في مقبرة قديمة على أطراف إسطنبول، يقف رجل بين شواهد صامتة يسأل عن قبر لا يعرف مكانه أحد. الباحث هو الدكتور أيمن نور، رئيس حزب غد الثورة الليبرالي المصري، ومن يبحث عنه هو عبد الله النديم، خطيب الثورة العرابية وصاحب الكلمة التي طاردتها السلطات ولم تستطع إسكاتها.

من هذا المشهد يبدأ كتاب “رحلة البحث عن النديم في إسطنبول”، الصادر عام 2026 عن دار تاسك للنشر. ومنذ صفحاته الأولى يبدو أن المؤلف لم يخرج في رحلة سهلة.

منفى يخفي أكثر من حجر

خرج نور وفي ذهنه هدف محدد: الوصول إلى قبر النديم. لكنه اكتشف، كما يروي الكتاب، أن المنفى قد يخفي أكثر من حجر، وأن الأوراق قد تضيع كما تضيع العناوين. فالبحث عن مكان دفن رجل رحل قبل أكثر من قرن تحوّل إلى بحث أوسع عن وثائق غابت وأرشيف تبدّد وذاكرة لم تحفظ كل شيء.

ويتتبع الكتاب مسار النديم من الإسكندرية إلى يافا، ومن الثورة العربية إلى مقبرة يحيى أفندي في إسطنبول. وهو مسار رجل طاردته السلطات ورافقته الكلمة، ثم غاب شاهد قبره وبقي صوته.

كتاب لا يعلن العثور على القبر

ما يميّز الإصدار أنه لا يَعِد القارئ بخاتمة حاسمة. فهو، بحسب تعريف الناشر، ليس كتابًا يعلن العثور على القبر، بل رحلة تبحث عن الإنسان وراء الأسطورة، وعن الأوراق وراء الغياب. وهذه الصراحة تمنحه مصداقية خاصة، لأن الحكاية الحقيقية هنا هي الطريق نفسه، بما فيه من أبواب مغلقة وخيوط تنقطع وأسئلة تتناسل.

سيرتان تلتقيان

في أثناء الرحلة، وجد المؤلف ما يصل سيرة النديم بشيء من سيرته. يتحدث الكتاب عن مدينة الميلاد، وحلم الثورة، وصناعة الإعلام، والسجن، والمنفى، وحنين لا تشفيه المسافات. وهي محطات تجعل القراءة أقرب إلى حوار بين زمنين منها إلى سرد تاريخي بارد.

ولهذا الحوار وزن خاص، فأيمن نور من الوجوه السياسية المعروفة في مصر، وخاض تجربة سياسية وإعلامية ممتدة، وعرف السجن والغربة. وحين يقترب من النديم، فهو لا يقترب من رمز محفوظ في كتب التاريخ، بل من إنسان عاش معاني قريبة مما عاشه هو.

لماذا يهم النديم اليوم؟

يُعد عبد الله النديم من أبرز رموز الخطابة والصحافة في مصر الحديثة، وارتبط اسمه بالثورة العرابية وبالتوعية بالكلمة المكتوبة والمنطوقة. وفي زمن تتسارع فيه الأخبار وتتبدل فيه الأصوات، يعيد الكتاب طرح سؤال قديم متجدد: ماذا يبقى من الإنسان حين يغيب جسده وتضيع أوراقه؟ والجواب الذي يلمّح إليه العمل أن الكلمة تبقى.

بين الورقي والإلكتروني

الكتاب متاح بنسختين ورقية وإلكترونية عبر الرابط الذي نشرته الدار: https://tinyurl.com/tasq-nadim

ويختم المؤلف رحلته بعبارة تلخص روح العمل كله: لعلنا، ونحن نستعيد شيئًا من النديم، نستعيد شيئًا من أنفسنا.