في مثل هذا اليوم قبل 81 عاماً، وتحديدا في 24/10/1945، دخل ميثاق “الأمم المتحدة” حيز التنفيذ، معلنا عن ولادة منظمة عالمية جديدة، تحلّ محل “عصبة الأمم” التي تأسست عقب الحرب العالمية الأولى، وانهارت بسبب فشلها في منع اندلاع حرب عالمية ثانية. ولأن القوى الكبرى التي انتصرت في الحرب العالمية الأولى، وهي المملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة، كانت صاحبة الإسهام الأوفر في صياغة عهد العصبة، فقد كان من الطبيعي أن تصبح القوى الكبرى التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية، المملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، صاحبة الإسهام الأوفر في صياغة ميثاق الأمم المتحدة. وأن تحرص، في الوقت نفسه، على تلافي الثغرات التي ظهرت في عهد العصبة، أول تجربة في تاريخ البشرية تهدف إلى إقامة نظام عالمي للأمن الجماعي، ما يفسّر إقدامها على اتخاذ إجراءاتٍ استهدفت ضمان مشاركة الولايات المتحدة في المنظمة الجديدة وتفادي ما حدث بعد انتهاء مؤتمر الصلح في فرساي (حين رفض الكونغرس التصديق على عهد العصبة)، وحرصها على تضمين ميثاق الأمم المتحدة بنوداً تحرّم استخدام القوة في العلاقات الدولية، أو حتى مجرّد التهديد بها، وتزويد مجلس الأمن بالصلاحيات والسلطات والأدوات التي تمكّنه من ردع العدوان، بل ومعاقبته إذا لزم الأمر. غير أن ذلك كله لم يكن كافيا لإخفاء الثغرات التي تضمنتها المسودة التي طرحت على الموتمر التأسيسي للأمم المتحدة في سان فرانسيسكو من 25/4- 26/6/1945وشاركت فيه 50 دولة. فقد أظهرت المناقشات في المؤتمر وجود تكتل بين مجموعتين من الدول، مجموعة الدول الخمس التي ورد ذكرها بالاسم في مشروع الميثاق، ومنحت مقاعد دائمة في مجلس الأمن، تتيح لها الحق في الاعتراض على قرارات (الفيتو)، وهي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي والصين والمملكة المتحدة وفرنسا، وباقي الدول المشاركة في المؤتمر، ومعظمها صغيرة أو متوسطة. ورغم نجاح الأخيرة في إدخال تعديلات جوهرية على مشروع الميثاق، حيث تمكنت من إضافة فصل يعترف بالمنظمات الإقليمية، ويحدّد طبيعة العلاقة بينها وبين الأمم المتحدة (الفصل الثامن)، وتعديل النصوص المتعلقة بالموقف من المسألة الاستعمارية، بما يضمن توسيع نطاق الرقابة على الدول الاستعمارية، والارتقاء بوضع المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ليصبح أحد الفروع الرئيسية للمنظمة، وليس فرعاً ثانوياً محدود الصلاحيات، إلا أنها فشلت في إدخال تعديلات تمسّ سلطات مجلس الأمن وصلاحياته، أو تنتقص من المزايا الممنوحة للدول دائمة العضوية، رغم تبنّيها استراتيجية تفاوضية ذكية.
