الحرب في الشرق الأوسطشباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: أحداث إيران لا تُنسينا غزة والسودان


مشهد الإقليم يشتعل على أكثر من جبهة، ورمضان هذا العام لا يشبه سواه. عدوانٌ يتصاعد على إيران، وتصريحاتٌ متقابلة تملأ الشاشات، وتحليلاتٌ تحاول أن تسبق النار إلى خرائطها. غير أن صخب المشهد لا ينبغي أن يسرق بصيرتنا، ولا أن يختزل وجع المنطقة في عنوانٍ واحد، بينما دمٌ آخر يسيل بعيدًا عن الكاميرات، ووجعٌ آخر يُدفن تحت ركام النسيان.

غزة تقف على حافة هاوية مفتوحة، بين الحصار الطويل والدمار المتجدد، بين شعبٍ أعزل يبحث عن ماء ودواء، وعالمٍ يكتفي بالبيانات. هناك، لا تُقاس المأساة بعدد الصواريخ بل بعدد الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءً لن يعودوا. هناك، يختصر طفلٌ واحد كل خرائط الصراع، وكل ادعاءات العدالة الدولية.

السودان، بلدنا الثاني، يمضي في طريقٍ من نار. حرب داخلية لم تترك بيتًا إلا مسّه القلق، ولا مدينة إلا أصابها التمزق. الخرطوم التي كانت تفيض بالثقافة والنيلين، صارت عنوانًا للتهجير والدمار. دارفور تعود إلى الواجهة، وكأن التاريخ يصرّ على إعادة نفسه في صورةٍ أكثر قسوة.

تقريرٌ مهم يسلّط الضوء على أبعادٍ إقليمية تتجاوز حدود الداخل السوداني. يوثّق تورط دول أفريقية، بدرجات متفاوتة، في دعم التمرد وانتهاك سيادة السودان، سواء عبر دعم حكومي رسمي، أو عبر جهات مستقلة تستغل هشاشة الدولة وضعف سيطرتها على أراضيها.

الدعم اللوجستي والدعم العسكري تشير المعطيات إلى أنه جاء من ليبيا وتشاد وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى وإثيوبيا، عبر إمداد المليشيا بالعتاد وتسهيل تحركات القوات البرية. حدودٌ رخوة تحولت إلى معابر مفتوحة، ومناطق مهمشة صارت منصات انطلاقٍ لحربٍ لا يعرف أحدٌ كيف تنتهي.

الإسناد الميداني والإسناد الجوي نُسب إلى إثيوبيا وتشاد، من خلال إنشاء معسكرات وتوفير دعم المسيرات الاستراتيجية واستخدام المطارات القريبة من مسار العمليات. صورة الحرب الحديثة لا تُرسم فقط بالبندقية، بل بالطائرة الصغيرة التي تحوم بلا صوت، وتحمل في صمتها رسالة موت.

الدعم السياسي والغطاء الدبلوماسي تشير التقارير إلى تورط كينيا وأوغندا وإثيوبيا في توفيره، عبر استضافة شخصيات مرتبطة بالتمرد، وتسهيل حركتهم، وتقديم جوازات سفر أو دعم سياسي يمنحهم شرعيةً موازية لشرعية الدولة. السياسة هنا تتحول إلى سلاحٍ بارد، لا يُحدث دوياً لكنه يغير مسار المعركة.

المطارات والقواعد الجوية في كينيا والصومال وأفريقيا الوسطى وإثيوبيا وتشاد وليبيا وأوغندا تحولت، وفق ما يرد في التقرير، إلى نقاط عبور ومنطلقات لوجستية، تُستخدم في تأمين جسور جوية لنقل العتاد العسكري والمرتزقة وكافة الإمدادات الحيوية اللازمة لاستدامة العمليات القتالية للمليشيا. الطائرة التي تقلع في الظلام قد لا يعرف ركابها حدود الوطن، لكنها تعرف جيدًا طريق الحرب.

تصنيف الجهات الداعمة يكشف عن نمطين واضحين: دعم حكومي رسمي في دول مثل تشاد وإثيوبيا وكينيا وأوغندا وأفريقيا الوسطى، حيث انخرطت مؤسسات الدولة في تقديم دعم سياسي أو دعم عسكري أو دعم لوجستي للتمرد. وفي المقابل، دعم عبر قوى مستقلة في جنوب السودان وليبيا والصومال، مستفيدة من ضعف المركز وتشتت القرار.

سيادة السودان ليست تفصيلًا قانونيًا، بل جوهر وجوده. كل تدخل خارجي، مباشر أو غير مباشر، يضاعف أمد الحرب ويعمّق الجراح. دولةٌ تُستنزف من الداخل وتُستباح من الخارج لا تحتاج فقط إلى وساطات، بل إلى إرادةٍ إقليمية صادقة تُعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية.

أحداث إيران، بكل تعقيداتها وتشابكاتها، لا ينبغي أن تُنسينا أن الجرح السوداني ينزف الآن، وأن غزة تعيش بين هدنة مؤقتة وتهديدٍ دائم. تعدد الأزمات لا يعني ترتيبها أخلاقيًا، بل يعني اتساع مسؤوليتنا تجاهها جميعًا.

وعيٌ عربيٌ وإنسانيٌ متوازن يرفض الانتقائية في التعاطف، ويرفض أن تتحول المآسي إلى مواسم إعلامية. العدالة لا تتجزأ، والدم لا يُقاس بالمسافات، والكرامة لا تُصنّف وفق خرائط التحالفات.

رمضان شهر الرحمة، لكنه هذا العام يكشف قسوة السياسة حين تنفصل عن ضميرها. صائمٌ في طهران يخشى الغد، وصائمٌ في غزة يبحث عن كسرة خبز، وصائمٌ في الخرطوم يبيت على أمل هدنة. قلوبٌ متفرقة يجمعها وجعٌ واحد.

توازن الرؤية يفرض أن نقرأ المشهد كاملاً، لا أن ننشغل بعنوانٍ ونغفل كتابًا كاملاً من الألم. إيران وغزة والسودان… خرائط مختلفة، لكن الإنسان واحد، والحق واحد، والسلام وحده القادر على أن يمنح هذه المنطقة فرصةً للحياة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى