السبت الماضي فجر الرئيس عبد الفتاح السيسي قنبلة من العيار الثقيل، فيما يبدو من حديثه أنه قد جرى سجال كبير على مضمون كلمته قبل أن يُلقيها بالفعل، لكن الرجل أصر أن يقول ويُعلنها صراحة دون أي مواربة “هناك رئيس جديد لمصر عام 2030”.

في الكلمة التي ألقاها أمام الأكاديمية العسكرية ظهر يوم 17 أكتوبر، كانت مصر على موعد مع موقف مُثير سيظل يُحسب للرئيس السيسي كلما ورد اسمه، إذ سيكتب له التاريخ أنه سيكون أول مرة لرئيس مصري يُغادر السلطة بإرادته الذاتية، بعد أن خرج من سبقه ميتًا نتيجة المرض أو مقتولًا أو بعد موجة احتجاجات أجبرته على التنحي أو عقب حراك شعبي حوله إلى محاكمة جنائية.

الخروج أو تغيير الدستور

لأشهر طويلة كان الناس يترقبون معرفة مصير الخلافة السياسية عام 2030، فقوى المعارضة الحقيقية كانت تُعلن صراحة تخوفها من المساس بالدستور، وأحزاب الموالاة تستعد لبدء حملة قد تؤمر بها، وتنطلق في أي وقت ممثلة في مظاهرات، تدعو إلى بقاء الرئيس وإلى إعادة النظر في الوضع الدستوري له، وفي نفس الوقت تنطلق حملة إعلامية من قبل أبواق اعتادت الازدلاف إما طمعا في مال أو جاه أو بقاء الوضع الحالي للقائم بالحملة الإعلامية لكونه مُستفيد من بقاء الرئيس في موقعه.

قبل حديث الرئيس كان السيناريو المطروح ردًا على ما يثار، هو احتمالان لا ثالث لهما، سيعلن عنهما قبل أشهر قليلة من موعد انتخابات الرئاسة عام 2030، وهما: الأول، الإعلان عن عدم ترشح “السيسي” للرئاسة نزولًا على الدستور وهو الاحتمال الأضعف والأقل حدوثا.

والثاني، تغيير الدستور، أما ما كان يراه كثيرون من احتمال تعديل الدستور، فلم يكون واردًا على الإطلاق، لأن الدستور الحالي ينص على أن مدة الرئاسة وغيرها من أمور مرتبطة بإعادة انتخابه غير قابلة للتعديل، ما يعني إننا سنكون أمام تغيير وليس تعديلا للدستور، إذا ما أُريد مد فترة حكم “السيسي”.

هنا يشار إلى أن عجُز المادة 226 من الدستور تقول: “وفي جميع الأحوال لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية أو بمبادئ الحرية، أو المساواة، ما لم يكن التعديل متعلقًا بالمزيد من الضمانات”.

السيسي يختار الخروج وبقاء الدستور

اختار الرئيس السيسي الخروج، فأعلن عن عدم المساس بالدستور، وبذلك سيكون الرئيس قد أكد على حتمية تداول السلطة، وإنهاء سمة مصرية اتسمت بالسلطوية والدكتاتورية، تمثلت في تكلُس وتحجُر هذا المنصب، والتعامل معه على أنه منصب ملك يملك ويحكم، وليس رئيس جمهورية يُدير البلاد لفترة مؤقتة، وفقا لرغبة جماهيرية، قد تتبدل في أي وقت.

لا شك أن ما اختاره الرئيس السيسي قد فتح- في الأيام القليلة الماضية- المجال العام وحرية الرأي التعبير بشكل لم يسبق له مثيل منذ بداية حكمه في 8 يونيو 2014 حتى يومنا هذا، وهي الفترة التي اعتبرها كثيرون أنها شهدت تغولًا كبيًرا للسلطة التنفيذية على باقي السلطات، وخللاً في العلاقة بين الرئيس وبين الحكومة لصالح الأول، وانتهاكات كبيرة في مجال حقوق الإنسان والإعلام، رصدتها المنظمات الدولية والإقليمية والمصرية، وقد وقع كل ذلك وسط الحديث عن فزاعة الإخوان المسلمين، أو الظرف الإقليمي أو الإرهاب المحلي، أو الارتعاد من مجرد سماع كلمة 25 يناير2011…إلخ

لقد كان اختيار الرئيس السيسي لعدم الترشح، وإلقاء الكرة في ملعب الشعب ليبدأ من الآن في اختيار رئيسه، دون أن يُلقى بالًا بأي مطالب ربما يعلم جيدا أنها من ممالئين أو أصحاب مصالح، (كان هذا الاختيار) قد رفع من قدر الرئيس وقدر الدولة المصرية وقدر المواطن المصري، ومنح أهمية غير مسبوقة لحق الشعب في اختيار رئيسه، واضعًا على الرف دعوات عدم وجود بديل، أو عدم اكتمال البرنامج المنتخب على أساسه، أو قِصر المدة، أو الظرف الأمني الاقليمي أو خلافه.

شروط الترشح للرئاسة

لكن كل ما سبق شيء، والحديث عن إجراءات الترشح للرئاسة شيء آخر.

