قراءة استراتيجية في الاحتجاجات الأوروبية والصهيونية المسيحية واستهداف الإسلام وفلسطين………

لم تعد المظاهرات المتزامنة في عواصم أوروبية عدة مجرد احتجاجات على الغلاء والسكن وتراجع الخدمات، بل صارت نافذة على أزمة أعمق في النموذج الأوروبي: شعوب تخشى فقدان مكتسباتها، ومؤسسات تعاني تراجع الثقة، وأحزاب تقليدية تواجه صعود اليمين القومي. وفي اللحظة نفسها، تتسع صلات شخصيات إسرائيلية بتيارات محافظة وقومية غربية، وتتصاعد المعارك السياسية حول الإسلام والإخوان المسلمين والقضية الفلسطينية. فهل نحن أمام تحولات منفصلة، أم أمام إعادة ترتيب للتحالفات تترتب عليها نتائج استراتيجية بعيدة المدى؟

أوروبا الغاضبة: الأزمة قبل المؤامرة

تختلف دوافع المظاهرات من بلد إلى آخر؛ ففي بعضها تتقدم الأجور والأسعار، وفي أخرى السكن والتعليم أو مواقف الحكومات من الحروب. لذلك لا يوجد دليل على أن جهة واحدة خططت لهذا الاحتجاج الأوروبي الواسع. لكن التشابه ليس مصادفة خالصة؛ فأوروبا تواجه ضغطًا اقتصاديًا طويلًا، وقلقًا من الهجرة، وتراجعًا في الشعور بالأمان الاجتماعي، وانقسامات بشأن الحرب في أوكرانيا وغزة.

وحين يشعر المواطن أن الدولة لم تعد قادرة على حماية مستقبله، يبحث عن تفسير واضح لمن فقد السيطرة على حياته. هنا يتمدد اليمين القومي، لا لأنه يحل جميع الأزمات، بل لأنه يقدم رواية مبسطة تعيد تفسير الغضب الاقتصادي بوصفه أزمة حدود وهوية وسيادة. وتتحول المظاهرات إلى ساحة تنازع بين مطالب اجتماعية مشروعة وخطابات تتهم الخصوم بتهديد النظام. وتزيد وسائل التواصل من انتشار الصور المقتطعة، فتختلط المظاهرات السلمية بمشاهد العنف، ويتعمق الاستقطاب.

اجتماع القدس: تحالف سياسي قيد التشكل

اكتسب مؤتمر «المحافظة الوطنية» في القدس، بين 6 و8 أكتوبر 2026، دلالة مهمة؛ فقد جمع مسؤولين إسرائيليين وشخصيات من اليمين القومي الأوروبي والأمريكي، وناقش مستقبل الغرب والهجرة والهوية والأمن. وتكشف الخطابات المعلنة عن رغبة لدى بعض المشاركين في تقديم إسرائيل شريكًا محوريًا في تحالف حضاري محافظ.

ويكشف الاجتماع عن شبكة تواصل حقيقية يمكنها التأثير في الخطاب والتحالفات والقرارات. وتتمثل مصلحة بعض القوى الإسرائيلية في اكتساب شركاء أقل استعدادًا لتأييد العقوبات أو مساءلة الحكومة الإسرائيلية عن سياساتها تجاه الفلسطينيين، بينما يستفيد اليمين الأوروبي من تعزيز صورته الدولية ومن خطاب الأمن والهوية.

الصهيونية المسيحية وصناعة العدو

تضيف الصهيونية المسيحية، خاصة في الولايات المتحدة، بعدًا دينيًا لهذا التقارب؛ إذ ترى تيارات منها أن دعم إسرائيل مرتبط بتصورات لاهوتية عن التاريخ والمستقبل. وتلتقي مع بعض القوميين الأوروبيين سياسيًا، ورغم أن الغرب، بطوائفه ومواقفه المختلفة، ليس كتلة واحدة، فإن ذلك لا ينفي وجود تقاطعات سياسية وفكرية بين بعض أطرافه.

