يفتح إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في السابع عشر من أكتوبر ٢٠٢٦ استعداد مصر لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن المملكة العربية السعودية، إذا طلبت الرياض ذلك، مرحلة جديدة من النقاش حول حدود الدور العسكري المصري في الإقليم، ومدى قدرة القاهرة على تحويل التزاماتها الأمنية تجاه حلفائها إلى نفوذ سياسي مؤثر، دون الانخراط في حرب استنزاف تزيد أعباء الدولة الاقتصادية والعسكرية وتحد من قدرتها على مواجهة التحديات الداخلية.

وقد جاء الإعلان عقب تصاعد الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيرة على منشآت ومطارات سعودية، ولا سيما مطار الملك خالد الدولي بالرياض، في سياق تجدد الحرب اليمنية وامتداد تداعياتها إلى أمن الخليج والبحر الأحمر. كما طلب السيسي انعقاد مجلس النواب للنظر في تفويض يسمح بتقديم المساعدة الدفاعية، مؤكدًا أن الموقف يتعلق بحماية السعودية وليس بشن حرب هجومية.

وتنطلق هذه الورقة من فرضية أن المشاركة المصرية يمكن أن تحقق مكاسب أمنية وسياسية معتبرة إذا ظلت دفاعية ومحددة الأهداف والمدة، وارتبطت بحماية المصالح المصرية المباشرة، وفي مقدمتها أمن البحر الأحمر وقناة السويس. لكنها قد تتحول إلى عبء طويل المدى إذا اتسعت إلى عمليات قتالية داخل اليمن دون أهداف قابلة للتحقق أو تصور واضح لإنهاء المهمة.

وتنبع خصوصية الموقف من اجتماع ثلاثة اعتبارات: العلاقات المصرية السعودية الوثيقة، وحاجة الرياض إلى توسيع شبكة المساندة الدفاعية في مواجهة الهجمات المتصاعدة، ورغبة القاهرة في المحافظة على مكانتها بوصفها قوة إقليمية مؤثرة في التوازنات الأمنية. غير أن تداخل هذه الاعتبارات يطرح سؤالًا حول حدود الالتزام المصري: هل يتعلق الأمر بحماية حليف تتصل سلامته بالمصالح الوطنية المصرية، أم بالدخول في صراع تتجاوز أهدافه المباشرة حدود الأمن القومي المصري؟

ولا يثبت إعلان الاستعداد أن القوات المصرية بدأت بالفعل مهمة عسكرية جديدة. فهناك فرق بين الموقف السياسي، والتفويض الدستوري، وورود طلب سعودي رسمي، والاتفاق على طبيعة المشاركة، ثم تنفيذها ميدانيًا. وحتى المعلومات المنشورة التي أمكن التحقق منها، كانت الجلسة البرلمانية مقررة يوم ١٨ أكتوبر، دون تأكيد نهائي لنطاق تفويض صادر عنها أو بدء انتشار قتالي مصري جديد.

(٢) دوافع المشاركة وأهدافها

تتعدد دوافع المشاركة المصرية المحتملة، ولا يصح اختزالها في التضامن العربي أو المصالح الاقتصادية وحدها. فالسعودية تمثل قوة مركزية في الخليج والعالم العربي، وترتبط مصر بها بعلاقات سياسية وأمنية واستثمارية واسعة. كما أن تعرض المملكة لهجمات مؤثرة على منشآتها الحيوية ينعكس على استقرار أسواق الطاقة والاقتصاد الإقليمي، وقد يفتح المجال أمام تصعيد أوسع تتضرر منه مصر بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

◾️ويأتي أمن البحر الأحمر في مقدمة المصالح المصرية، لأن استمرار تهديد الملاحة عبر باب المندب يرفع تكاليف النقل والتأمين ويؤثر في حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس. ومن ثم فإن احتواء التهديدات البحرية وتحسين أمن الممرات التجارية يمثلان مصلحة مصرية مباشرة، حتى دون وجود التزام عسكري بالدفاع عن الأراضي السعودية.

