يوم الجمعة، الماضي كانت امرأة في الحادية والخمسين من عمرها، على موعد مع واحدة من أهم لحظات حياتها. لم تكن تبدأ طريقها في العمل العام، فقد قطعت فيه سنوات طويلة، وعرفت مقاعد البرلمان، ودهاليز السياسة، ومسؤوليات الإدارة، وصعوبات الصعود في عالم لا يفتح أبوابه بسهولة للنساء.
في ذلك اليوم، فُتح أمامها باب جديد. باب لم تكن تعرف أن عبوره سيكون أسهل كثيرًا من البقاء خلفه. أصبحت وزيرة، وظهر اسمها ضمن التشكيل الحكومي الجديد، وبدأت الصحف تتحدث عن تجربتها ومؤهلاتها، وعن الملفات الثقيلة التي تنتظرها.
لم يكن المنصب شرفيًا. كان قطاعًا يتصل بمستقبل الشباب، والتدريب والتأهيل، وفرص العمل، ومعركة التنمية. وكانت أمام الوزيرة الجديدة أسئلة كثيرة تنتظر الإجابة، وخطط تنتظر التنفيذ، ومسؤوليات تنتظر من يتحملها.
لكنها، وقبل أن تبدأ الإجابة عن أي سؤال، وجدت نفسها مطالبة بالإجابة عن أسئلة أخرى، لا تتعلق بالحاضر، ولا بالمستقبل، ولا بالوزارة التي كُلّفت بها.
أسئلة جاءت من زمن بعيد. من أوراق قديمة، ومن حياة مضت عليها أكثر من عشرين سنة.
كان يفترض أن يكون يوم السبت يومًا آخر من أيام الاستعداد لمسؤولية جديدة. لكن شيئًا مختلفًا كان يحدث خارج جدران الحكومة. كانت بعض الحسابات على مواقع التواصل تتداول وثائق ومعلومات شخصية منسوبة إليها، وتستدعي من الماضي وقائع لم تكن موضوعًا للنقاش العام قبل إعلان تعيينها.
وفجأة، لم يعد السؤال ماذا ستفعل الوزيرة في منصبها، بل ماذا فعلت المرأة قبل عشرين عامًا؟
لم يعد الناس يتحدثون عن برنامجها، أو رؤيتها، أو كفاءتها، أو صلاحياتها، بل عن أوراق لا تتوافر للجمهور كل وسائل التحقق من سياقها وصحتها ودلالاتها.
وفي ساعات قليلة، تحولت شبكات التواصل إلى قاعة محاكمة مفتوحة. انتشرت الاتهامات والتأويلات، واشتعل الجدل، واختلط السؤال المشروع عن معايير اختيار المسؤولين بالتطفل على تفاصيل الحياة الخاصة.
لم يكن غريبًا أن يتساءل الناس عن ضوابط التعيين في المناصب العامة. فهذا حق أصيل لهم. لكن الغريب أن تتحول وثائق شخصية إلى مادة للفرجة، وأن يصبح فضول الجمهور بديلًا عن التحقيق، والانتشار دليلًا على الصحة، والصمت قرينة على الإدانة.
لا أعرف كيف أمضت تلك المرأة ليلتها. ولا أستطيع أن أنسب إليها دمعة لم أرها، أو كلمة لم تقلها، أو خوفًا لم تعترف به. لكنني أعرف أن الإنسان، أي إنسان، لا بد أن يجد قسوة استثنائية في أن يرى اسمه ينتقل، خلال ساعات، من أخبار التكريم إلى عناوين الاتهام.
تخيلوا فقط معنى أن تتلقى تهنئة بمنصب انتظرته طويلًا، ثم تسمع من يتحدث عن نهاية رحلتك، قبل أن تبدأ. أن يكون ما مضى من عمرك كله عاجزًا عن الدفاع عنك أمام أوراق خرجت من زمن كنت فيه إنسانًا آخر، أو على الأقل في مرحلة أخرى من حياتك.
وفي اليوم الثالث، الأحد، وقع ما جعل الحكاية تستحق أن تُروى.
صدر بيان رسمي قصير، شديد الاختصار، ينهي مهمتها الوزارية بناءً على طلب من رئيسة الحكومة، وقبول من رأس الدولة، وفقًا للنص الدستوري المنظم لهذه الإجراءات.
كان البيان هادئًا في لغته، مقتصدًا في كلماته، لكنه ثقيل فيما يعنيه. امرأة اختيرت لحمل حقيبة وزارية يوم الجمعة، وانتهت مهمتها يوم الأحد. أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة بين الإعلانين.