والمشكلة الأخطر أن بعض الخطابات تجمع المسلم الملتزم، والناشط الإسلامي، والإخوان المسلمين، والجماعات العنيفة في صورة «تهديد حضاري» واحد. وبهذا تنتقل المناقشة من محاسبة تنظيمات وأشخاص على أفعال مثبتة إلى الاشتباه في هوية دينية بأكملها. ويكشف قرار البرلمان الأوروبي في 8 أكتوبر بشأن شبكات الإسلام السياسي والإخوان عن وصول الجدل إلى مستوى مؤسسي، مع ضرورة التذكير بأنه ليس حكمًا قضائيًا على جميع المنظمات الإسلامية، ولكنه يُقرأ باعتباره أحد نتائج هذا التقارب الصهيوني الإسرائيلي.

فلسطين: من قضية حقوق إلى معركة على الرواية

أظهرت الاحتجاجات المؤيدة لغزة أن التعاطف مع الفلسطينيين يتجاوز المسلمين والإسلاميين، ويشمل نقابات وطلابًا وحقوقيين وقطاعات يسارية وإنسانية. ولذلك فإن تصوير كل تضامن مع فلسطين بوصفه امتدادًا للتطرف قد يخدم من يريد إضعاف المطالب بوقف الانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها.

وفي الوقت نفسه، تتواصل سياسات الاستيطان والضم بحكم الأمر الواقع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، رغم الاعتراضات والقرارات الدولية. وهنا يصبح التحالف مع تيارات أوروبية أقرب إلى إسرائيل مكسبًا سياسيًا محتملًا؛ لأنه قد يعرقل التوافق على إجراءات ضغط ملموسة. لكن الاتحاد الأوروبي ليس صاحب موقف واحد، ولا تزال مؤسساته ودوله تختلف بوضوح في التعاطي مع الحكومة الإسرائيلية. كما تضم أوروبا قضاءً وصحافةً وحركات حقوقية قادرة على الاعتراض، فلا يمكن افتراض إسكاتها تمامًا.

هل المطلوب تدمير أوروبا؟

قد يستفيد طرف خارجي من انقسام أوروبا وإضعاف قرارها الموحد، لكن هذا لا يثبت أنه أشعل احتجاجاتها، وإن كانت هناك تساؤلات حول السعي إلى تأجيج صراعات داخلية وحروب أهلية تزيد من ضعف القارة. وفي المقابل، فإن المصالح التجارية والأمنية المتشابكة بين إسرائيل وأوروبا تجعل انهيارها الشامل ذا كلفة كبيرة.

أما الحديث عن «إسرائيل الكبرى»، فيرتبط بوضوح بسياسات التوسع والاستيطان والتصريحات الموثقة الصادرة عن قادة إسرائيليين، وكذلك بالسعي إلى زيادة قدرة إسرائيل على التأثير في الاقتصاد الأوروبي والعالمي والتحكم في مفاصله.

كما أن تفسير الحروب الاقتصادية في إطار مخطط صهيوني ماسوني عالمي لا ينفي وجود تنافس ظاهر بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا، ولا يلغي دور شبكات الضغط والمؤسسات والتمويل والسياسات التي تمارسها قوى صهيونية وأمريكية بالفعل.

الخلاصة: معركة النفوذ والمساءلة

الخطر الأعمق هو تلاقي أزمة اجتماعية أوروبية مع صعود قوميات تستثمر الخوف من الإسلام والهجرة، ومع شبكات دولية تسعى إلى تغيير ميزان التأثير في القرار الغربي. وقد ينتج عن هذا التلاقي تضييق على مؤسسات إسلامية سلمية، وتراجع في التضامن مع فلسطين، وصعوبة أكبر في مساءلة السياسات الإسرائيلية.

ليس السؤال الحاسم: هل تدير إسرائيل كل مظاهرة وحرب؟ بل إلى أي مدى تستطيع التحالفات الجديدة تحويل الغضب الأوروبي إلى سياسات تعيد تعريف العدو، وتمنح التوسع الإسرائيلي حماية سياسية إضافية؟

والاختبار المقبل سيكون في القوانين الجديدة، والتصويت على العقوبات، وحماية حرية التعبير، ومواقف الحكومات من ضم الأراضي الفلسطينية. إن الإجابة تبدأ بتوثيق المصالح والأدوات والقرارات؛ فالقوة الحقيقية لأي تقدير استراتيجي ليست في اتساع الاتهام، وإنما في دقة الدليل ووضوح ما ينبغي مراقبته.

وهذا يتطلب من المقاومة وداعميها ان ترتفع عن خلافاتها الداخلية الي خطوات في المشروع المقاوم