بعد عامين كاملين على فجر العشرين من أكتوبر 2024، حين اقتحمت قوة أمنية بيت الاقتصادي الدكتور عبد الخالق فاروق في القاهرة وغادرته ومعها هاتفه وحاسوبه ومسودات كتابات لم تُنشر، عاد اسم الرجل إلى الواجهة من جديد. لم يعد عبر بيان حقوقي ولا مؤتمر صحفي، بل عبر مقطع مصوّر قصير لا تتجاوز مدته دقيقة و43 ثانية، سجّله الكاتب والسياسي حمدين صباحي من داخل سيارة، ووجّه فيه رسالة جعلت من ذكرى الاعتقال مناسبة لمطلب واحد لا يقبل المساومة: الحرية لسجناء الرأي.

لم يبدأ صباحي من السجن، بل من الأمل. افتتح كلمته بالحديث عن باب قال إنه «ينفتح أمام مصر»، باب أمل يرجو أن يتحقق معه التقدم نحو «دولة مدنية ديمقراطية» يتمتع فيها المصريون «على أساس المواطنة بكل حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية» وتُحمى فيها حريتهم. وذهب إلى أن هذا الأمل ليس منّة من أحد، بل «حق مشروع» للشعب المصري «العظيم» بعد صبر طويل. وكان واضحًا من نبرته أن الرجل يمهّد لما هو أثقل، فالأمل في خطابه ليس زينة لغوية، بل مقدمة لمطلب يليه.

ثم جاءت الجملة التي تحوّل عندها الخطاب من الرجاء إلى الشرط. فأول خطوات تحقيق هذا الأمل، كما قال، هو تمهيد الطريق أمام انتقال سلمي للسلطة، وأن تُرفع القيود عن حرية الرأي والتعبير والحركة السياسية والصحافة. غير أنه سارع إلى نزع القيمة عن كل ذلك إن بقي الحال على ما هو عليه، إذ رأى أن هذا كله «لا يعني شيئًا» ما دامت مصر تعاني من أن أفضل بنيها يُسجنون بسبب آرائهم. وهنا وضع مطلبه في صدارة المشهد بلا مواربة: الإفراج عن كل سجناء الرأي هو «المطلب الأول»، وهو «واجب الوقت».

وحرص صباحي على ضبط حدود مطلبه بدقة من يعرف أن الخصوم سيفتشون في كل كلمة. فالمقصودون، بحسب ما قال، هم أصحاب الرأي الذين لم يرتكبوا عنفًا ولم يحرّضوا عليه ولم يؤيدوه، أي أن الدعوة لا تطلب عفوًا عن متهمين بالعنف، وإنما حرية لمن لا تهمة عليه سوى الكلمة. وأعلن أنه ورفاقه يرفعون صوتهم «مجددًا» بهذا المطلب، وأنهم لن يكفّوا عنه حتى يتحقق، حتى يُمحى عن وجه مصر وقلبها وضميرها ما وصفه بعبء سجناء الرأي وما يخلّفه من عار.

وفي ختام المقطع جاء الاسم الذي كانت الكلمة كلها تتجه إليه. ففي مقدمة هؤلاء السجناء، قال صباحي، المفكر الاقتصادي والباحث الجاد «الأخ الدكتور عبد الخالق فاروق». ثم اختتم بهتاف مقتضب يصلح عنوانًا لما سبقه كله: «الحرية لسجناء الرأي».

ومن هو عبد الخالق فاروق الذي اختاره صباحي رمزًا لهذه المعركة؟ هو اقتصادي وباحث معروف بكتاباته الناقدة للسياسات الاقتصادية، اشتهر بكتابه «هل مصر فقيرة حقًا؟». وسبق أن اعتُقل في أكتوبر 2018 بعد صدور الكتاب، قبل أن يُخلى سبيله. أما اعتقاله الأخير فجاء في 20 أكتوبر 2024، بعد يومين من نشره على فيسبوك مجموعة بعنوان «سرقة القرن» جمع فيها 40 مقالًا عن قضايا اقتصادية، من بينها دور الجيش في الاقتصاد المدني. وقد نقلت لجنة حماية الصحفيين عن مصدر قانوني أن الاعتقال ارتبط على الأرجح بسلسلة مقالات انتقد فيها السياسات الاقتصادية، ومنها بناء العاصمة الإدارية الجديدة. وعُرض على نيابة أمن الدولة العليا في اليوم التالي بتهم من بينها الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة.

وتقول هيومن رايتس ووتش إنه ظل محبوسًا احتياطيًا بلا إفراج، وإن تجديدات حبسه كانت تجري عبر الفيديو دون عرضه على قاضٍ، وإن محاميه مُنعوا من الاطلاع على ملف القضية الذي يقارب 500 صفحة. وفي 2 أكتوبر 2025 أصدرت محكمة جنح الشروق حكمًا بسجنه خمس سنوات بتهمة «إذاعة أخبار كاذبة»، استنادًا إلى مقالات ومنشورات على مواقع التواصل، وحددت جلسة الاستئناف في 25 ديسمبر 2025. وتصف زوجته نجلاء سلامة ظروف احتجازه في مجمع سجون العاشر من رمضان بأنها «الأسوأ على الإطلاق»: 23 ساعة يوميًا في الزنزانة مع سجينين، وساعة واحدة في فناء مغلق لا تدخله الشمس. وقد طالبت المنظمة الحقوقية بالإفراج الفوري عنه وإلغاء الإدانة. ولم أتمكن من التأكد من نتيجة الاستئناف أو من وضعه القانوني الحالي، ويُنصح بمراجعتها قبل النشر.

وهكذا، تتجاوز رسالة صباحي حدود التضامن الشخصي. فالمقطع، على قِصَره، يضع الإفراج عن سجناء الرأي شرطًا سابقًا لأي حديث عن انفتاح سياسي أو دولة مدنية أو انتقال سلمي للسلطة، ويجعل من اسم اقتصادي في العقد السابع من عمره، يقبع خلف القضبان بسبب مقالاته، اختبارًا لجدية الوعود كلها. وفي ذكرى العامين، تبدو الجملة التي لخّص بها صباحي الموقف كله أبلغ من أي إضافة: لا معنى للأمل ما دام أفضل أبناء الوطن يُسجنون بسبب آرائهم.