في زمنٍ أصبحت فيه النماذج اللغوية الكبرى (مثل ChatGPT وGemini) تشارك الإنسان في صياغة أفكاره، بل وفي تشكيل وعيه أحيانًا، يبرز سؤال جوهري: هل نتعامل مع أداة محايدة، أم مع منظومة تحمل قيمًا ومرجعيات قد تتصادم مع هويتنا؟ هذا ما يحاول الدكتور مسعود حامد الإجابة عنه في كتابه “مساءلات وموافقات.. المرجعية والذكاء الاصطناعي”، الصادر حديثًا، والذي يشكل إضافة نوعية للمكتبة العربية في مجال فلسفة التقنية.
لماذا هذا الكتاب الآن؟
ينطلق المؤلف من دافع شخصي واقعي، يرويه في مقدمة الكتاب: حين أرادت ابنته شراء فستان العيد، استشارت نموذج ذكاء اصطناعي، فأجابها النموذج بكل المواصفات الجمالية، لكنه لم يخبرها أنه مخالف للشريعة. هذه الحادثة البسيطة كشفت للمؤلف خطورة “المرجعية الوافدة” التي تتسلل إلى قراراتنا اليومية دون أن نشعر، فقرر التعمق في مرجعية هذه الآلة وحدود معرفتها ومستقبلها.
الكتاب ليس كتابًا تقنيًا يشرح كيفية عمل الخوارزميات، ولا هو كتاب فقهي يجيب عن حكم استخدام التطبيقات. إنه محاولة للوقوف في المنطقة القاصلة بين الحقول المتداخلة: بين الفلسفة والتقنية والشريعة والاجتماع. كما يقول المؤلف: “لم أرد تقديم تعريف تقني مطول للذكاء الاصطناعي، ولا وقوفًا طويلًا عند مفهوم المرجعية. فالكتاب مجرد محاولة للوقوف في المنطقة القاصلة بين حقول متداخلة”.
بنية الكتاب: من المساءلة إلى الموافقة
ينقسم الكتاب إلى خمسة فصول رئيسة، يتدرج فيها المؤلف من التشخيص إلى اقتراح الحلول:
الفصل الأول: التغول والاستلاب
يطرح المؤلف مفهوم “الاستلاب الخوارزمي”، وهو انتقال الإنسان من استخدام الأداة إلى الاعتماد عليها، ومن السؤال منها إلى تلقي العالم من خلالها. ويشرح كيف تعمل المنصات الرقمية على استلاب الانتباه (اقتصاد الانتباه)، وتشييء الذات (تحويل الإنسان إلى بيانات سلوكية)، وتكوين “فقاعات ترشيح” (Filter Bubbles) تحاصر المستخدم في دائرة من الأفكار التي تشبهه، فتحجب عنه رؤية العالم من زوايا مختلفة.
الفصل الثاني: حدود الخوارزميات
يؤكد المؤلف أن الذكاء الاصطناعي، في أحسن أحواله، آلة تتعامل مع البيانات والأنماط، وليس مع المعنى والوجود. ويضرب أمثلة على قصورها: فهي لا تفهم النية والقصد (مثال الشخص الذي تسبب في حادث عن غير قصد)، ولا تدرك السياق الوجودي (مثال المرأة التي قالت “كلبي لا يعض” وكانت تقصد أن الكلب ليس كلبها)، ولا تستطيع الوصول إلى المعنى المتجاوز (الغيبيات والقيم المطلقة). ويخلص إلى أن “الآلة أداة قوية، لكنها ليست بديلًا عن العقل الإنساني القادر على إدراك المعنى”.
الفصل الثالث: مساءلات
يخصصه المؤلف لمساءلة الفلسفة الغربية التي أطرت مفهوم الذكاء وحصرته في أبعاد إنتاجية وحسابية، ليضعها في مقارنة كاشفة مع مفهوم الذكاء في المنظور الإسلامي، المرتبط بالروح والأخلاق والمسؤولية الاستخلافية. ويطرح أسئلة مثل: “وفق أي مرجعية تجيب الآلة؟ وأين ينبغي أن تتوقف؟”، و”هل تعين هذه المنصة الإنسان على اتخاذ قرار أكثر وعيًا؟”.
الفصل الرابع: المرجعيات
يناقش المؤلف التحولات الكبرى في الفكر الغربي (ما بعد الحداثة، العدمية الرقمية، ما بعد العلمانية) وكيف تنعكس على تصورات الإنسان عن الله والغيب والوجود. ويطرح فكرة أن “المعركة مع الذكاء الاصطناعي هي في جوهرها معركة مرجعيات”، فالنماذج اللغوية تتعلم من بيانات أنتجها البشر، وتحمل قيمهم وتصوراتهم.
الفصل الخامس: الأطر الفكرية
يستعرض فيه المؤلف النظام المعرفي الإسلامي كإطار متكامل يجمع بين الوحي والعقل والحس والأخلاق، ويؤكد أن “المعرفة في الإسلام متوجة بالأخلاق، فقيمة العلم تقاس بقدرته على التفسير والسيطرة وبقدر ما يقرب الإنسان من الصالح والتقوى والعدل والرحمة والحق”.
من النظرية إلى التطبيق: “محرك التحقق العقدي الذكي”
ما يميز هذا الكتاب عن كثير من الكتب التي تكتفي بالتنظير الفلسفي، هو أنه يقدم مشروعًا تطبيقيًا قابلًا للتنفيذ. في نهاية الكتاب، يقترح المؤلف بناء “محرك التحقق العقدي الذكي” (Intelligent Creed Verification Engine)، وهو طبقة برمجية وسيطة (Middleware) يمكن دمجها في منصات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
مهمة هذا المحرك هي تحليل المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي، واكتشاف العبارات والمفاهيم والتصورات التي قد تتعارض مع أصول العقيدة الإسلامية أو تقدم تصورًا يحتاج إلى مراجعة عقدية. وعندما يجد المحرك إشكالًا، فإنه لا يكتفي بإصدار تحذير، بل يقدم تفسيرًا موجزًا وإحالة إلى مصادر موثوقة، لمساعدة…






