أولاً : تمهيد
خلال أيام قليلة متتالية من يوم ١٤ إلي ١٧ أكتوبر الجاري ، فاجأ الرئيس المصري الشعب المصري والعالم بسلسلة من القذائف القانونية والسياسية ، بدأت بالتأكيد علي عدم تعديل الدستور ، ولكي يزيد الأمر وضوحاً ذكر في مناسبة تالية أن إنتهاء فترته الرئاسية في ٢٠٣٠ “أمر محسوم ” ، وتلي ذلك طرح برنامج لإعداد قيادات ، فهم منه الجميع أنه سيكون بمثابة إعداد قائمة مرشحي الرئاسة كي يختار منها الشعب من يريد لتولي المنصب بعد أن يغادره الرئيس الحالي …
تلك التصريحات المتتالية تعني دستورياً بإختصار :
- إنتهاء ولاية الرئيس الحالي عام ٢٠٣٠ .
- عدم وجود نية لتعديل الدستور .
- وفيما يتعلق بعدم الترشح مرة أخري ، فذلك أمر فيه نظر سوف نحاول بحثه من كل زواياه القانونية والسياسية فيما بعد ( أتاحت التعديلات الدستورية عام ٢٠١٩ ولاية ثالثة للرئيس الحالي تنتهي في ٢٠٣٠ ، ووفقاً للمادة ١٤٠ من الدستور لا يتاح للرئيس ولاية رابعة متتالية ، ولكن هل تمنع بعد فترة فاصلة أن يتقدم نفس الرئيس مرة أخري مرشحاً للمنصب الرفيع مثلاً عام ٢٠٣٦ ؟! ) .
كما أن تلك التصريحات حملت في طياتها دلالات سياسية أكبر من حيزها القانوني :
- هل تعني مسألة ” إعداد الرئيس التالي ” ، إمتداد لنفوذ الرئيس الحالي علي طريقة ” بوتين / ميدفيدف ” في روسيا الإتحادية ؟.
- ما هي محددات تدخل المؤسسة العسكرية في ذلك التطور ؟ ، وهل تكون الدراسة في الأكاديمية العسكرية لبعض حملة الدكتوراة والماجستير بعد إختبارات قبول هي الجسر الموصل للمنصب الرفيع ؟ .
- ما هو الإطار السياسي العام منذ الآن وحتي موعد الإستحقاق الدستوري القادم ، وهل يمكن أن يكون ما سبق هو مقدمة لإنفتاح سياسي يحمل في طياته إنفراج للنشاط الحزبي ، والإفراج عن كل من ينطبق عليهم ” صفة ” المحتجز السياسي ( أي الذي لم يثبت عليه إرتكاب إحدي الجرائم الجنائية التي ينص عليها القانون ) ؟ ..
للإجابة علي الإسئلة السابقة ، والإستفسارات التي ترددت علي ألسنة بعض الصحفيين ، فسوف أحاول في مقالات ثلاث أن أتناول في المقال الأول : مدي إمكانية تطبيق طريقة ” بوتين / ميدفيدف ” علي الحالة المصرية ، ثم أتناول في الثاني أبعاد علاقة القوات المسلحة بالحياة السياسية المصرية ، بشكل مقارن مع تطبيقات مشابهة في تركيا وإيران وفي بعض الدول الأخرى ، ثم أرجو أن أتمكن – صحياً – من المواصلة في مقال ثالث ختامي الإستخلاصات القانونية والسياسية المتعلقة بالموضوعات التي طرحت في المقالين الأولين .
ثانياً: بوتين وميدفيديف في مصر؟
انتقال السلطة بين استمرارية النظام وقيود الدستور
السؤال الحاسم في البداية هو : هل تعني عبارة «مدتين رئاسيتين متتاليتين» أن الرئيس السابق يستطيع العودة بعد انقضاء مدة رئاسية واحدة يتولاها خلفه، أم أن النصوص المصرية تقيم قيدًا أوسع من مجرد التعاقب الزمني؟ ويقتضي ذلك التمييز بين ثلاث عناصر أساسية : النص الدستوري، وتفسيره القانوني، والاعتبارات السياسية التي تحيط بتطبيقه.