◾️ويتصل الدافع الثاني بموقع القاهرة داخل الترتيبات الأمنية الإقليمية الجديدة. فقد أدت التحولات في علاقات القوى الخليجية مع الولايات المتحدة وتركيا وباكستان وغيرها إلى توسيع البحث عن شراكات دفاعية متعددة. وقد ترى القاهرة في المشاركة فرصة لتأكيد أنها شريك رئيس في أمن الخليج والبحر الأحمر، وليست قوة بعيدة عن القرارات المتعلقة بمستقبل هاتين المنطقتين.

◾️أما الدافع الثالث فيرتبط بالعلاقات المصرية السعودية وما توفره من تعاون سياسي واقتصادي. وقد يؤدي الدعم الدفاعي إلى توثيق هذه العلاقات وفتح مجالات جديدة للتنسيق. لكن لا تتوافر أدلة معلنة على وجود اتفاق لتقديم تمويل سعودي مقابل مشاركة عسكرية مصرية، وينبغي ألا تتحول هذه الفرضية إلى حقيقة مفترضة في التقدير.

◾️ويبرز دافع رابع يتعلق بصورة الدولة المصرية أمام شركائها الدوليين، ولا سيما الولايات المتحدة والدول الأوروبية، إذ يمكن أن تقدم المساهمة الدفاعية مصر باعتبارها طرفًا قادرًا على المساعدة في احتواء الأزمات وحماية طرق التجارة والطاقة.

ومع ذلك، فإن قيمة المشاركة تتوقف على تحديد هدف وطني قابل للقياس. فحماية منشآت مدنية سعودية من هجمات محددة تختلف عن السعي إلى إلحاق هزيمة شاملة بالحوثيين، كما تختلف عن محاولة فرض ترتيبات سياسية جديدة في اليمن بالقوة العسكرية.

(٣) صور المشاركة ومستويات التدخل

لا تمثل المشاركة العسكرية خيارًا واحدًا، بل مجموعة مستويات تختلف في التكلفة والمخاطر والنتائج المحتملة. ويمكن تحديد خمسة أشكال رئيسة:

·      أولًا: الدعم السياسي والاستخباراتي. ويشمل تبادل المعلومات والإنذار المبكر والتنسيق الأمني والخبرات الفنية والمساعدة في تقييم التهديدات. ويتميز هذا المستوى بانخفاض كلفته المباشرة نسبيًا، وقدرته على دعم الدفاع السعودي دون انخراط مصري واسع في العمليات القتالية، لكنه يبقى محدود الأثر إذا كان الهدف وقف الهجمات بصورة شاملة.

·      ثانيًا: المساندة الدفاعية الفنية. وتتضمن التعاون في الدفاع الجوي ومواجهة الطائرات المسيرة وحماية المنشآت الحيوية، وفق اتفاقات واضحة تحدد طبيعة المساهمة المصرية. ويمكن لهذا المستوى أن يحقق نتائج ملموسة في تقليل أثر الهجمات، لكنه قد يحتاج إلى استمرارية طويلة وتكاليف تشغيلية مرتفعة.

·      ثالثًا: المشاركة البحرية. وتتمثل في حماية الملاحة والتعاون لتأمين طرق التجارة في البحر الأحمر، مع التركيز على المصالح المشتركة المرتبطة بباب المندب وقناة السويس. وتبرز أهميتها لأنها تربط المشاركة بمصلحة اقتصادية وأمنية مصرية مباشرة، لكنها تظل معرضة لمخاطر التصعيد والهجمات البحرية.

·      رابعًا: نشر قوات دفاعية داخل السعودية. وقد يهدف إلى حماية مواقع محددة أو دعم منظومات الدفاع القائمة. ويحمل هذا المستوى دلالة سياسية أكبر على الالتزام المصري، لكنه يثير أسئلة تتعلق بحماية القوات المنتشرة وتكاليف بقائها وحدود مسؤولياتها.

·      خامسًا: المشاركة القتالية المباشرة في اليمن. وهي الصورة الأكثر تعقيدًا وخطورة، لأنها تنقل مصر من دعم الدفاع عن المملكة إلى التأثير المباشر في مسار الحرب اليمنية. وقد تشمل هذه المشاركة التزامات طويلة ومخاطر بشرية وسياسية أوسع، كما قد تجعل مصر طرفًا مباشرًا في صراع تتداخل فيه قوى محلية وإقليمية متعددة.

والتمييز بين هذه الصور ضروري؛ لأن نجاح الدعم الدفاعي المحدود لا يثبت جدوى التدخل القتالي الواسع. كما أن القدرة على تنفيذ عملية عسكرية لا تعني بالضرورة القدرة على تحقيق تسوية سياسية مستدامة أو إنهاء مصادر التهديد.

(٤) فرص النجاح ومحددات الفاعلية

يتوقف نجاح أي مشاركة مصرية على تعريف النجاح نفسه. فإذا كان الهدف حماية منشآت محددة وتقليل أثر الهجمات، فإن تقييم النتائج سيكون مختلفًا تمامًا عن هدف وقف الهجمات على السعودية بصورة نهائية، أو تغيير موازين الحرب داخل اليمن.

وتشير التطورات الأخيرة إلى قدرة الحوثيين على استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة لإحداث تأثير عسكري واقتصادي ونفسي رغم التفوق العسكري والتكنولوجي للتحالف المقابل. كما أن استمرار المواجهات والضربات المتبادلة يدل على صعوبة تحويل التفوق العسكري إلى حسم سياسي سريع.

ويمكن تحديد أربعة شروط أساسية لفاعلية المشاركة المصرية:

·      أولها وضوح الهدف، بحيث تكون المهمة محددة ولا تتحول تدريجيًا إلى التزام مفتوح.

·      وثانيها وجود تنسيق سياسي وعسكري فعّال مع السعودية، يمنع تضارب المسؤوليات ويحدد جهة اتخاذ القرار.

·      وثالثها تناسب الموارد المستخدمة مع العائد الأمني المتوقع، مع الحفاظ على جاهزية القوات المسلحة لمهام الدفاع المصرية الأصلية.

·      ورابعها وجود مسار سياسي ودبلوماسي موازٍ يسعى إلى احتواء الحرب اليمنية وتقليل دوافع استمرارها.

ومن المهم إدراك أن الدفاع الناجح لا يستلزم بالضرورة القضاء الكامل على قدرة الخصم على الهجوم، بل قد يتمثل في خفض الخسائر وحماية المنشآت وإتاحة مساحة سياسية للتفاوض. أما اعتبار الحسم العسكري الشامل شرطًا للنجاح فقد يفتح الباب أمام حرب طويلة يصعب تحديد نهايتها.

وتعكس تجربة التدخلات العسكرية السابقة في اليمن وغيرها من الحروب غير المتناظرة محدودية الاعتماد على القوة العسكرية وحدها في مواجهة أطراف تمتلك القدرة على الاستمرار والمناورة، حتى مع تفاوت القدرات.

(٥) مخاطر التصعيد على المصالح المصرية

لا تقتصر مخاطر المشاركة المصرية المحتملة على تكلفة الانتشار وأمن القوات، بل تشمل احتمال امتداد المواجهة إلى مصالح مصرية عسكرية واقتصادية ومدنية. ويقتضي تقدير هذه المخاطر التمييز بين الاستهداف المباشر ردًا على المشاركة، والأضرار غير المباشرة الناتجة عن اتساع الاضطراب الإقليمي. كما أن وصف المهمة بأنها دفاعية لا يضمن وحده بقاء التصعيد ضمن الحدود التي تحددها القاهرة.

ومع ذلك، لا يعني إعلان المساندة أن الحوثيين سيتخذون قرارًا باستهداف مصر، ولا أن لديهم القدرة على الوصول إلى جميع مصالحها. فدرجة الخطر تتوقف على نطاق المشاركة المصرية، وطبيعة الأهداف والعمليات، ومسار المواجهة، وقدرات الأطراف وقراراتها. ولذلك ينبغي التعامل مع انتقال التصعيد إلى المصالح المصرية بوصفه سيناريو مشروطًا بدرجة الانخراط ومآلات الصراع، دون تقديمه باعتباره نتيجة مؤكدة.

▪️أولًا: القوات والقطع العسكرية. قد تصبح الوحدات المصرية المشاركة أكثر تعرضًا للهجمات كلما اقترب دورها من الاشتباك المباشر. ولا يقتصر الأثر على الخسائر البشرية والمادية، بل قد يمتد إلى ضغوط للرد وتوسيع العمليات، فتتحول حماية القوات إلى التزام إضافي يطيل المهمة ويزيد صعوبة إنهائها.

▪️ثانيًا: السفن والمصالح البحرية. قد يرفع التصعيد مستوى المخاطر على السفن المصرية أو المرتبطة بالتجارة مع مصر، سواء نتيجة استهداف متعمد أو اضطراب أوسع للملاحة. ولا يكفي الارتباط بمصر للجزم بأن سفينة ستكون مستهدفة؛ لكن اتساع دائرة التهديد قد يفرض ترتيبات حماية وتأمين أكثر كلفة، ويعطل الوصول إلى الموانئ والأسواق.

▪️ثالثًا: قناة السويس والموانئ والخدمات اللوجستية. يمكن أن تتضرر هذه المصالح دون تعرضها لهجوم مباشر، إذا دفعت المخاطر شركات الشحن إلى تحويل مساراتها أو تقليص رحلاتها. وقد يمتد الأثر إلى إيرادات العبور وخدمات الموانئ والنقل والتخزين، بما يجعل اضطراب الممرات البحرية مصدر ضغط اقتصادي يتجاوز منطقة الاشتباك نفسها.

▪️رابعًا: المنشآت والأنشطة المدنية. يستلزم اتساع المواجهة تقييم مدى تعرض المنشآت الساحلية والاقتصادية ووسائل النقل ذات الصلة بمسرح التصعيد. ولا يصح افتراض إمكان استهدافها جميعًا أو تعطيلها، لكن التهديدات الجدية، إذا ظهرت، قد ترفع تكاليف الحماية وتؤثر في استمرارية بعض الأنشطة حتى دون وقوع إصابات مباشرة.

▪️خامسًا: التجارة والاستثمار والإمدادات. قد تنتقل الأضرار إلى الشركات والمستهلكين عبر تأخر الشحنات، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتعطل التوريد والتصدير. كما قد يؤدي استمرار عدم اليقين إلى تأجيل مشروعات أو زيادة متطلبات التمويل والحماية. وتتفاوت هذه الآثار بحسب القطاع والموقع والاعتماد على الممرات المتأثرة، ولا تقتصر على المستثمرين المصريين، بل تشمل النشاط الاقتصادي داخل مصر عمومًا.

▪️سادسًا: المواطنون والمصالح المصرية في الخارج. قد يفرض اتساع التصعيد احتياجات إضافية لحماية العاملين والمقيمين في المناطق المتأثرة، وضمان استمرار الخدمات القنصلية والاستعداد للطوارئ. ويتوقف حجم هذه الاحتياجات على نطاق المواجهة ومواقعها، دون افتراض تعرض المصريين للخطر بسبب جنسيتهم وحدها.

▪️سابعًا: حرية القرار والعلاقات الإقليمية. قد تضع الهجمات أو التهديدات القاهرة أمام خيارات مكلفة بين توسيع الرد، واستمرار الانتشار، وتقليص المشاركة مع تحمل تبعات سياسية داخل التحالف. وقد يضيق هامش الوساطة كلما أصبحت مصر طرفًا مباشرًا في القتال، بما يؤثر في قدرتها على الجمع بين حماية حلفائها والإسهام في التسوية.

وعليه، يجب ألا تُقاس جدوى المشاركة بما تحققه من حماية للسعودية وحدها، بل بصافي أثرها على أمن مصر ومصالحها. ويتطلب ذلك تحديد حدود المهمة وقواعد مراجعتها، وتقدير قابلية المصالح المدنية والاقتصادية للتضرر، وإعداد بدائل لاستمرار الأعمال وحماية المواطنين، وربط العمل العسكري بمسار سياسي يحد من التصعيد. فنجاح حماية هدف محدد لا يكفي إذا صاحبه توسيع دائرة الأخطار التي تتعرض لها المصالح المصرية.


(6) التداعيات الداخلية على مصر

تفرض المشاركة العسكرية المحتملة مجموعة من التداعيات الداخلية تتجاوز كلفتها المباشرة، لأنها تأتي في مرحلة تواجه فيها مصر ضغوطًا اقتصادية واجتماعية ممتدة، مع ارتفاع احتياجات التمويل وتزايد المطالب بتحسين الأجور والخدمات العامة.

