د. أيمن نور يكتب: يوسف القرضاوي مائة عام.. والأثر باق. وجوه لا تغيب

للتاريخ مصادفات لا أعرف إن كان هو الذي يصنعها، أم أننا نحن الذين نمنحها معناها حين تمس موضعا خفيا في القلب. في التاسع من سبتمبر اكتملت مائة عام على ميلاد الدكتور يوسف القرضاوي. وفي اليوم نفسه، كان ابنه الصديق الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي يعود إلى الحرية بعد غياب قسري ثقيل امتد قرابة عشرين شهرا. مائة عام على ميلاد الأب، وابن يعود إلى أهله وأصدقائه وقصيدته. وكأن الزمن أراد، في مئوية الإمام، أن يرسل إليه هدية لا يحملها ساعي بريد: أن يعود الابن حرا.
أعرف الصديق الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي، وأعرف أن للشعراء علاقة خاصة بالحرية. فالإنسان قد يرى في السجن أربعة جدران وبابا مغلقا، أما الشاعر فيراه سماء جرى اختصارها قسرا في نافذة. والسجون تستطيع أن تقتطع من أعمارنا شهورا وسنوات، لكنها تعجز أحيانا عن امتلاك ما هو أثمن من العمر: المعنى. والحرية ليست فقط أن يفتح باب الزنزانة، بل أن يخرج الإنسان منها ويبقى الباب وراءه، لا داخله.
ومن الابن عدت إلى الأب، إلى فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي، الذي التقيته، فيما أذكر، مرات قليلة في السنوات الأخيرة من حياته. لم تكن لقاءات تسمح لي بادعاء صحبة لم تكن، لكن بعض الرجال تكفي منهم لقاءات قليلة لتترك في الذاكرة أثرا طويلا. كان في حضوره شيء من طمأنينة المعرفة، وهدوء من لا يحتاج إلى رفع صوته كي يثبت حضوره. تقدمت به السن، وظل عقله مشدودا إلى حركة الحياة وتحولاتها.
وأنا حين أكتب عن الإمام يوسف القرضاوي لا أكتب بميزان الفقيه، فليست لي قيمة فقهية تتيح لي أن أزن تراث عالم أمضى حياته بين القرآن والسنة والاجتهاد والتعليم. أنا رجل سياسة، ليبرالي في رؤيتي للدولة والمجتمع والإنسان، وأقرأ تجربته من النوافذ التي أعرفها: العقل والحرية والعدل والتعدد وكرامة الإنسان. ومن هذه الزاوية يبدو مشروع الدكتور يوسف القرضاوي أوسع كثيرا من صورة الفقيه وحدها.
وحين أتأمل ما تركه الشيخ يوسف القرضاوي، يستوقفني الخيط الممتد بين كتبه وأفكاره: من «الخصائص العامة للإسلام» إلى «ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده»، ومن «فقه الأولويات» إلى المقاصد والموازنات والمآلات، ومن أحكام الفرد إلى قضايا المجتمع والدولة، ومن فقه الواقع إلى أفق الحضارة. لم يعد الأمر مقصورا على معرفة الحكم، بل امتد إلى إدراك المقصد، وترتيب الأولوية، ووزن المصلحة والمفسدة، واستشراف المآل، وفهم الواقع الذي تنزل فيه الأحكام.
ولعل هذه واحدة من أهم إضافات الدكتور يوسف القرضاوي: نقل العقل من الاكتفاء بالحكم إلى فهم الحكمة، ومن الجزئي المنعزل إلى الصورة الأوسع. ولهذا برزت في مشروعه مفاهيم فقه المقاصد والأولويات والموازنات والمآلات والواقع والاختلاف، لا باعتبارها عناوين للكتب فقط، بل أدوات لإعادة العقل والاجتهاد إلى قلب العلاقة بين النص والحياة.
وهنا يمر أمامي وجه آخر من «وجوه لا تغيب»: الأستاذ الإمام محمد عبده. لا أساوي بين الرجلين، فلكل منهما زمنه وتكوينه، لكنني أرى بينهما خيطا مصريا رفيعا: هاجس التجديد. كان محمد عبده يريد فتح نافذة للعقل في جدار التقليد، لا ليهدم البيت، بل ليدخل إليه الهواء. وبعده بعقود جاء الإمام يوسف القرضاوي يحمل هما قريبا: كيف نحفظ الأصل دون أن نقدس الجمود، وندخل العصر دون أن نذوب فيه، ونصون الهوية دون أن نجعل منها سورا يحجب عنا العالم؟
ومن هنا أفهم موقع الوسطية والتجديد في مشروع الشيخ يوسف القرضاوي. فالوسطية ليست الوقوف الحسابي في منتصف الطريق، بل مقاومة غواية الأطراف: أن تتمسك بالأصل دون تحجر، وأن تعيش عصرك دون أن تفقد نفسك، وأن تمتلك يقينك دون أن تصادر حق غيرك في يقينه. والتجديد ليس طلاء الجدران القديمة بألوان جديدة، بل معرفة ما ينبغي الحفاظ عليه، وما ينبغي فتحه للحياة والزمان.
أما «فقه الأولويات»، فأراه من أكثر أفكار الإمام يوسف القرضاوي عبورا من الفقه إلى السياسة والحياة. أن تعرف وزن الأشياء، وأن تميز الأصل من الفرع، والجوهر من الهامش، والضروري مما يحتمل الانتظار. وكم احتاجت السياسة العربية إلى هذا الميزان. كم خسرنا من وطن ونحن نربح معركة صغيرة، وكم بددنا من مستقبل لأننا ظللنا نتشاجر على الماضي، وكم استنزفنا من طاقة في الفروع بينما كانت الأصول تتداعى من حولنا.
