صباح الخير ومعارك السداح مداح في مسيرة أحمد بهاء الدين

أحدث أحمد بهاء الدين ثورة حقيقية في شكل ومضمون الصحافة العربية حين تولى رئاسة تحرير مجلة “صباح الخير” في يناير من عام ألف وتسعمائة وستة وخمسين ميلادية وهو لم يتجاوز التاسعة والعشرين من عمره ، ونجح أحمد بهاء الدين في تقديم رؤية عصرية لمصر والعالم من خلال مدرسة صحفية اعتمدت على الفنون التشكيلية والكاريكاتير واللغة الرشيقة التي جذبت الأجيال الجديدة من القراء ، وتجلت شجاعته المهنية في مقالته الأشهر “السداح مداح” التي انتقد فيها عشوائية سياسات الانفتاح الاقتصادي خلال السبعينيات محذراً من تداعياتها على البنية الاجتماعية والسياسية للوطن ، وصار قلمه في “الأهرام” و”العربي” الكويتي بمثابة بوصلة فكرية ترصد التحولات بدقة وتنفذ إلى جوهر الحقيقة بأسلوب تحليلي رصين ، واستطاع أحمد بهاء الدين أن يحافظ على استقلاليته الفكرية في علاقته بالسلطة مقدماً دروساً بليغة في كيفية الجمع بين القرب من دوائر صنع القرار والتمسك بمبادئ التنوير والنزاهة الصحفية.

الوفاء للوطن والجذور والعمل التنموي بجمعية أحمد بهاء الدين

ارتبطت الحالة الصحية للكاتب الكبير بآلام الأمة وأوجاعها حيث أصيب بمرض السكري عقب نكسة يونيو ألف وتسعمائة وسبعة وستين ثم دخل في غيبوبة طويلة إثر صدمة غزو العراق للكويت حتى رحيله في عام ألف وتسعمائة وستة وتسعين ميلادية ، وترك أحمد بهاء الدين للمكتبة العربية سبعة وثلاثين كتاباً من أهمها “يوميات هذا الزمان” و”المثقفون والسلطة” و”أيام لها تاريخ” التي تظل مراجع أساسية لفهم كواليس السياسة والفكر ، وتوجت أسرته ومحبوه هذا العطاء بإنشاء مجمع أحمد بهاء الدين الثقافي في مسقط رأسه بقرية الدوير عام ألفين وعشرة ميلادية ليكون أكبر مركز إشعاع حضاري في الريف المصري ، ويقوم المجمع بدور رائد في تعليم الفنون واللغات والكمبيوتر بالإضافة إلى احتضانه لأكبر مكتبة متخصصة في القضية الفلسطينية تنفيذاً لرؤيته في بناء الإنسان وتنمية الأقاليم ، ورحل أحمد بهاء الدين بجسده وبقي مشروعه التنويري حياً يرزق في كل كلمة كتبها وفي كل قاعة علم تفتح أبوابها للشباب بفضل جمعية أصدقائه التي تواصل مسيرته في خدمة الثقافة والتعليم.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى