يقدّم دان وانغ في كتابه “سعي الصين لهندسة المستقبل” Breakneck: China’s Quest to Engineer the Future إطارًا لافتًا لفهم اختلاف الصين والولايات المتحدة: الصين، في تصوره، تميل إلى البناء والتخطيط والتنفيذ السريع، بينما تتسع في الولايات المتحدة الإجراءات القانونية والاعتراضات والنزاعات.

لكن هذه المقارنة عدسة لفهم بعض جوانب الحكم، لا قاعدة تفسّر كل نجاح أو إخفاق. فالفكرة ليست استبدال المحامين بالمهندسين، أو المهندسين بالمحامين، بل إدراك ما تحتاجه الدولة من خبرة كلٍّ منهما.

ماذا يقول وانغ، وأين تكمن قوة فكرته؟

تكمن قوة أطروحة وانغ في أنها تنقل النقاش من مقارنة الشعارات إلى مقارنة قدرة الدولة على الإنجاز.

فالخبرة الهندسية تميل إلى تحديد المشكلة، وتصميم الحل، وتنسيق الموارد، وقياس النتائج. وهذا مهم في مشروعات مثل السكك الحديدية والطاقة والنفط والإسكان والصناعة، حيث يؤدي بطء التنفيذ أو تضارب المسؤوليات إلى كلفة حقيقية، وهو ما يحتاجه الأردن في موقع رئيس الوزراء، خصوصًا إذا ما صقل المهندس الكفء خبراته وأثراها بدراسة القانون والمحاماة فجمع بينهما.

أما كثرة الإجراءات القانونية، فقد تجعل بعض المشروعات أطول وأغلى، وتتيح لأطراف متعددة تعطيلها عبر التقاضي أو الاعتراضات التنظيمية. لكن وصف هذه الإجراءات بأنها تعطيل محض يختزل وظيفتها؛ فهي قد تكشف مخاطر المشروع، وتحمي حقوق المتضررين، وتلزم السلطات بتبرير قراراتها.

فالمشكلة ليست وجود القانون، بل تحوّله أحيانًا إلى مسار معقد يطغى فيه الإجراء على النتيجة.

ما الذي تغفله المقارنة؟

القول إن الصين «تحكمها الهندسة» وإن أمريكا «يحكمها المحامون» مفيد بلاغيًا، لكنه لا يعني أن المهندسين وحدهم يديرون الصين أو أن المحامين وحدهم يصنعون القرار الأمريكي. فالمؤسسات والمصالح الاقتصادية والسياسة والثقافة العامة عوامل لا تقل أهمية.

كما أن سرعة البناء لا تثبت وحدها جودة القرار. فقد تنجز الدولة مشروعًا ضخمًا بسرعة، لكنها تتحمل كلفة اجتماعية أو بيئية أو مالية لا تظهر في صور الافتتاح. والناس ليسوا أجزاء آلة؛ فالسياسات التي تُفرض من أعلى من دون مشاركة أو مساءلة قد تخلّف أضرارًا واسعة.

الثقة بالقضاء والأجهزة الرقابية حقٌّ لا عائق، ولا تعني أن كل حكم قضائي صحيح، أو أن كل جهاز رقابي نزيه. معناها أن المواطن يستطيع أن يتوقع قواعد معلنة، ومعاملة متساوية، وحقًا فعليًا في الاعتراض، وتحقيقًا مستقلًا في إساءة استخدام السلطة.

لذلك فالثقة ليست امتيازًا تمنحه الدولة، بل نتيجة تبنيها مؤسسات شفافة ومستقلة وقابلة للمحاسبة.

وحين يستطيع المواطن أو المؤسسة الطعن في قرار حكومي أمام قاضٍ مستقل، وحين تستطيع جهة رقابية فحص الإنفاق والتجاوزات من دون ضغط سياسي، يصبح القانون ضمانة للمجتمع لا مجرد أداة بيد الحاكم. وهذا لا يتعارض مع الإنجاز؛ بل قد يمنع فساد المشروع وسوء تقدير كلفته والإضرار بالناس، ويحمي الثقة اللازمة لاستمرار التنمية.