وفي مساء اليوم نفسه، جاء التوضيح الحكومي. أقرّ الناطق الرسمي بأن معلومات قضائية وطبية ذات طبيعة شخصية جرى تداولها عقب التعيين، وأن التعامل مع الجدل استند إلى تقدير سياسي ومؤسساتي مشترك بين أطراف الأغلبية الحكومية، في إطار استكمال تشكيل الحكومة.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية، التي تتجاوز صاحبتها، وربما تتجاوز بلدها أيضًا.
فإذا كانت المعلومات قديمة، فهل كانت مجهولة لدى الجهات المعنية قبل التعيين؟ وإذا كانت معروفة، فلماذا لم يُحسم أمرها خلال إجراءات الاختيار؟ وإذا كانت غير معروفة، فكيف عرفت بها مواقع التواصل قبل أن تصبح موضع معالجة مؤسسية علنية؟
ثم لماذا كان تداول معلومات شخصية كافيًا لفتح أزمة سياسية بهذا الحجم؟ وأين يقع الحد الفاصل بين حق الرأي العام في معرفة ما يؤثر في أهلية المسؤول، وحق المسؤول نفسه في الخصوصية، وفي ألا يُدان بمجرد النشر والتداول؟
والأهم، لماذا لا تُطرح هذه الأسئلة بالقدر نفسه من الصرامة عندما يتعلق الأمر برجال السياسة الأقوياء؟ هل كانت المعايير ستختلف لو أن صاحب الحكاية رجل يمتلك نفوذًا أكبر، أو شبكة أوسع من العلاقات، أو قدرة أشد على الدفاع عن نفسه؟
لا أملك الإجابة. ولا أريد أن أستبدل حكمًا متسرعًا بحكم مضاد، أو أن أبرئ إنسانًا مما لم أتحقق منه، أو أدينه بما لم تثبت أمامي حقيقته.
ما أعرفه أن المسافة بين المحاسبة والتشهير قد تكون أحيانًا أضيق من سطر، وأن حماية المؤسسات لا ينبغي أن تجعل من كرامة الأفراد ثمنًا سهلًا، وأن القرار السياسي، مهما كانت أسبابه، يترك خلفه إنسانًا لا تنتهي حياته بنهاية منصبه.
ربما تنسى الصحف هذه الحكاية بعد أيام، وربما ينصرف جمهور المنصات إلى ضحية أخرى، أو فضيحة أخرى، أو اسم جديد يشغل مقاعد الاتهام.
لكن المرأة التي دخلت الحكومة يوم الجمعة وخرجت منها يوم الأحد، لن تستطيع على الأرجح أن تنسى بسهولة تلك الساعات. ليس بالضرورة حزنًا على منصب، فالمناصب تأتي وتذهب، بل لأن الإنسان قد يتحمل خسارة موقعه، ويجد صعوبة أكبر في احتمال أن يصبح ماضيه كله معروضًا على الملأ.
والمؤلم أن التاريخ لا يقيس مثل هذه الوقائع بعدد الساعات وحده. فقد تكون أقل من يومين مدة قصيرة في عمر حكومة، لكنها قد تصبح زمنًا طويلًا جدًا في ذاكرة إنسان.
بقي أن أقول أين جرت هذه الحكاية، ومن بطلتها. إنها ليست من بلد بعيد عن وجداننا العربي، بل من المملكة المغربية، البلد الذي نكن لشعبه كل المحبة والتقدير. بطلتها هي ماديحة خيير، البرلمانية المنتمية إلى حزب الاستقلال، التي عيّنها الملك محمد السادس يوم الجمعة السادس عشر من أكتوبر عام ألفين وستة وعشرين، وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، قبل أن يقبل، بناء على طلب رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، إعفاءها يوم الأحد الثامن عشر من الشهر نفسه.
ولا أعرف ماذا ستكتب ماديحة عن هذين اليومين إن قررت يومًا أن تروي حكايتهما. لكنني أعرف ما أتمناه لها، كإنسان قبل أي اعتبار آخر.
أن تجد بعد كل ما حدث، من يراها امرأة لها عمر كامل، لا مجرد وزيرة لم تكمل يومين.
ما وأن يكون لها من المستقبل ما هو أطول وأرحم من ذلك الماضي الذي جاء، بعد عشرين عامًا، ليطرق بابها في أسوأ لحظة ممكنة





