إن الاعتداء الآثم على كنيسة حمود في الكرك، واستهداف المسيحيين ودور العبادة التي حرّم الإسلام العدوان عليها وأوجب صيانتها وحمايتها، ليس اعتداءً على طائفة بعينها، بل طعنة في قلب المجتمع كله وتهديد مباشر لوحدته ونسيجه الوطني.
فمنطقتنا لم تكن يومًا أحادية العِرق أو المذهب أو الطائفة، بل كانت من أكثر مناطق العالم تنوعًا: عربًا وتركًا وفرسًا وكردًا وأمازيغ وتركمانًا وشركسًا وغيرهم، وسنة وشيعة وإباضية، ومسيحيين بمذاهبهم المختلفة، ويهودًا وطوائف دينية متعددة. وقد ظل هذا التنوع، عبر مراحل طويلة من تاريخ الأمة، موردًا للقوة والثراء الحضاري ما دام محكومًا بمظلة سياسية جامعة تمنع تحوله إلى صدام مفتوح.
لكن القوى الاستعمارية، منذ القرن التاسع عشر ثم مع تفكك الدولة العثمانية وسقوط آخر مظلة سياسية للعالم الإسلامي كانت تحتوي جانبًا كبيرًا من هذا التنوع، أدركت أن الخلافات الداخلية يمكن أن تتحول إلى أحد أهم أبواب النفوذ والتفكيك.
ومنذ ذلك الحين أصبح تسييس العِرق والمذهب والطائفة، وتعميق الشكوك بين مكونات المجتمع، من أكثر الوسائل خطورة في إضعاف المنطقة واستنزافها ومن ثم اختراقها.
ولهذا فإن كل دم يُراق على أساس الهوية، وكل كنيسة أو مسجد أو دار عبادة تُستهدف، إنما تفتح ثغرة جديدة في جدار أوطاننا وتمنح مشاريع التفتيت فرصة إضافية.
وأيًا تكن هوية مرتكبي هذه الجريمة أو دوافعهم، فإن مآلاتها تخدم في النهاية القوى الاستعمارية المستفيدة من انقسام المنطقة، وفي مقدمتها إسرائيل.
إن حماية المسيحيين وكنائسهم حماية لأوطاننا، وصيانة لنسيجها، ودفاع عن أحد أهم مصادر قوة أمتنا: قدرتها على إدارة تنوعها داخل مظلة جامعة.