إذن نتساءل هنا: ما الفرق بين الهندسة والمحاماة؟

الهندسة تسأل: كيف نبني الحل؟ ما التصميم والموارد والوقت؟ وكيف نقيس الأداء والسلامة؟ أما المحاماة فتسأل: هل القرار مشروع؟ من يملك صلاحية اتخاذه؟ وما الحقوق التي قد يمسّها؟ وكيف يُحلّ النزاع وفق قواعد عادلة؟

لا تستطيع الهندسة وحدها أن تحدد ما هو عادل، ولا يستطيع القانون وحده أن يبني محطة كهرباء أو شبكة نقل.

المهندس يقدّم الخبرة الفنية، والمحامي يختبر حدود القرار وحقوق الأطراف. وعندما يعملان معًا، يمكن أن يكون المشروع قابلًا للتنفيذ ومشروعًا في الوقت نفسه؛ أما استبعاد أحدهما فيفتح الباب إما لشلل إجرائي، أو لإنجاز سريع بلا مساءلة كافية.

وأقصد هنا أن القيمة تكون عالية لمن يجمع بين الهندسة والقانون ويصبح رئيسًا للوزراء.

وللتوضيح، حسب ما ورد عن الكاتب الصيني، تظهر هنا أهمية من يجمع بين التكوين الهندسي والمعرفة القانونية: مهندس ناجح درس القانون، فيفهم كيف تُصمَّم المشروعات وتُدار، ويدرك في الوقت نفسه القواعد والحقوق والضوابط التي ينبغي أن تحكم القرار العام. فمثل هذا المسؤول يستطيع أن يوازن بين سرعة الإنجاز ومشروعيته، وبين كفاءة التنفيذ وحماية المصلحة العامة.

ووفقًا للفكرة التي يطرحها الكتاب، قد يكون هذا الجمع ميزة مهمة في إدارة الدولة الأردنية، لا لأنه يضمن النجاح وحده، بل لأنه يقرّب بين عقلية البناء ومتطلبات المساءلة وسيادة القانون.

وفي الأردن والعالم العربي كفاءات تجمع بين الهندسة والقانون، وإن كانت قليلة، ويمكن أن تكون مؤهلة للإسهام في إدارة شؤون الوطن ومجالس الوزراء، متى امتلكت إلى جانب علمها النزاهة والخبرة والحس العام، وخضعت للمحاسبة المؤسسية.

ولكن يبقى السؤال: من ينجح أكثر؟

لا توجد إجابة واحدة تصلح لكل مجال. فالصين تبدو أقوى في الحشد الصناعي والتنفيذ واسع النطاق، والولايات المتحدة أقوى في تعدد مراكز الاعتراض والحماية القانونية للحقوق والمصالح، ولكل ميزة ثمنها حين تنفصل عن الأخرى.

فالتنفيذ بلا رقابة قد ينتج أخطاء كبيرة يصعب تصحيحها، والرقابة بلا قدرة على اتخاذ القرار قد تحوّل الدولة إلى ساحة انتظار دائمة.

والخلاصة ليست أن المهندس أفضل من المحامي، ولا أن حامل الشهادتين هو الأفضل تلقائيًا؛ بل إن الدولة الأردنية الناجحة تحتاج إلى عقل هندسي يبني وميزان قانوني يراجع.

والأكفأ لإدارتها من يستطيع الجمع بين الخبرة الفنية والفهم القانوني، محليًا وخارجيًا، ويضيف إليهما النزاهة والكفاءة واحترام المؤسسات.

فالثقة لا تُبنى بالسرعة وحدها ولا بكثرة القوانين وحدها، بل حين يرى الناس أن الدولة قادرة على الإنجاز، وأنها في الوقت نفسه لا تقف فوق القانون، وتحترم خبرات أبنائها في الداخل والخارج، وقادرة على اختيار رئيس وزراء من خارج الصندوق الذي أثبت فشله وأدخل البلاد في صراع دائم مع المديونيات والخلل الاقتصادي والمشاريع المتعثرة والاستثمارات التي لم تأتِ.

كتاب “دان وانغ” جدير بالاهتمام والقراءة.