حركة التوحيد والإصلاح المغربية تقدم درسًا عمليًا في تداول المسؤولية تفتقده حركات إسلامية كثيرة، ليس كل تكريم احتفالًا بالماضي، فبعض المشاهد يحمل رسالة إلى الحاضر والمستقبل. وهذا ما يبرزه الجمع العام الوطني الثامن لحركة التوحيد والإصلاح المغربية، حين كرّمت الحركة الدكتور أحمد الريسوني، أحد أبرز مؤسسيها وأول رؤسائها بعد الوحدة، بحضور الرؤساء والقيادات السابقين قبل الوحدة الاندماجية وبعدها. وغدًا الأحد، 25 أكتوبر 2026، تبدأ إجراءات اختيار رئيس الحركة للمرحلة المقبلة.


إنها صورتان متكاملتان: مؤسس يُكرَّم بعد مغادرته الرئاسة، ومؤسسة تستعد لتجديد قيادتها دون أن تختزل وجودها في شخص. وفي الجمع بينهما درس تحتاج إليه حركات إسلامية كثيرة، أرهقتها النزاعات حول المناصب، وخلطت أحيانًا بين الوفاء للقادة والتمسك الدائم بهم.


من المؤسس إلى المؤسسة


نشأت حركة التوحيد والإصلاح عام 1996 من وحدة اندماجية جمعت حركة الإصلاح والتجديد ورابطة المستقبل الإسلامي. تولى أحمد الريسوني رئاستها، ثم خلفه محمد الحمداوي عام 2003، وعبد الرحيم شيخي عام 2014، وأوس رمال عام 2022. واليوم تدخل الحركة محطة جديدة من تداول المسؤولية.


ولا ينبغي إغفال دلالة الوحدة نفسها؛ فقد كانت لكل مكوّن قياداته وتاريخه وتجربته، ومع ذلك أمكن الانتقال إلى إطار مؤسسي مشترك. وحضور القيادات السابقة في مناسبة واحدة يعيد التذكير بأن الوحدة الحقيقية لا تشترط إلغاء التاريخ الخاص بكل طرف، وإنما تستوعبه في مشروع أوسع، وتحوّل التعدد من مصدر للتنافس إلى رصيد من الخبرة.


لا تكمن أهمية هذه التجربة في تبدل الأسماء وحده؛ فالانتخابات قد تُجرى شكليًا في مؤسسات كثيرة. الأهم أن تغيير القيادة لم يصبح في ذاته مرادفًا لانهيار الجماعة، وأن الرئيس السابق يستطيع البقاء جزءًا من تاريخ المؤسسة وحياتها، لا منافسًا دائمًا للرئيس اللاحق.


فالمؤسس له فضل التأسيس، لكنه لا يملك المشروع. والرئيس مؤتمن على مسؤولية محددة، لا صاحب حق دائم فيها. واحترام السابقين لا يعني تعطيل التجديد، كما أن تجديد القيادة لا يقتضي محو آثار من سبقوها.


اختبار التربية عند مغادرة المنصب


تتحدث أدبيات العمل الإسلامي طويلًا عن الشورى والتجرد والإخلاص والزهد في المواقع. لكن الاختبار الأصدق لهذه القيم ليس عند قبول المسؤولية، بل عند تسليمها.

كيف يغادر الرئيس منصبه؟ هل يساند من يخلفه، أم ينشئ مركز نفوذ موازٍ؟ وكيف يستقبل الرئيس الجديد سلفه؟ هل يستفيد من تجربته ويصون مكانته، أم يعدّه خطرًا ينبغي إبعاده؟ وكيف يتعامل الأعضاء مع اختلاف الاجتهادات؟ هل يرونه حقًا طبيعيًا أم يحولونه إلى قضية ولاء وبراء؟


تلك الأسئلة هي المقياس العملي للنضج التربوي. فالتربية لا يُحكم عليها بما تقوله المناهج عن الأخلاق وحدها، وإنما بما تُنتجه من سلوك عندما تتعارض رغبة الفرد مع قرار المؤسسة.
وليس أصعب على النفس من التنازل عن سلطة اعتادتها، خاصة حين تختلط المسؤولية بتاريخ من التضحية والعطاء. لكن سنوات الخدمة لا تمنح صاحبها ملكية أبدية للموقع؛ بل تضاعف مسؤوليته في حماية المؤسسة من التعلق بالأشخاص.


لماذا تتحول القيادة إلى انقسام؟


تكشف أزمات بعض الحركات الإسلامية عن خلل يتجاوز اختلاف اللوائح أو آليات الانتخاب. فقد يبدأ الخلاف إداريًا، ثم يتحول إلى نزاع على الشرعية، وتتسع دائرته إلى اتهامات متبادلة، ومؤسسات متوازية، وخصومات تستهلك الطاقات لسنوات.
وقد تصبح الشورى التي يفترض أن تحسم النزاع نفسها محل نزاع، وتتحول اللوائح من وسيلة لتنظيم العمل إلى ساحة للصراع حول من يملك تفسيرها. عندئذ لا تكفي النصوص وحدها، ما لم تتوافر ثقافة تقبل التداول، وضمانات تمنع احتكار القرار، واستعداد أخلاقي للاعتراف بشرعية من اختلفنا معه.


كما أن تداول القيادة لا يستقيم بمجرد تغيير الرئيس، إذا ظلت مفاتيح القرار والموارد والعلاقات التنظيمية محتكرة لدى أشخاص بعينهم. ولذلك يحتاج الانتقال المؤسسي إلى وضوح الصلاحيات، وشفافية الإجراءات، ومساءلة المسؤولين، وضمان ألا يتحول الرئيس السابق إلى سلطة خفية، ولا الرئيس الجديد إلى سلطة مطلقة. فالمقصود تداول المسؤولية فعلًا، لا تداول الألقاب.
ولا يعني هذا أن التجربة المغربية بلا أخطاء أو اختلافات، أو أنها قابلة للاستنساخ في كل بيئة. لكن قيمتها أنها تتيح سؤالًا عمليًا: كيف ننتقل من وحدة تُعلن في البيانات إلى وحدة تستطيع الصمود أمام تغير الأشخاص والقيادات؟


غدًا لا ينتصر شخص


إن بدء إجراءات اختيار رئيس الحركة غدًا يضيف إلى مشهد التكريم معناه الأهم. فالوفاء للمؤسس ليس إبقاءه في السلطة، واحترام الرئيس الحالي لا يتوقف على بقائه، والتجديد لا يلغي فضل السابقين.
ومن هنا فإن ما يستحق الاحتفاء ليس اسم من يتولى الرئاسة بقدر ما هو سلامة انتقال المسؤولية، وقبول نتائجه، واستمرار التعاون بين الأجيال والقيادات.


يقول تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]، ويقول: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
ولعل الرسالة الأبلغ إلى الحركات الإسلامية المنشغلة بصراعاتها الداخلية بسيطة وعميقة: لا تختبروا قوتكم بقدرة رئيس على البقاء، بل بقدرة المؤسسة على الاستمرار حين يغادر. ولا تقيسوا الوفاء للمؤسس بإدامة سلطته، بل بإبقاء مشروعه حيًا وقابلًا للنمو والتصحيح.
فالقائد الذي ينجح في بناء من يخلفه لا يفقد مكانته بمغادرة المنصب؛ بل يثبت أن الرسالة كانت عنده أكبر من الموقع، وأن المؤسسة تستطيع أن تتسع للجميع دون أن تكون ملكًا لأحد.