من فرط السذاجة والسخافة ما نشهده على الساحة وفي مواقع التواصل: يقدّم البعض أنفسهم، أو يقدّمهم آخرون، مرشحين أو منافسين مناسبين لرئاسة مصر!
مصر أكبر من أن تختزلها قريحة البعض في شروط ومواصفات وأسماء للاختيار بينها أو التصويت عليها؛ كأنها أسيرة تنتظر شروط الإفراج عنها، لتتحرّر من قيدها!
يا من ينتدبون أنفسهم ممثلين للعناية الإلهية، أقول لكم:
مصر بحاجة، فقط، إلى أن نعطيها حق الاختيار، لا أن نختار لها مَن يحقّ لها أن تختار!
وليس أسوأ ما في المشهد أوهام ممثلي العناية الإلهية على الأرض؛ فلا يقلّ عنهم سوءًا مَن يخرج كل صباح، بقصد أو بجهل، ليلقي بقائمة أسماء في «المحرقة»؛ فيمنح مدّعي الوصاية أسبابًا ومبرّرات لأوهامهم!
أمّا الأسوأ والأخطر من الفريقين، فتلك العصبة التي تعتلي منصّات التواصل، مثقلةً بعاهات التفكير وتشوّهات النفوس، وتتوهّم أنّ إبداء الرأي ترخيصٌ بالطعن بسكين الخصومة في كل مَن يقع تحت مقصلتها أو في مرمى سهامها، من الأسماء التي يقدّمها البعض للمحرقة. وخذ مثالًا، بل أمثلة:
إذا كان شابًّا… فأين هو من خبرة الدولة؟!
وإذا كان شيخًا… فأين هو من شرط السنّ واللياقة؟!
وإذا كان متوسط العمر… فقد ميزة الشباب وشرط الخبرة معًا!
إذا كان «مدنيًّا»… فكيف يقود الجيوش ونحن في زمن الحروب؟!
وإذا كان عسكريًّا… فأين التغيير إذن؟!
إذا كان «ليبراليًّا»… فهو حتمًا صنيعة الأجندة الغربية وأسيرها!
وإذا كان «يساريًّا»… فسيعيد مصر حتمًا إلى الوراء، مستنسخًا تجارب فشلت في بلادها!
إذا كان «إسلاميًّا»… فهي ردّة إلى زمن الإخوان!
وإذا كان «علمانيًّا»… فسيُشيع الانحلال في بلد محافظ!
وإذا كان «وسطيًّا»… فهو «مسخ» بلا موقف!
إذا كان «بليغًا»… فلا يجيد إلا تنميق الكلام!
وإذا كان «مُقِلًّا في كلامه»، مقتضبًا في خطابه… فهو «عَيِيّ» لا يجيد حتى الكلام!
إذا كان «برلمانيًّا لامعًا»… فمصر ليست دائرة صغيرة كدائرته!
وإذا كان «بعيدًا عن البرلمان»… فلو كان فيه خير، لاختاره الناس للبرلمان أولًا!
إذا كان «حزبيًّا»… فالناس في مصر لا تؤمن بالأحزاب، وتريد رئيسًا فوق الأحزاب!
وإذا كان «غير حزبي»… فهو بعيد عن السياسة، ولا يؤمن بالتعددية!
وإذا كان مناضلًا واجه الظلم، فعوقب بالاعتقال… فهو من «أصحاب السوابق» الممنوعين من الترشّح!
وإذا كان مسالمًا لم يخض معركة… فهو خنوع لم يدفع ثمنًا دفعه غيره!
وإذا لم يتدرّب في الأكاديمية العسكرية… فهو هابط بالباراشوت، لا يعرف شيئًا عن الدولة!
وإذا كان من داخل المنظومة العسكرية… فهو أقلّ ممّن أتى به؛ والأولى أن نأتي برئيس الأكاديمية نفسه، لا بأحد تلاميذه!
إذا كان شخصية معروفة ولامعة… فهو عاشق للإعلام وصنيعته، مجنون بالشهرة!
وإذا كان بعيدًا عن الأضواء… فهو «نكرة» لا يعرفه حتى جيرانه!
وإذا كان «غنيًّا» ميسورًا… فكيف يشعر بالفقراء؟!
وإذا كان «فقيرًا»… فلا بدّ أنه يسعى إلى الثروة؛ و«اللي شبع أحسن من اللي لسه عايز»!
إذا كان «رقيقًا» رحيم القلب… فمصر تحتاج إلى الشدّة والحسم!
وإذا كان «غليظًا»… فمصر تنفر من الغلظة والقسوة!
إذا كان «اقتصاديًّا»… فمصر ليست شركة ليديرها رجل اقتصاد!
إذا كان «قانونيًّا»… فمصر ليست محكمة ليحكمها مَن لا يعرف غير النصوص!
إذا كان «سياسيًّا»… فليس خبيرًا بالاقتصاد أو القانون، وهما جناحا الحكم!
وإذا كان «سياسيًّا وقانونيًّا ومُلمًّا بالاقتصاد»… فمَن يعرف كل شيء، لا يعرف شيئًا!
إذا كان وزيرًا سابقًا… فلا بدّ أنّ وراء خروجه من الوزارة سرًّا خطيرًا، أو فشلًا مريعًا!
وإذا لم يكن وزيرًا… فليكتسب هذه الخبرة أولًا، قبل أن يفكّر فيما بعدها!
إذا كانت لديه «كاريزما»… فهو يخدع الناس بالكلام!
وإن افتقد الكاريزما… فهو بلا لون ولا طعم!
البحث عن رئيس في مصر ليس شاقًّا فحسب، بل مستحيل؛ أصعب بكثير من البحث عن رئيس للولايات المتحدة أو فرنسا أو بلاد الهند والسند!
ما زلنا أسرى العقدة نفسها والمنطق المريض؛ فلو اجتمعت لشخص كل المواصفات، أو أضدادها، فلن يرضى عنه أحد!
لذا… أنظر بعين الريبة أحيانًا، والشفقة أحيانًا أخرى، إلى مَن يتسابقون في إلقاء الأسماء، اسمًا بعد اسم، في محرقة تلتهم الجميع؛ ليبقى الفراغ المرشّح الأكبر والأوحد المسموح له بالبقاء في صدارة المشهد، وتأتي رياح من خارج إرادة الناس بمَن تريد «الإرادة العليا» الإتيان بهم!
يا سادة…
توقّفوا عن هذا العبث الذي يقسّم المقسّم، ويبدّد المشتّت، ويحرق أسماءً وقاماتٍ نحتاج إليها جميعًا لإعادة بناء مصر الحرّة، الديمقراطية، المتنوّعة، التي تقبل الآخر وتتّسع للجميع.
أحمق مَن يستيقظ صباحًا، ويحتسي قهوته، ثم يفرض بقريحته المنفردة على مئة وعشرة ملايين مصري قائمةً من خمسة أسماء أو عشرة؛ يراها جديرة، أو يتحرّج من إغفالها، أو يتودّد بطرحها إلى أصحابها أو أنصارهم!
يا سادة…
لا مخرج من فكرة «الرئيس المستحيل» إلا بجهد واجتهاد وتواصل بين مكوّنات الجماعة الوطنية المصرية، لبناء توافق حقيقي على مرشّح، أو أكثر، ترى فيه مصر الحدّ الأدنى من مقوّمات رئيس المستقبل… لا الرئيس المستحيل!