▪️ويتمثل الأثر الأول في التكلفة المالية. فحتى المشاركة الدفاعية المحدودة تحتاج إلى نفقات تشغيل ونقل وصيانة وإمداد، وقد تزداد الأعباء إذا تطلبت المهمة انتشارًا طويلًا أو استخدام معدات مرتفعة التكلفة. وتختلف هذه الأعباء بحسب طبيعة المشاركة وآليات تمويلها، وما إذا كانت السعودية ستتحمل جزءًا من النفقات بموجب اتفاق رسمي.

▪️أما الأثر الثاني فيتعلق بالجاهزية العسكرية. فالقوات المسلحة المصرية تواجه مسؤوليات دفاعية واسعة في محيط تتعدد فيه بؤر التوتر، من ليبيا والسودان إلى غزة والبحر الأحمر. ولذلك فإن تخصيص موارد عسكرية لمهمة خارجية يجب أن يخضع لتقدير دقيق لتأثيره في قدرة الجيش على أداء التزاماته الأصلية.

▪️ويرتبط الأثر الثالث باحتمال الخسائر البشرية وما قد تثيره من ردود فعل اجتماعية وسياسية. فالمشاركة المحدودة في مهام دفاعية تختلف عن الانخراط في عمليات قتالية ممتدة قد تتطلب تضحيات كبيرة، وهو ما يرفع أهمية وضوح الأهداف والمساءلة والشفافية أمام المجتمع.

▪️ويبرز الأثر الرابع في العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية. فإذا اتسعت مشاركة الجيش في إدارة الملفات الخارجية بالتزامن مع دوره المتزايد في الشأن الإداري والاقتصادي الداخلي، فإن ذلك قد يوسع نطاق المسؤوليات غير الدفاعية المرتبطة بالمؤسسة، ويزيد أهمية وضع حدود واضحة للاختصاص والمحاسبة.

▪️أما الأثر الخامس فيرتبط بموقف المصريين من المشاركة. فقد يحظى الدفاع عن السعودية بتأييد قطاعات ترى فيه التزامًا عربيًا ومصلحة أمنية مشتركة، بينما قد تتحفظ قطاعات أخرى على احتمال الدخول في حرب جديدة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. ولا يمكن الجزم باتجاهات الرأي العام أو حجم التأييد والاعتراض دون استطلاعات مستقلة.

ومن ثم فإن حماية المصالح المصرية تتطلب رقابة دستورية على القرار، ووضوحًا بشأن طبيعة المهمة ومدتها وأعبائها، مع تجنب تحميل المجتمع تكاليف لا تتناسب مع العوائد المتوقعة.

🔵 (7) التداعيات الإقليمية والدولية

يمكن أن تترك المشاركة المصرية آثارًا واسعة على العلاقات الإقليمية، تبدأ بالسعودية ولا تنتهي عند اليمن. فبالنسبة إلى المملكة، قد يمثل الدعم المصري إضافة سياسية وعسكرية مهمة، ويؤكد وجود شريك عربي يمتلك قدرات عسكرية كبيرة. وقد يفتح ذلك مجالات أوسع للتنسيق الأمني والاستثمار والتفاهم حول الملفات الإقليمية، لكنه قد يخلق أيضًا توقعات سعودية بشأن استمرار الالتزام المصري في أزمات مستقبلية.

أما الإمارات وتركيا وباكستان، فإن دخول مصر إلى ترتيبات الدفاع عن السعودية قد يضيف طرفًا مؤثرًا إلى شبكة العلاقات الأمنية المتطورة في المنطقة. ويمكن أن يؤدي التنسيق بين هذه الدول إلى توزيع المسؤوليات، لكنه قد يفتح كذلك أسئلة بشأن القيادة وتحديد الأدوار وحدود الالتزامات المشتركة.

وبالنسبة إلى إيران، فإن طبيعة المشاركة المصرية ستكون عاملًا مهمًا في تحديد أثرها على العلاقات الثنائية. فالدعم الدفاعي لحماية المنشآت المدنية يختلف سياسيًا عن المشاركة في عمليات هجومية ضد أطراف ترتبط بطهران. وقد تسعى إيران إلى احتواء الموقف دبلوماسيًا، أو تنظر إلى مشاركة قتالية مصرية واسعة باعتبارها اصطفافًا جديدًا ضد مصالحها الإقليمية.

