يتيح الإعلان الدستوري حماية الحقيقة وكرامة الضحايا، لكنه لا يمنح تفويضاً مفتوحاً لتجريم النقد. والتحدي هو صياغة تشريع يصون التضحيات ويحفظ الحريات التي قامت الثورة من أجلها.
تواجه سوريا، وهي تبحث عن صيغة قانونية للتعامل مع إرث الاستبداد، سؤالاً يتجاوز العقوبة: كيف تحمي ذاكرة الضحايا من الإنكار والتشويه، وتصون كرامة رموز الثورة، من دون أن تمنح السلطة أدوات جديدة لملاحقة الرأي؟
يستحق هذا السؤال إجابة تتأنى في رسم الحدود بين القانون والأخلاق. فالإساءة إلى من دفعوا أثماناً باهظة في مواجهة القمع قد تستدعي استنكاراً واسعاً، لكن الانتقال من الاستنكار إلى العقاب يحتاج إلى نص واضح وأركان محددة وضمانات تمنع التعسف. وإلا أصبحت عبارة «حماية الثورة» قابلة للاستخدام في مواجهة الحريات التي منحت الثورة معناها.
المادة 49 من الإعلان الدستوري تجرّم تمجيد نظام الأسد ورموزه وإنكار جرائمه والإشادة بها وتبريرها والتهوين منها. لكنها لا تنص على جريمة عنوانها «الإساءة إلى رموز الثورة». ومع اشتراط المادة 17 وجود نص للجريمة والعقوبة، لا يستقيم قانوناً توسيع هذا التجريم بالقياس، أو اعتبار الانتقاص من شخصية ثورية دليلاً كافياً على تمجيد النظام السابق.
هذا التمييز لا يترك الأشخاص بلا حماية. فنصوص الذم والقدح في قانون العقوبات تتيح الملاحقة عند تحقق أركانها وشروطها، وتنظم أيضاً حالات تتعلق بالإساءة إلى المتوفين. غير أن هذه الحماية ترتبط بالفعل والشخص المتضرر، ولا تنشئ حصانة سياسية لفئة تحمل وصف «رموز الثورة».
والخيار التشريعي الأجدى هو تطوير حماية الكرامة والسمعة على أساس قواعد عامة، مع الفصل بين نسبة الوقائع وبين تقييم المواقف العامة. ويقتضي ذلك مراجعة النصوص القائمة لضمان دفوع الحقيقة والمصلحة العامة وحسن النية، وإتاحة التصحيح والرد والتعويض المتناسب. أما عبارة «الإساءة»، إذا تُركت بلا تعريف، فقد تتسع لتشمل التحقيق الصحافي والشهادة التاريخية والنقد السياسي.
ويظل للاحترام الأخلاقي مجال أوسع من مجال العقوبة. فمن الممكن الدفاع عن كرامة الشهداء والناجين، ورفض التشفي والإهانة، عبر أخلاقيات الإعلام والتعليم والتوثيق والنقاش العام. تستطيع الثورة أن تتمسك بقيمها الإنسانية، وأن تطالب باحترام تضحيات أبنائها، مع إبقاء أفعال الشخصيات العامة ومواقفها قابلة للنقد والمساءلة.
وينطبق هذا الحرص على التشريع المنفذ للمادة 49 نفسها. فالمطلوب تعريف دقيق للتمجيد والإنكار والتبرير والتهوين، وضبط القصد والعلانية والسياق. وينبغي أن يستطيع القاضي التمييز بين الإشادة بالجريمة وبين اقتباس خطاب مرتكبيها لتوثيقه أو نقده. وهذه القراءة تستلزم جمع المادة 49 مع حرية التعبير والضوابط المقررة لتقييدها في المادتين 13 و23.
ولا تكتمل الدقة من دون عقوبة متناسبة ورقابة على الإجراءات السابقة للحكم. فقد يؤدي التوقيف أو الحجب أو المصادرة إلى إسكات صاحب التعبير قبل أن تفصل المحكمة في مشروعية قوله. لذلك ينبغي أن يحدد القانون شروط هذه الإجراءات ومددها وطرق الطعن فيها، وأن يحمّل جهة الاتهام عبء إثبات الأركان، بعيداً من الافتراضات السياسية.
أما استثناء عدم الرجعية الوارد في المادة 49/2، فيحتاج إلى معالجة منضبطة تحترم وجوده وحدوده. وفي قراءة قانونية حذرة، لا يصح اعتباره إذناً تلقائياً بمعاقبة أقوال سابقة بموجب جريمة تعبيرية مستحدثة. وعلى المشرّع أن يفصل بوضوح بين مساءلة مرتكبي جرائم النظام السابق وبين المسؤولية عن التعبير عنها.
وتبرز هنا أهمية كشف الحقيقة. فالمادة 49 تجعل معرفة الحقيقة وإنصاف الضحايا وتكريم الشهداء جزءاً من مسار العدالة الانتقالية. ويمكن لهذا المسار أن يوفر أساساً أوثق لحماية الذاكرة، عبر جمع الوثائق والشهادات والتحقق منها وحفظها وإتاحتها وفق قواعد معلنة.
ويجب أن تصاحب هذا الانفتاح حماية جدية للبيانات الحساسة. فسرية هوية شاهد مهدد، أو معلومات ناجية، أو تفاصيل قد تضر بتحقيق قائم، يمكن تنظيمها بضمانات محددة. أما حجب الوقائع على نحو شامل بدعوى حماية الذاكرة، فيحرم المجتمع من الأدلة التي يحتاج إليها لفهم ماضيه. والأجدى أن يكون الحجب مسبباً ومحدوداً وقابلاً للمراجعة، مع التمييز بين ثبوت الانتهاك وثبوت مسؤولية شخص بعينه.
لهذا ينبغي أن تتقدم في العمل التشريعي قوانين كشف الحقيقة وحماية الشهود والأرشيف وجبر الضرر ورد الحقوق، بالتوازي مع ضمانات التقاضي والتنظيم الدقيق للتجريم. فهذه أولويات تمنح الضحايا مكاناً فعلياً في العدالة، وتتيح حماية سردية الثورة بالأدلة والشهادات والإنصاف.
إنسانية الثورة تظهر أيضاً في الطريقة التي تتعامل بها مع الاختلاف، وفي قدرتها على إخضاع العقاب للقانون. وكلما كانت الحقيقة متاحة وموثقة، والقضاء مستقلاً، وحقوق الإنسان مصونة، ازدادت قدرة المجتمع السوري على مواجهة التشويه وحماية ذاكرته.