لابد أن يثير النموذج الروسي لانتقال السلطة بين فلاديمير بوتين وديمتري ميدفيديف سؤالًا يستحق الدراسة في الحالة المصرية: هل يمكن أن يغادر الرئيس منصبه، ويتولى خلفه الرئاسة لدورة واحدة، ثم يعود الرئيس السابق إلى المنصب، في صيغة تجمع بين التداول الرسمي للسلطة واستمرار نفوذ الرئيس الأول؟
وهذا السؤال ليس افتراضًا نظريًا محضًا، ولا يتعلق بمجرد تبادل المقاعد بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وإنما يمس جوهر النظام السياسي، وحدود النصوص الدستورية، والفارق بين انتقال السلطة بوصفه إجراءً قانونيًا ، وانتقالها بوصفه تحولًا حقيقيًا في مراكز اتخاذ القرار.
وفي الحالة المصرية، تكتسب المسألة أهمية إضافية بسبب الصياغة التي اعتمدها تعديل الدستور عام 2019، حين استبدل بقاعدة عدم جواز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية إلا لمرة واحدة قاعدةً أخرى تقضي بألا يتولى الرئاسة لأكثر من مدتين رئاسيتين متتاليتين.
وهنا تبدأ الإشكالية الدستورية الحقيقية.
ففي التجربة الروسية ، يثار السؤال: هل يتغير شاغل المنصب أم يتغير صاحب السلطة؟
ففي عام 2008، انتهت ولايتا بوتين الرئاسيتان المتتاليتان، فتولى ديمتري ميدفيديف رئاسة الجمهورية، بينما انتقل بوتين إلى رئاسة الحكومة. وفي عام 2012، عاد بوتين إلى الرئاسة، وتولى ميدفيديف رئاسة الوزراء.
لم يكن هذا الترتيب مجرد مناورة في توزيع المناصب، بل أتاح استمرار النخبة الحاكمة وشبكات النفوذ السياسي، مع اختلاف الموقع الرسمي لكل من الرجلين. وقد رأى عدد من المحللين أن بوتين احتفظ خلال رئاسة ميدفيديف بنفوذ سياسي واسع، رغم أن ميدفيديف كان رئيس الدولة دستوريًا.
ومع ذلك، ينبغي الحذر من اختزال التجربة الروسية في علاقة شخصية بين رجلين؛ فقد استندت أيضًا إلى بنية سياسية ومؤسسية محددة، وإلى ترتيبات دستورية سمحت بانتقال المنصب ثم العودة إليه.
والسؤال الذي يهمنا هنا ليس ما إذا كان من الممكن تكرار أسماء المناصب الروسية، وإنما ما إذا كان الدستور المصري يسمح لرئيس سابق بالعودة إلى الرئاسة بعد أن يتولى المنصب رئيس آخر لفترة فاصلة.
ثالثاً : محاولة في التفسير الدستوري :
يتطلب الأمر تمحيص المادة 140 من قيد المدتين إلى قيد المدتين المتتاليتين علي النحو التالي :
تنص المادة 140 من الدستور المصري، بصيغتها المعدلة عام 2019، على ما يلي:
” يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة ست سنوات ميلادية، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه، ولا يجوز أن يتولى الرئاسة لأكثر من مدتين رئاسيتين متتاليتين” .
وتكمن أهمية هذا النص في كلمة “متتاليتين” !
فقد كانت الصياغة السابقة قبل التعديل تقرر عدم جواز إعادة انتخاب الرئيس إلا لمرة واحدة ، وهي صياغة ترتبط، في ظاهرها، بحد أقصى لعدد مرات إعادة الانتخاب.. أما الصياغة الحالية، فقد ربطت المنع بتولي الرئاسة لأكثر من مدتين متتاليتين.. وهذا في تقديري إختلاف جوهري ، وليس مجرد تعديل لغوي .
