ليست كل التعيينات الحكومية إصلاحا وليس كل تغيير إداري صراعا على النفوذ لكن تكرار التبديلات في مواقع المسؤولية خلال المرحلة الانتقالية في سورية يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز أسماء المغادرين والقادمين لتصل إلى جوهر القرار الإداري والسياسي ومنظومة المعايير التي تحكم الوصول إلى مواقع المسؤولية
ماذا تريد الدولة من هذه التعيينات وهل تتحرك لإعادة بناء مؤسساتها على أساس الكفاءة والإنجاز أم لإعادة ضبط توازنات النفوذ داخل مراكز القرار
ليس في مراجعة أداء المسؤولين ما يستدعي الاعتراض فالدولة التي تريد النهوض لا تستطيع مجاملة الفشل ولا منح المناصب حصانة سياسية أو شخصية لكن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يصبح التعيين جزءا من مشروع مؤسسي واضح لا مجرد استجابة لحسابات اللحظة أو تبدل موازين القوة
سورية اليوم أمام استحقاقات ثقيلة في الإدارة والاقتصاد والخدمات وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع ولذلك لم يعد مقبولا أن ينظر إلى التعيينات باعتبارها شأنا داخليا محصورا في دوائر القرار فكل منصب عام يرتبط مباشرة بمصالح المواطنين وكل قرار إداري ناجح أو فاشل ينعكس على قدرة الدولة على استعادة فاعليتها
نحتاج إلى مسؤول يعرف كيف يدير المؤسسة لا كيف يدير صورته أمام مركز القرار ونحتاج إلى وزير يقاس نجاحه بما يحققه في وزارته لا بدرجة قربه من أصحاب القرار ونحتاج إلى مدير يواجه الفساد والهدر والاحتكار لا إلى مسؤول ينشغل بحماية موقعه أكثر من انشغاله بحماية المؤسسة
هنا تبدأ شيفرة التعيينات الحقيقية عند النقطة التي تختلط فيها ثلاثة مفاهيم يفترض أن تبقى واضحة وهي الولاء للدولة والانسجام مع سياستها العامة والكفاءة المهنية
الولاء للدولة ضرورة والالتزام بالقانون والسياسة العامة مسؤولية لكن الكفاءة ليست تفصيلا يمكن تجاوزه ولا يجوز أن تتحول الثقة الشخصية إلى بديل دائم عن الاختصاص والخبرة والقدرة على الإنجاز
فالمرحلة الانتقالية تحتاج إلى رجال دولة لا إلى رجال مواقع وإلى مسؤولين قادرين على تنفيذ السياسات ومواجهة الأزمات وتحمل المسؤولية أمام المجتمع ومؤسسات الرقابة لا أمام الجهة التي رشحتهم وحدها
ومن هنا فإن حركة التعيينات تمثل اختبارا جديا لمشروع الإصلاح في سورية فإذا كان تغيير المسؤول يرفع كفاءة المؤسسة ويحسن الخدمات ويوقف الهدر فهو خطوة في الاتجاه الصحيح وإذا كان إعفاء المدير يفتح الطريق أمام المحاسبة ويحد من الاحتكار فهو إجراء مطلوب وإذا كان تعيين شخصية جديدة يستند إلى سجل مهني واضح وقدرة فعلية على الإنجاز فإن الدولة تكون قد أحسنت الاختيار
أما إذا تحول التغيير إلى تدوير للأسماء داخل دوائر النفوذ فإن المشكلة لن تكون في الأشخاص وحدهم بل في الآلية التي تنتجهم وفي المعايير التي تسمح باستمرار الخلل مهما تبدلت الوجوه
وهنا يجب أن يكون النقد إصلاحيا لا هداما فالدولة لا تبنى بحماية الأخطاء تحت عنوان الاستقرار كما لا تبنى بإقصاء كل تجربة سابقة لمجرد الرغبة في إثبات القطيعة مع الماضي بل تبنى بقدرتها على التمييز بين من ينجح ومن يفشل وبين من يستحق الاستمرار ومن يجب أن يخضع للمساءلة
من ينجح يستمر ومن يفشل يحاسب ومن يملك الكفاءة يتقدم ومن يثبت عجزه يغادر هذه ليست شعارات للمزايدة بل قواعد إدارية ينبغي أن تتحول إلى ممارسة ثابتة لا تتغير بتغير الأشخاص والظروف
ولا يمكن فصل التعيينات في المواقع الحساسة عن البيئة الإقليمية والدولية التي تتحرك فيها سورية فالتحولات السياسية والأمنية تفرض اعتبارات متعددة لكن التعامل مع هذه الاعتبارات يجب ألا يتحول إلى مبرر لتغييب المعايير الوطنية أو تقديم التوازنات على حساب بناء المؤسسات
كما أن غياب التفسير الواضح لقرارات التعيين والإعفاء يترك فراغا تملؤه الشائعات والتأويلات والحديث عن مراكز قوى وتدخلات وتفاهمات غير معلنة ولذلك فإن الشفافية لا تعني كشف كل ما يدور في غرف القرار بل تعني توضيح المعايير العامة وإعلان المسؤوليات وربط النتائج بالمحاسبة
المطلوب ليس أن يعرف المواطن كل تفاصيل القرار السياسي بل أن يثق بأن من يتولى موقعا عاما وصل إليه وفق معايير عادلة وأن بقاءه في منصبه مرتبط بأدائه لا بحصانته وأن مؤسسات الدولة أكبر من الأشخاص الذين يديرونها
إن الإصلاح لا يعني تغيير الأشخاص فقط بل تغيير الطريقة التي يجري بها اختيارهم وتقييمهم ومحاسبتهم فإذا بقيت الآلية على حالها فلن يكون تغيير الوجوه كافيا لبناء دولة مختلفة مهما ارتفعت سقوف الوعود
سورية تحتاج إلى تعيينات تصنع مؤسسات قوية لا إلى مؤسسات تتحول إلى ساحات لتوزيع النفوذ وتحتاج إلى ولاء وطني يعلو على الولاءات الشخصية وإلى كفاءة تكون شرطا لتولي المسؤولية ومساءلة تكون أساسا للاستمرار فيها
فالمعركة الحقيقية ليست بين مسؤول وآخر ولا بين اسم يغادر وآخر يصل بل بين منطق الدولة ومنطق النفوذ وبين إصلاح يغير قواعد العمل وتغيير يكتفي بتبديل الوجوه
صراع الجبابرة لا يحسمه عدد المناصب التي يسيطر عليها هذا الطرف أو ذاك بل تحسمه قدرة الدولة على إخضاع الجميع لمعيار واحد هو الكفاءة والنزاهة والإنجاز
وعندما تصبح هذه القاعدة أساس التعيينات تكون الدولة قد بدأت بالفعل باستعادة مفاتيحها أما إذا بقيت المفاتيح في يد التوازنات المغلقة فستظل الأسماء تتغير بينما تبقى الأزمة في مكانها