أما الحوثيون، فقد يتعاملون مع المشاركة المصرية وفق نطاقها الفعلي؛ إذ يختلف أثر التعاون الدفاعي المحدود عن تحول مصر إلى طرف مباشر في العمليات داخل اليمن. وفي الحالة الأخيرة قد تتزايد احتمالات التوتر في البحر الأحمر أو تعرض المصالح المرتبطة بالملاحة لضغوط إضافية.

وتكتسب المواقف الأمريكية والأوروبية أهمية خاصة. فمن المتوقع أن تنظر واشنطن إلى التعاون الدفاعي المصري السعودي من زاوية أمن الخليج والملاحة والطاقة، وقد ترى فيه مساهمة في توزيع الأعباء الأمنية. لكن ذلك لا يعني بالضرورة تأييد الولايات المتحدة لكل مستوى من مستويات التدخل، خصوصًا إذا أدى إلى حرب إقليمية أوسع.

أما الدول الأوروبية فستولي أهمية لحماية طرق التجارة وإمدادات الطاقة، مع اهتمام موازٍ بتداعيات العمليات العسكرية على المدنيين والأوضاع الإنسانية في اليمن.

وتبرز إسرائيل باعتبارها طرفًا معنيًا بأمن البحر الأحمر والملاحة، لكن تقاطع بعض المصالح الأمنية لا يعني وجود توافق سياسي شامل مع القاهرة بشأن الحرب اليمنية أو ترتيبات الأمن الإقليمي.

وهكذا فإن المشاركة المصرية قد توسع دائرة العلاقات الأمنية، لكنها تزيد أيضًا تعقيد علاقات القاهرة بأطراف إقليمية مهمة، بحسب طبيعة التدخل وحدوده.

🔵 (8) مستقبل الدور والصورة المصرية

لا تُقاس مكانة الدول الإقليمية بحجم قواتها المسلحة وحده، وإنما بقدرتها على توظيف مواردها لخدمة مصالح واضحة وتحقيق نتائج سياسية مستدامة. ومن هذه الزاوية يمكن أن تؤثر المشاركة المصرية في الدفاع عن السعودية في صورة مصر عبر ثلاثة مسارات متباينة:

·      المسار الأول هو ظهور مصر بوصفها قوة إقليمية قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه حلفائها والمساهمة في حماية الأمن الجماعي، بما قد يرفع قيمة شراكاتها السياسية والعسكرية ويوسع حضورها في التفاهمات الإقليمية.

·      والمسار الثاني هو نجاح عسكري محدود دون مكاسب سياسية مقابلة، بحيث تتحمل مصر أعباء المشاركة وتكاليفها دون أن يؤدي ذلك إلى توسيع دورها في القرارات الإقليمية أو معالجة التهديدات بصورة مستدامة.

·      أما المسار الثالث فيتمثل في تحول التدخل إلى استنزاف يضر بصورة مصر وقدرتها على الحركة، ويجعلها تبدو طرفًا منخرطًا في صراع طويل لا تملك السيطرة على مساره أو توقيت انتهائه.

وتثير هذه المسارات سؤالًا بالغ الأهمية عن الفرق بين استعادة الدور الإقليمي وإظهار القوة العسكرية. فالدور المؤثر لا يتحقق بمجرد المشاركة في العمليات، بل يتطلب أن تمتلك مصر وزنًا في صياغة الأهداف والتسويات، وأن تكون مصالحها الوطنية حاضرة في تحديد مسار الصراع ونهايته.

كما أن قيمة الدور المصري قد تتجلى في القدرة على الجمع بين الردع العسكري والوساطة السياسية، بدلًا من الاكتفاء بالمشاركة في مواجهة قد يصعب حسمها. فمصر تمتلك موقعًا جغرافيًا وخبرة دبلوماسية وعلاقات إقليمية تتيح لها الإسهام في ترتيبات أمنية أوسع، تشمل حماية الملاحة وتسوية النزاعات وتطوير التعاون العربي.

ومن ثم فإن صورة مصر الإقليمية والدولية ستتحدد بمدى نجاحها في تحويل قدراتها إلى نتائج سياسية وأمنية واضحة، مع الاحتفاظ باستقلال قرارها وتجنب الارتباط بالتزامات مفتوحة.

