قراءة تحليلية في مظاهرات إيطاليا وألبانيا وتحولات المشهد الأوروبي
لم تعد المظاهرات التي تشهدها عدة دول أوروبية مجرد تحركات احتجاجية عابرة أو تجمعات غاضبة تنتهي بانتهاء اليوم… فالمشهد الذي يتشكل في شوارع أوروبا يحمل دلالات أعمق من الشعارات المرفوعة ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل العلاقة بين المواطن والدولة، ومدى قدرة الحكومات على احتواء الأزمات الاجتماعية والاقتصادية قبل أن تتحول إلى أزمات سياسية مفتوحة.
في الرابع والعشرين من أكتوبر 2026، تواصلت الاحتجاجات والتحركات الشعبية في عدد من المدن الأوروبية، وسط مطالب تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمة السكن، وتمويل التعليم، وتراجع الخدمات العامة، إلى جانب قضايا سياسية وحقوقية تختلف من دولة إلى أخرى… وفي الوقت الذي شهدت فيه بعض التحركات مسيرات سلمية، اتسمت احتجاجات أخرى بمواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب واعتقالات وهو ما يكشف أن الغضب الشعبي ليس كتلة واحدة، بل خليط من مطالب اجتماعية ومخاوف اقتصادية واعتراضات سياسية.
إيطاليا.. حين يصبح الغضب الاجتماعي اختبارا لهيبة الدولة
في إيطاليا، تصاعدت حدة التوتر بعد أعمال عنف شهدتها مدينة ميلانو خلال احتجاجات ارتبطت بارتفاع تكاليف المعيشة والاعتراض على الحروب وتدخلت قوات الأمن لتفريق الاشتباكات، بينما اتخذت السلطات إجراءات أمنية إضافية تحسبا لمظاهرات جديدة، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين مطالب المحتجين وحسابات الدولة في الحفاظ على النظام العام….
لكن قراءة ما يحدث في إيطاليا لا ينبغي أن تتوقف عند مشاهد المواجهات أو واجهات المتاجر المحطمة….. فالسؤال الأهم هو.. لماذا يشعر قطاع من المواطنين، وخاصة الشباب، بأن الأعباء الاقتصادية والاجتماعية أصبحت أكبر من قدرتهم على الاحتمال؟
عندما تتزايد تكاليف السكن والطاقة والمعيشة، وتصبح فرص الاستقرار أقل وضوحا يتحول الاستياء الاقتصادي تدريجيا إلى شعور سياسي بأن المؤسسات لا تستجيب بما يكفي لاحتياجات المواطنين. ومع ذلك فإن وجود مطالب مشروعة لا يمنح أحدا مبررا للاعتداء على الممتلكات أو تعريض الأرواح للخطر.. فحرية الاحتجاج حق، والعنف ليس بديلا عن الإصلاح.
أما ألبانيا، فقد شهدت موجة احتجاجات تصاعدت خلال أكتوبر مع انضمام طلاب وشباب إلى تحركات أوسع تطالب بمواجهة الفساد، وتحسين أوضاع التعليم، وخفض الأعباء الدراسية، وتوفير فرص أفضل للعمل والحياة…
ولم تعد المطالب محصورة في الجامعات، بل امتدت إلى دعوات لاستقالة رئيس الوزراء إيدي راما، في ظل اتهامات يوجهها المحتجون إلى الحكومة بشأن الفساد وسوء إدارة بعض الملفات، وهي اتهامات ينبغي التعامل معها بوصفها مطالب ومزاعم سياسية تتطلب تحقيقا ومحاسبة وفق القانون، لا باعتبارها أحكاما نهائية بمجرد ترديدها في الشوارع.
وتكشف الحالة الألبانية عن نقطة مهمة قد يبدأ الاحتجاج بسبب مطلب محدد، ثم يتحول إلى حركة أوسع عندما تتراكم مشاعر الإحباط ويشعر المشاركون بأن القنوات التقليدية للتعبير لم تحقق النتائج التي ينتظرونها. كما أن ارتباط بعض الاحتجاجات بمشروعات استثمارية مثيرة للجدل وقضايا حماية البيئة أضاف أبعادا جديدة إلى النقاش بشأن العلاقة بين التنمية والمصلحة العامة.
وهنا تظهر معضلة الحكومات… فالتعامل الأمني وحده قد يفرض هدوءا مؤقتا، لكنه لا يعالج بالضرورة الأسباب التي دفعت الناس إلى الخروج. وفي المقابل، فإن حماية حق التظاهر لا تعني التساهل مع الاعتداءات أو التخريب.. ويبقى التحدي الحقيقي في الجمع بين سيادة القانون والاستجابة السياسية الجادة للمطالب المشروعة.
ما وراء المشهد..هل تواجه أوروبا أزمة ثقة؟
إذا وضعنا ما يحدث في إيطاليا وألبانيا إلى جانب التحركات التي شهدتها فرنسا وإسبانيا والبرتغال ودول أوروبية أخرى.. فسنجد قاسما مشتركا يتمثل في القلق بشأن تكاليف الحياة، والسكن، والتعليم، والخدمات العامة، ومستقبل الأجيال الجديدة.
لكن تشابه بعض المطالب لا يعني أن جميع الاحتجاجات تتحرك بدافع واحد، أو أنها جزء من خطة موحدة…. فلكل دولة ظروفها السياسية والاقتصادية، ولكل حركة احتجاجية مطالبها وقياداتها وسياقها المحلي والخلط بين هذه الحالات قد يؤدي إلى استنتاجات مبالغ فيها لا تدعمها الوقائع.
ومع ذلك، فإن اتساع رقعة الاحتجاجات يفتح بابا مشروعا للتساؤل عن قدرة الأنظمة السياسية الأوروبية على تجديد الثقة العامة، وعن مدى نجاح السياسات الاقتصادية والاجتماعية في حماية الفئات الأكثر تأثرا بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة على تحمل تكاليف السكن والخدمات.
والأكثر أهمية أن الشباب لم يعودوا يكتفون بانتظار الوعود فهم يستخدمون وسائل التواصل لتنظيم التحركات وتبادل المعلومات ويبحثون عن مساحات أوسع للتأثير في القرارات التي تمس مستقبلهم. وقد تمنح هذه الأدوات الحركات الاحتجاجية قدرة على الانتشار السريع، لكنها لا تضمن وحدها تحول الغضب إلى برنامج إصلاحي واضح أو بديل سياسي قادر على إدارة الدولة.
قراءة ما بين السطور.. من المستفيد من اتساع الفجوة؟
هنا ينبغي أن نكون أكثر دقة في قراءة المشهد. فالأزمات الاجتماعية يمكن أن تستغلها قوى سياسية مختلفة لتوسيع نفوذها، وقد تحاول أطراف داخلية توظيف الاحتجاجات للضغط على الحكومات أو إضعاف خصومها.