فإذا كان المقصود وضع حد أقصى مطلق لمرات تولي الرئاسة طوال حياة الشخص، لكان من الممكن الإبقاء على الصياغة السابقة التي تحدد العدد الإجمالي للمدد ، لكن فيما يبدو أراد المشرع بالنص الحالي استخدام قيدًا زمنيًا واضحًا هو التعاقب، ومن ثم، ينشأ سؤال مشروع في التفسير : ” إذا تولى رئيس الجمهورية مدتين متتاليتين، ثم تولى شخص آخر الرئاسة مدة كاملة، فهل ينقطع التعاقب بما يسمح للرئيس الأول بالترشح من جديد؟ ” .
يبدو من حيث القراءة الحرفية للمادة 140 وحدها، أنه توجد حجة دستورية قوية تؤيد إمكان ذلك، فالنص لا يقول صراحة إن من تولى الرئاسة مدتين متتاليتين يُحظر عليه الترشح مرة أخرى طوال حياته، بل يحظر تجاوز مدتين متتاليتين.. أي أن الرئيس الحالي يملك حق الترشح مرة أخري بعد إنتهاء مدة أو مدتين للرئيس الذي يليه في الحكم ! …وهذا هو الفارق الذي يجعل النموذج الروسي قابلًا للنقاش في السياق المصري.
لكن من المهم ملاحظة أن القراءة الحرفية للنص ليست نهاية البحث؛ إذ يتعين أيضًا فحص المادة الانتقالية التي أضيفت عام 2019، ومقصدها، وعلاقتها بالمادة 140، وأي تفسير قضائي ملزم قد يتصل أيضاً بالمسألة.
سوف نجد أن المادة 241 مكرر، تضع إستثناء يخص الرئيس الحالي وحده ، فلم يقتصر تعديل 2019 على تغيير المادة 140، بل أضاف المادة 241 مكررًا، التي نصت على انتهاء مدة رئيس الجمهورية القائم آنذاك بانقضاء ست سنوات من تاريخ إعلان انتخابه رئيسًا للجمهورية عام 2018، مع جواز إعادة انتخابه لمدة جديدة.
وقد جاء هذا النص في سياق انتقالي خاص، هدفه تنظيم وضع الرئيس الذي كان في منصبه عند إجراء التعديل .وتكمن أهمية هذا الحكم في أنه لا يتناول مدد الرئاسة بصورة عامة فحسب، بل يتصل بشخص شاغل المنصب وقت التعديل وبكيفية تطبيق النظام الجديد على ولايته.
وهذا النص قد يثير نقاشًا بشأن ما إذا كان المقصود مجرد السماح بولاية إضافية واحدة في ظل النظام الجديد، أم أن أثره يمكن أن يمتد إلى تفسير فرص الترشح في مراحل لاحقة.
أتصور أنه من الناحية القانونية، ينبغي التمييز بين أمرين:
- الأثر المباشر للمادة الانتقالية: وهو السماح بإعادة انتخاب الرئيس المعني لمدة تالية، وفق الصياغة التي أقرها التعديل.
- الأثر المستقبلي للمادة 140: وهو تحديد ما إذا كان انقطاع التعاقب بين مدتين رئاسيتين يسمح بعودة رئيس سابق إلى الترشح بعد تولي رئيس آخر المنصب.
ولا يصح افتراض أن المسألة الثانية حُسمت تلقائيًا بمجرد وجود المادة الانتقالية ، كما لا يصح افتراض أن المادة الانتقالية ألغت حكم المادة 140 أوأنشأت، دون نص صريح، حظرًا دائمًا على العودة بعد انقطاع التعاقب ، فلكل من النصين مجاله، ويتعين تفسيرهما معًا باعتبارهما جزءًا من وثيقة دستورية واحدة.
هل تسمح النصوص الحالية إذا بعودة رئيس سابق بعد فترة فاصلة؟
دعونا نفترض بشكل نظري السيناريو التالي:
- رئيس يتولى الرئاسة مدتين متتاليتين.
- يغادر المنصب بانتهاء المدة الثانية.