فما قاله الرئيس من حيث المبدأ يُعد سابقة محمودة، إلا أن الحديث عن المستقبل القريب حتى الوصول إلى الاستحقاق الرئاسي عام 2030 شيئا آخر، ماذا قال الرئيس: –

1 – تتولى الأكاديمية العسكرية تدريب من يريد أن يتقدم للترشح للرئاسة القادمة، وتقوم القيادة السياسية (أيضًا) باختيار رئيس الوزراء والوزراء والمحافظين من بين المتدربين.

2- عدد المتدربين الراغبين في الترشح للرئاسة من الممكن أن يصل إلى 200 أو 300 أو 500 أو 1000 شخص، وهؤلاء من الحاصلين على درجة الدكتوراه، ومن خريجى الجامعات المصرية ذات الشأن أو الأجنبية ذات الشأن. وتنفق القوات المسلحة على تدريب هؤلاء.

3- يُعفى من التدريب كل راغب في الترشح للرئاسة أو الاختيار لموقع قيادي آنف الذكر، كل شخص قضى في الوزارة ستة أعوام، لكونه قد اكتسب الخبرة الموازية لتدريب الأكاديمية، وهو التدريب الذي سيتعلم فيه معنى كلمة دولة وكيف يتم حمايتها.

4- مدة التدريب بالأكاديمية 30 شهرًا، يقضي خلالهم المُتدرب 7500 ساعة تدريب.

5- يقوم رئيس مجلس النواب برئاسة لجنة تضع معايير للاختيار لا تجامل ولا تحابي، وتضم اللجنة وزيري التعليم العالي والعدل، ومفكرين وسياسيين، وتضع اللجنة تلك المعايير في شكل مشروع قانون يتم سنه، ينظم انتخابات الرئاسة.

شروط مرفوضة ومستحيلة التحقيق

هكذا تم وضع شروط مستحيلة التحقيق لعدة أسباب: –

1- أنها تقصر الترشيح على المتدربين لغرض الترشيح للرئاسة وغيرها مفترضة أن التدريب وليس الخبرة العملية هي الفيصل في إدارة الدولة.

2- مع كل التقدير والتبجيل للقوات المسلحة، فإن الشروط تعطي دورا وحيدا للأكاديمية العسكرية في هذا الأمر، باعتبارها آلية التدريب، رغم أنه بحكم التخصص يصعُب على الأكاديمية أن تُدرب الراغبين في الترشح- لو كانت هناك موافقة على التدريب بداية- على مسألة حقوق الإنسان أو الديمقراطية لكونها أكاديمية عسكرية، وكلنا يعرف بالطبع أن الجيوش حتى في أعتى النظم الديمقراطية لا تعرف الاختيار أو الحريات وإلا فإنها تفسد.

3- تحرِم الشروط من هم فوق الـ 60 عامًا من التقدم للترشح.

4- تميز الشروط بين المواطنين المتمتعين بالحقوق السياسية والمدنية، بوضع أفضلية لمن هو حاصل على الدكتوراه، فتجعله هو المؤهل وحده للترشح.

5- ترتبط الشروط بقيود غائمة وهلامية من خلال عبارات مطاطة مثل “خريج جامعة ذات شأن”.

6- توضع الشروط السابقة في شكل معايير تصوغها لجنة، تمهيدًا لوضعها في قانون انتخابات الرئاسة، ما يجعل هذا القانون مطعونًا في دستوريته لكونه ينتهك عديد المبادئ المتعلقة بالمساواة وتكافؤ الفرص وشروط الترشح لمنصب الرئيس وغيرها وغيرها.

ولا يمكن هنا الاستناد- لما قاله الرئيس- في دستورية الشروط بالمادة 200 فقرة 1 مستبدلة، المُستفتى عليها عام 2019، والتي تعطي القوات المسلحة دورا لحماية الدولة وسلامتها وأمنها وصون الدستور والديمقراطية.

لأن تلك المادة أتت بأمور عامة مُقدرة، لكن شروط الترشح للرئاسة أتت بشروط محددة ومُخصصة، كما أن مواد حقوق الإنسان في الدستور كانت محصورة ومقررة بشكل أكثر دقة من تلك الشروط التي أتت بها المادة 200 آنفة الذكر، ناهيك عن المادة 200 ذكرت أن القوات المسلحة مهمتها حماية البلاد، ما يعني أنها تحمى البلاد حال الخطر الحال والواقع، وليس التوجس أو التخوف من حدوث خطر.

خطوة رئاسية جسورة

لكن على الرغم من كل ما يُمكن أن يقال من اعتراض على شروط الترشح، إلا أن الخطوة الرئاسية في حد ذاتها ستجعل من مقام الرئاسة الحالية مقاما ساميا، ومُقدرا، ورفيعا، وسترقى بالدولة المصرية المعروف بمركزيتها لمصاف الأمم المتمدينة، حتى لو تولى الرئاسة القادمة من هو من أصول عسكرية.

خطوة الرئيس عبد الفتاح السيسي ستكرس بطبيعة الحال منهاجا مستقبليا، لا ولن ويستحيل أن يقبل الشعب مستقبلا أقل منه.

فكل التحية والتقدير لمقامه الرفيع.