نور الشريف والسلطة.. كيف واجه الاستبداد بالفن؟

في تاريخ السينما المصرية، وقف كثير من الفنانين أمام الكاميرا ليجسدوا رجال السلطة أو ضحاياها، لكن قليلين استطاعوا أن يجعلوا من هذه الشخصيات مشروعًا فنيًا متكاملًا، يطرح أسئلة عن الحرية، والعدالة، وحدود القوة، وعلاقة المواطن بالدولة. وكان نور الشريف واحدًا من أبرز هؤلاء.
فمنذ بداياته، لم يكن يبحث عن البطولة التقليدية، ولا عن الشخصيات التي تحقق نجاحًا سريعًا، وإنما كان ينجذب إلى الأعمال التي تناقش المجتمع، وتقترب من السياسة، وتطرح أسئلة صعبة عن السلطة عندما تتحول إلى أداة للقهر، أو عن الإنسان عندما يجد نفسه في مواجهة نظام أكبر منه.
ولهذا، لم يكن غريبًا أن ترتبط أهم محطات مشواره بأفلام ما زالت تُناقش حتى اليوم، لأنها لم تتحدث عن أشخاص بعينهم، وإنما عن أفكار ما زالت حاضرة في مجتمعاتنا العربية.
لم يكن نور الشريف سياسيًا، ولم يقدم نفسه يومًا باعتباره معارضًا أو ناشطًا، لكنه كان يؤمن بأن الفنان الحقيقي لا يعيش معزولًا عن مجتمعه، وأن الفن لا يقتصر على الترفيه، بل يستطيع أن يفتح بابًا للنقاش، وأن يطرح أسئلة قد تعجز السياسة نفسها عن طرحها.
ولهذا، اختار أن تكون كثير من أعماله مرآةً للمجتمع، تعكس تناقضاته، وتقترب من الملفات الشائكة دون خطابة أو شعارات.
وكانت البداية الحقيقية لهذا المسار مع فيلم “الكرنك”، المأخوذ عن رواية الأديب نجيب محفوظ، والذي أخرجه علي بدرخان عام 1975.
لم يكن الفيلم مجرد حكاية عن مجموعة من الشباب يجتمعون في مقهى، بل كان قراءة درامية لمرحلة شهدت الاعتقالات السياسية والتعذيب ومصادرة الحريات في الستينيات، من خلال شخصيات تحولت أحلامها إلى كوابيس بعد أن اصطدمت بسلطة لا تقبل الاختلاف. وقد جسد نور الشريف شخصية إسماعيل، طالب الطب الذي يتعرض للاعتقال والتعذيب، في أداء اعتبره كثير من النقاد أحد أهم أدواره السينمائية. وأصبح الفيلم لاحقًا من أبرز الأعمال التي ناقشت علاقة السلطة بالمواطن في السينما المصرية.
ولم يكن “الكرنك” محطة عابرة، بل بداية لمسار فني استمر سنوات طويلة.
فبعده بسنوات، جاء فيلم “أهل القمة”، المأخوذ عن قصة للأديب نجيب محفوظ أيضًا، ليطرح سؤالًا مختلفًا: ماذا يحدث عندما تتغير منظومة القيم داخل المجتمع؟
ناقش الفيلم التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي صاحبت سياسة الانفتاح، وصعود طبقة جديدة جمعت الثروة بطرق غير مشروعة، بينما بقيت الطبقة الوسطى تدفع ثمن هذه التحولات.
ولم يكن الفيلم يهاجم أشخاصًا، بقدر ما كان يناقش ظاهرة، ويطرح سؤالًا عن العلاقة بين السلطة والمال، وكيف يمكن أن تتغير القيم عندما تختلط المصالح بالنفوذ.
ثم جاءت واحدة من أهم محطات نور الشريف، فيلم “سواق الأتوبيس” للمخرج عاطف الطيب.