طالبت مجموعة الدول الصغيرة والمتوسطة في البداية بإلغاء حق النقض نهائياً، من منطلق أنه ينطوي على تمييزٍ يخلّ بواحدة من أهم القواعد المستقرة في القانون الدولي، قاعدة المساواة السيادية بين الدول، غير أن الدول الخمس رفضت هذا الاقتراح بالمطلق، وبشكل متعنّت وصل إلى حد أن المندوب الأميركي في الجلسة مزّق المسودة التي كان يمسك بها، وصاح: “لن تقوم للأمم المتحدة قائمة بدون الفيتو”، ما دفع الدول الأخرى إلى الانتقال إلى خط دفاع ثان، حاولت فيه قصر استخدام “الفيتو” على الأمور التي تمس قضايا السلم والأمن الدوليين مباشرة، غير أن الدول الخمس أجمعت مرة أخرى على رفض الاقتراح في تعنّت واضح، فانتقلت الدول إلى خط دفاع ثالث، في محاولة أخيرة للتمييز الحصري بين المسائل غير الهامة (أو الإجرائية) التي لا يجوز فيها استخدام الفيتو والمسائل الهامة (أو الموضوعية) التي تسمح باستخدام الفيتو. صحيح أن الدول الخمس رفضت هذا الاقتراح أيضاً، لكن رفضها هذه المرّة كان مرناً، لأنه اقترن بالموافقة على إصدار “إعلان” يتضمن قائمة قصيرة بالموضوعات التي تلتزم فيها بعدم استخدام ا”لفيتو”، رغم إصرارها، في الوقت نفسه، على تمسّكها باستخدامه لحسم ما ينشب من خلاف حول تكييف المسائل المدرجة على جدول أعمال مجلس الأمن، ما فتح ثغرة تتيح لكل عضو دائم شلّ إرادة المجلس في أي وقت يشاء. ولأن آلية الأمن الجماعي في ميثاق الأمم المتحدة بُنيت على افتراض أن التحالف الذي تحقق بين الدول الكبري إبّان الحرب العالمية الثانية سيستمر بعدها، والذي تبين لاحقا أنه افتراض خاطئ، فقد استحال تشغيل هذه الآلية في كل مرّة لا يتحقق فيها الإجماع بين الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وهو ما حدث طوال فترة الحرب الباردة من 1949 حتى 1989.
كان يمكن للأمم المتحدة أن تواجه المصير نفسه الذي لقيته عصبة الأمم، لو أن الحرب الباردة التي اندلعت بين المعسكرين المتصارعين في أعقاب الحرب العالمية الثانية كانت قد جرت في أجواء مماثلة للأجواء التي اندلعت فيها النزاعات في مرحلة ما بين الحربين، وهو ما لم يحدث، غير أن الأمم المتحدة صمدت ولم تلق المصير نفسه، ليس لأنها أكثر كفاءة وفاعلية، وإنما بسبب ما طرأ من تطور على تصنيع الأسلحة النووية وحيازتها، أفضى إلى “توازن رعب” حال دون اندلاع حرب عالمية ثالثة. لذا يمكن القول أن بقاء الأمم المتحدة واستمرارها يعود إلى “توازن الرعب النووي” بأكثر مما يعود إلى أي اعتبار آخر، ومن ثم كان عليها أن تسعى باستمرار إلى التكيف مع التطوّرات التي طرأت على موازين القوة في النظام الدولي. ولأن الأخير تحوّل إلى نظام ثنائي القطبية في مرحلة الحرب الباردة، ثم إلى نظام أحادي القطبية في مرحلة الهيمنة الأميركية المنفردة، ثم إلى نظام يتسم بقدر هائل من السيولة في المرحلة الحالية، يصعب على الأمم المتحدة أن تتكيف معه، يبدو لي أن على المجتمع الدولي أن يبحث عن وسيلة تساعده على تجنب اندلاع حرب عالمية ثالثة، وتمكّنه، في الوقت نفسه، من تأسيس “أمم متحدة جديدة”، وهي معضلة يصعب التغلب عليها.