🔵 (9) السيناريوهات والتقدير المرجح

يمكن تصور أربعة سيناريوهات رئيسة للمشاركة المصرية المحتملة:

·      السيناريو الأول: ردع دفاعي محدود. تقدم مصر دعمًا فنيًا أو استخباراتيًا أو دفاعيًا محددًا، يسهم في تقليل أثر الهجمات على السعودية دون الدخول في عمليات قتالية واسعة. ويعتمد نجاحه على وضوح المهمة وكفاءة التنسيق وقدرة الأطراف على احتواء التصعيد.

·      السيناريو الثاني: مشاركة دفاعية ممتدة. تتوسع المساعدة المصرية لتشمل وجودًا عسكريًا أو بحريًا مستمرًا، بما يوفر للسعودية دعمًا إضافيًا لكنه يفرض التزامات مالية وعسكرية طويلة، قد تتغير كلفتها مع استمرار الحرب.

·      السيناريو الثالث: الانخراط في حرب استنزاف. تتطور المشاركة من مهام دفاعية إلى عمليات قتالية أوسع داخل اليمن، بما يزيد احتمالات الخسائر البشرية والمادية والتوترات الإقليمية، دون ضمان تحقيق حسم سياسي.

·      السيناريو الرابع: تسوية تقلل الحاجة إلى التدخل. تسهم الضغوط العسكرية والدبلوماسية والتفاهمات الإقليمية في خفض الهجمات واستعادة التهدئة، فتقتصر المشاركة المصرية على التعاون الدفاعي أو الدعم السياسي، دون الحاجة إلى انتشار قتالي واسع.

ولا تسمح المعلومات الحالية بترتيب هذه السيناريوهات وفق احتمالات دقيقة، لأن شكل المشاركة لم يتحدد بصورة نهائية، كما أن مواقف السعودية والحوثيين والقوى الخارجية لا تزال قابلة للتغير.

🔵 (10) الخلاصة والتقدير

تطرح المشاركة المصرية المحتملة في الدفاع عن السعودية فرصة ومخاطرة في آن واحد. فهي قد تسهم في حماية حليف عربي مهم، وتوسيع الحضور المصري في ترتيبات الأمن الإقليمي، وربط الدور العسكري بمصالح مباشرة تتعلق بالبحر الأحمر وقناة السويس. لكنها قد تفرض في المقابل أعباء مالية وعسكرية وسياسية كبيرة، خصوصًا إذا تجاوزت الدفاع المحدود إلى المشاركة المباشرة في الحرب اليمنية.

ويتوقف تقييم جدواها على وضوح المهمة وحدودها، ومدى ارتباطها بمصالح الأمن القومي المصري، وتناسب تكاليفها مع عوائدها، ووجود ضمانات قانونية وسياسية تحول دون تحولها إلى التزام مفتوح.

كما يجب التمييز بين تحقيق نجاح عملياتي في حماية أهداف محددة وبين النجاح السياسي الذي يتطلب تقليل التهديدات بصورة مستدامة وإيجاد مسار لتسوية الصراع.

وتكشف التجارب التاريخية أن التفوق العسكري أو تعدد الأطراف المشاركة لا يكفيان وحدهما لإنهاء الحروب غير المتناظرة، وأن غياب تسوية سياسية قابلة للاستمرار قد يحول التدخلات المحدودة إلى صراعات طويلة.

وتنتهي الدراسة إلى نتيجة أساسية: إن مشاركة مصر في الدفاع عن السعودية لن تُقاس قيمتها بمجرد إرسال قوات أو إظهار الاستعداد العسكري، وإنما بقدرتها على حماية مصالح وطنية واضحة، وتقليل الأخطار الإقليمية، وتحقيق عائد سياسي وأمني يتناسب مع التكلفة، دون إضعاف قدرة الدولة على مواجهة أزماتها الداخلية.

ومن هنا يبقى السؤال الحاسم: هل يتحول الالتزام المصري المحتمل إلى نموذج لتعاون دفاعي عربي محدود وفعال، أم يصبح مدخلًا إلى أعباء جديدة تضيف إلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية المصرية حرب استنزاف يصعب تحديد نهايتها؟