ورغم أن الفيلم يبدو في ظاهره قصة رجل يحاول إنقاذ ورشة والده من الإفلاس، فإنه كان في جوهره حكاية عن مواطن بسيط يصطدم بواقع اقتصادي واجتماعي معقد، ويكتشف أن الحفاظ على الكرامة قد يصبح معركة يومية.
واعتبر كثير من النقاد الفيلم واحدًا من أهم أفلام الواقعية الجديدة في السينما المصرية، لأنه نقل هموم الطبقة الوسطى إلى الشاشة بصدق، بعيدًا عن المبالغة أو الشعارات.
أما فيلم “زوجة رجل مهم”، فقد كان من أكثر الأعمال عمقًا في تحليل شخصية رجل السلطة.
ومن خلال شخصية ضابط الشرطة، كشف الفيلم كيف يمكن للنفوذ أن يتحول تدريجيًا إلى شعور بالامتلاك والسيطرة، وكيف يستطيع المنصب أن يغير صاحبه، ويعيد تشكيل علاقاته بالآخرين.
ولذلك، لم يُقرأ الفيلم باعتباره قصة زوجين فقط، بل باعتباره دراسة نفسية واجتماعية عن السلطة حين تغيب عنها الرقابة، وتتحول من مسؤولية إلى وسيلة للهيمنة.
ولم يتوقف نور الشريف عند القضايا المصرية فقط.
فعندما وافق على بطولة فيلم “ناجي العلي”، كان يدرك أنه يدخل واحدة من أكثر المناطق حساسية في السينما العربية.
لم يكن الفيلم يتناول الاحتلال الإسرائيلي وحده، بل ناقش أيضًا الانقسامات العربية، والفساد، والخيبات التي عاشتها القضية الفلسطينية، وهو ما جعل العمل يثير جدلًا واسعًا عند عرضه.
ورغم ذلك، تمسك نور الشريف بالفيلم، واعتبره لاحقًا واحدًا من أهم الأعمال التي قدمها، لأنه كان يرى أن الفنان الحقيقي لا يختار الطريق الأسهل دائمًا.
ما يميز تجربة نور الشريف أنه لم يقدم السلطة دائمًا في صورة الشر المطلق، ولم يقدم المواطن في صورة الضحية المطلقة.
كان أكثر اهتمامًا بالإنسان نفسه؛ كيف يتغير عندما يمتلك القوة، وكيف يقاوم عندما تُسلب منه حريته، وكيف يمكن أن تدفعه الظروف إلى مواقف لم يكن يتخيلها.
ولهذا، بدت شخصياته قريبة من الواقع، لأن الصراع فيها لم يكن بين الخير والشر فقط، بل بين المبادئ والمصالح، وبين الضمير والخوف، وبين السلطة والحرية.
وربما لهذا السبب بقيت أعماله حاضرة حتى اليوم.
فالأنظمة تتغير، والوجوه تتبدل، لكن الأسئلة التي طرحتها تلك الأفلام ما زالت مطروحة: ما حدود سلطة الدولة؟ وكيف تُحمى الحريات؟ ومتى تتحول القوة إلى استبداد؟
لم يكن نور الشريف يقدم إجابات جاهزة، بل كان يترك للمشاهد مساحة للتفكير، وهو ما جعل أعماله تتجاوز زمن إنتاجها، وتظل قابلة للمشاهدة والنقاش بعد عقود.
ولهذا، عندما يُذكر اسم نور الشريف، لا يتذكر الجمهور ممثلًا كبيرًا فقط، بل يتذكر فنانًا آمن بأن الشاشة يمكن أن تكون مساحة للحوار، وأن الفن لا يكتفي بعكس الواقع، بل يستطيع أيضًا أن يدفع المجتمع إلى إعادة النظر فيه.
وربما كان هذا هو سر بقاء نور الشريف حاضرًا في الذاكرة؛ لأنه لم يستخدم الفن