كان في مقدور الأمم المتحدة أن تصمد إبّان فترة الحرب الباردة، لأنها استطاعت أن تقوم بدور وظيفي مفيد في النظام الدولي ثنائي القطبية، رغم ما أصاب منظومة الأمن الجماعي من خلل. صحيحٌ أنها لم تتمكّن من تسوية أنواع معينة من الأزمات، خصوصاً الأزمات التي كانت إحدى القوتين العظميين طرفاً فيها، ما يفسّر عجزها عن التدخل لتسوية الأزمة الفيتنامية، لأن الولايات المتحدة كانت طرفاً مباشرا فيها، وعجزها عن التدخّل لتسوية الحرب الأفغانية، لأن الاتحاد السوفييتي كان طرفاً مباشراً فيها، رغم أن الحربين ظلتا مشتعلتين سنوات طويلة إبّان مرحلة الحرب الباردة، كما لم تتمكّن من تسوية الأزمات في منطقة النفوذ المباشر لأي من القوتين العظميين. ما يفسّر عجزها عن تسوية أزمة المجر عام 1956 والأزمة التشيكية عام 1968، غير أنه كان بمقدرو الأمم المتحدة، في الوقت نفسه، أن تتدخّل بقدرٍ متباينٍ من الفاعلية في أزماتٍ عديدة في دول العالم الثالث، ما يفسّر استحداثها “قوات حفظ السلام” التي تمكنت من نشرها في مناطق عديدة ملتهبة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
حين انتهت الحرب الباردة بسقوط جدار برلين عام 1989، اعتقد كثيرون أن العقبة التي كانت تحول دون تفعيل منظومة الأمن الجماعي قد زالت، ومن ثم سيكون بمقدور الأمم المتحدة أن تلعب دوراً أكثر فاعلية في تسوية الأزمات الدولية وإدارتها. كان هذا هو الشعار الذي رفعته الولايات المتحدة إبّان الأزمة الناجمة عن احتلال العراق الكويت. ولأنها اندلعت عام 1990، أي قبل سقوط الاتحاد السوفييتي، وأدارها مجلس الأمن بطريقة فريدة ومختلفة عن كل ما سبقها من أزمات، فقد خيّل لكثيرين أن النظام الدولي يدخل مرحلة جديدة تلعب فيه الأمم المتحدة دوراً أكثر فاعلية من أي وقت مضى، غير أنه ما إن انهار الاتحاد السوفييتي، وتمكّنت الولايات المتحدة من الهيمنة المنفردة على النظام الدولي، حتى بدأ دور الأمم المتحدة يضعف رويداً رويداً إلى أن وصلنا إلى المرحلة الحالية، والتي أصبحت فيها الدولة المهيمنة على النظام الدولي، والمسؤولة بالتالي عن قيادته، هي أكثر الدول انتهاكاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وأكثرها استخداماً لـ”الفيتو”، ليس للدفاع عن مصالحها فحسب، وإنما أيضا لحماية الكيان الصهيوني الذي يديره نظام يقوم على الفصل العنصري، وعلى التوسع المستمر، ولا يتورّع عن ارتكاب أبشع الجرائم ضد الإنسانية، وفي مقدّمتها جرائم التجويع والإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني.
يتحدث كثيرون في الوقت الحاضر عن الحاجة الماسّة إلى “إصلاح الأمم المتحدة”، انطلاقا من تصوّر مفاده بأنه لم يعد من المقبول أن تدار آلية أمن جماعي عالمي في القرن الواحد والعشرين، من خلال مجلس تحتل فيه دول، مثل فرنسا والمملكة المتحدة، مقاعد دائمة تتيح لها إمكانية التحكّم فيها، بينما تستبعد دول في حجم الهند والبرازيل وألمانيا واليابان وثقلها، وتحرم قارة بأكملها تضم 53 دولة، أفريقيا، من حق التمثيل الدائم، غير أن الإصلاح بات مستحيلاً من الناحية العملية، فحتى بافتراض إمكانية توافق أغلبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على شكله ومضمونه، إلا أن دخول أي تعديل للميثاق حيز التنفيذ يتطلب موافقة أغلبية يشترط أن يكون من بينها الدول دائمة العضوية مجتمعة، وهو شرط غير قابل للتحقّق. لذا ليس أمام المجتمع الدولي سوى الاختيار بين بديلين: القبول باستمرار الوضع الحالي من دون تغيير، ما يعني استسلام المجتمع الدولي لقانون الغاب، على نحو ما نراه الآن، والذي قد يُفضي إلى اندلاع حرب عالمية ثالثة، ليس من المستبعد أن تستخدم فيها الأسلحة النووية، أو السعي إلى إقامة “أمم متحدة” جديدة، ما يتطلب انسحاب الدول الرافضة استمرار الوضع الراهن من المنظمة الحالية وتأسيس منظمة جديدة تستجيب لتحديات العصر، وهو خيار صعب المنال، لكنه ربما يكون الأقل كلفة على المدى المنظور.