غير أن الأفق الأبعد في مشروع الدكتور يوسف القرضاوي، كما أراه، هو النهوض: أن يتحول الإيمان إلى عمران، والقيمة إلى مؤسسة، والعدل إلى نظام، والعلم إلى قوة، والإنسان من متفرج على التاريخ إلى شريك في صناعته. هنا تصبح الدولة أداة لا غاية، ويصبح الإنسان والعلم والاقتصاد والمجتمع والمؤسسات أجزاء من مشروع حضاري أكبر.
ومن موقعي الليبرالي، أجد هنا مساحة إنسانية رحبة لا تشترط تطابق المرجعيات. فالطرق إلى الحرية كثيرة. قد يأتي إليها أحدنا من فلسفة سياسية، ويصل إليها آخر من مقصد شرعي، وثالث من تجربة سجن، ورابع من قصيدة. لكن العدل لا يستفسر من المظلوم عن مدرسته الفكرية قبل أن ينصفه، والحرية لا تطلب بطاقة حزبية ممن يستحقها، وكرامة الإنسان لا تنقص لأنه يختلف معنا.
وقد علمتني السياسة، بما منحت وما أخذت، أن الرجال لا ينصفون بالمديح المطلق ولا بالخصومة المطلقة. لهذا أقرأ الإمام يوسف القرضاوي كما أراه من نافذتي أنا، مصريا وليبراليا وسياسيا عرف معنى أن يدفع الإنسان من عمره ثمنا لموقف. لا أرتدي عمامة ليست لي، وإنما أبحث في تجربة الرجل عما يخصنا جميعا: قيمة العقل، وفضيلة الاعتدال، وجرأة الاجتهاد، وأولوية الإنسان، والحاجة إلى أن تظل أبواب الفكر أوسع من أبواب السجون.
ثم أعود إلى الصديق الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي. إلى الابن الذي حمل اسم أبيه، لكنه صنع لنفسه صوته ومساره وقصيدته. فالإرث الحقيقي لا يعني أن يكرر الابن أباه، والشاعر لا يرث قصيدته حتى لو كان أبوه إماما. وعندما رأيت عبد الرحمن يعود في التاسع من سبتمبر، لم أر خبرا سياسيا انتهى بالإفراج، بل رأيت صديقا افتقدته، وشاعرا يسترد أوراقه، وإنسانا عاد إليه حق كان ينبغي ألا ينتزع منه أصلا: أن يكون حرا.
وفي تلك اللحظة بدت لي الصلة بين الأب والابن أعمق من الاسم والنسب. أمضى الدكتور يوسف القرضاوي جانبا كبيرا من عمره يبحث عن مساحة أرحب بين الأصل والعصر، وبين الإيمان والعقل، وبين الثبات والتجديد. ثم جاءت تجربة الصديق الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي لتضع أمامنا، بقسوتها، قيمة لا يستقيم شيء من ذلك من دونها: الحرية. كأن الأب كتب بعض المعاني بالحبر، ثم جاءت الحياة لتكتب للابن هامشا عليها من العمر نفسه.
ولو جاز لي أن أختار هدية واحدة للدكتور يوسف القرضاوي في مئوية ميلاده، فلن أختار طبعة فاخرة من كتبه ولا احتفالا كبيرا باسمه. سأختار له هذه اللحظة: أن يرى ابنه حرا. وأحسب أنني، كأب قبل أن أكون سياسيا وكاتبا، أفهم شيئا من قيمة هذه الهدية. أمام الأبناء تتراجع الألقاب كلها، فلا يبقى الإمام إماما، ولا السياسي سياسيا، ولا الكاتب كاتبا. يبقى الأب أبا.
ولهذا سأحتفظ من هذه المئوية بصورتين متجاورتين في ذاكرتي: صورة فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي كما التقيته في سنواته الأخيرة، بوقاره وهدوئه ورحلة عمر طويلة خلف عينيه، وصورة الصديق الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي عائدا إلينا بعد غياب طال أكثر مما ينبغي. بين الصورتين موت ومحنة وسنوات وحرية، لكن بينهما أيضا ما لا تقطعه المسافات: أب وابنه.
رحم الله الإمام يوسف القرضاوي، ورحم فينا فضيلة الإنصاف. وأهلا بالصديق الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي، لا بوصفه ابن الإمام فحسب، بل عبد الرحمن الذي نعرفه ونحبه: شاعرا له قصيدته، وإنسانا له حريته، وصديقا افتقدناه طويلا.
وفي التاسع من سبتمبر لم تعد المائة مجرد رقم في سيرة أب، ولا العشرون شهرا رقما في محنة ابن. صار بين الرقمين عمر من الدلالات: أب رحل وبقي أثره، وابن غاب ثم عاد، واسم واحد جمع بين عمامة الفقيه وقصيدة الشاعر، وبين كتاب تركه صاحبه مفتوحا على الاجتهاد، وقصيدة عاد صاحبها ليكملها بنفسه.
أما أنا، فسأظل أتذكر مئوية الدكتور يوسف القرضاوي بذلك الوجه الذي عاد في يومها. فبعض الآباء يتركون لأبنائهم أسماء كبيرة، وبعض الأبناء يضيفون إلى أسماء آبائهم معنى جديدا. وفي التاسع من سبتمبر عاد الصديق الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي حاملا اسم أبيه، نعم… لكنه عاد، وهذا عندي الأهم، حاملا نفسه وحريته وقصيدته.
وما بين أب عرفته قليلا، وابن عرفته صديقا، بقي في نفسي معنى واحد لا يحتاج إلى كثير من الكلام: رحم الله الأب… وأهلا بالابن حرا.