- يتولى رئيس آخر الرئاسة لمدة ست سنوات كاملة.
- يرغب الرئيس السابق في الترشح مجددًا بعد انتهاء المدة الفاصلة.
فهل يمنع الدستور هذا الترشح؟
لا تتضمن المادة 140، في عبارتها المنشورة، حظرًا صريحًا على العودة بعد انقطاع التعاقب ، ولذلك يمكن الاستناد إلى النص للقول إن المانع الدستوري الوارد فيها يتعلق بتجاوز مدتين متتاليتين، وليس بتجاوز مدتين في مجموع الحياة السياسية للشخص.( أي أن الرئيس الحالي سيكون له نظرياً فرصة الترشح مرة أخري عام ٢٠٣٦ ) .
غير أن هذه النتيجة تظل- من وجهة نظري – تفسيرًا دستوريًا راجحًا من زاوية القراءة الحرفية للمادة 140، وليست حكمًا قضائيًا نهائيًا يقطع في جميع تفاصيل الحالة.
ويجب، على وجه الخصوص، التمييز بين الحالة العامة لأي رئيس سابق، والحالة الخاصة بالرئيس الذي تنطبق عليه المادة 241 مكررًا. ففي الحالة الثانية، يلزم بحث ما إذا كان النص الانتقالي قد وضع قيدًا خاصًا على عدد المدد التي يجوز لذلك الرئيس توليها، وكيف يتفاعل هذا القيد مع قاعدة المدتين المتتاليتين.
وفي ظني أنه حتى يتوافر تفسير قضائي ملزم ( من المحكمة الدستورية ) لهذه المسألة بعينها، أو يصدر حكم دستوري واضح بشأنها ( في حالة نزاع ) ، ينبغي عدم تقديم أي من القراءتين باعتبارها حقيقة قضائية محسومة.
ومع ذلك، فإن مجرد استخدام الدستور لعبارة «مدتين رئاسيتين متتاليتين» يفتح بالفعل بابًا دستوريًا مختلفًا عن ذلك الذي كان قائمًا في الصياغة السابقة، ويجعل فكرة العودة بعد فترة فاصلة جديرة ببحث قانوني جاد.
رابعاً : الخلاصة :
نستخلص مما تقدم : إن تعديل المادة 140 عام 2019 أحدث تحولًا مهمًا في صياغة القيود على مدد الرئاسة. فبدلًا من الاكتفاء بقاعدة تمنع إعادة الانتخاب إلا مرة واحدة، أصبح النص يركز على عدم تولي الرئاسة لأكثر من مدتين متتاليتين.
ومن حيث ظاهر النص : يتيح ذلك أساسًا قانونيًا قويًا لمناقشة عودة رئيس سابق بعد أن يتولى رئيس آخر المنصب لفترة فاصلة.. غير أن تطبيق هذا الاستنتاج على حالة بعينها، وبالأخص الحالة التي تتصل بالمادة 241 مكررًا، يحتاج إلى تفسير دستوري متكامل لا يكتفي بقراءة مادة واحدة بمعزل عن بقية النصوص.
وفي النهاية، من المهم أن يدرك الجميع أن المسألة ليست مجرد البحث عن مخرج دستوري يسمح بتبادل السلطة بين شخصين، بل إنها تتعلق بالسؤال الأوسع: هل يراد من الدستور أن ينظم تداول السلطة بما يضمن استقلال شاغل المنصب، أم أن يُترك المجال لترتيبات سياسية تحفظ استمرار النفوذ مع تغير شاغل المنصب؟
إن الدستور، في دولة القانون، لا ينبغي أن يكون أداة لتصميم ترتيبات شخصية، بل إطارًا عامًا يحكم الجميع، ويضمن أن يكون انتقال السلطة خاضعًا لقواعد معلنة، قابلة للتطبيق، ولا تتغير بتغير أسماء من يتولون الحكم.
وهنا تحديدًا يكمن الفارق بين انتقال المنصب وتداول السلطة.
( يتبع )







