يلفت الانتباه في النقاشات في فرنسا أن بعض العرب المقيمين فيها يتبنون خطاباً يلتقي مع خطاب اليمين المتطرف في عدائه الأجانب وتحميلهم مسؤولية الأزمات والاضطرابات. والمفارقة أن بعضهم يسارع إلى ترديد هذه الاتهامات، وكأنه يريد أن يثبت أنه مختلف عن الآخرين، وأن الطريق إلى القبول في المجتمع الفرنسي يمرّ عبر التبرؤ ممن يشتركون معه في الأصل أو تجربة الهجرة. هنا لا يعود السؤال متعلقاً بالاندماج وحده، بل أيضاً بما إذا كان السعي إلى الاعتراف بالذات قد يدفع بعض الناس إلى تبنّي الأحكام التي تستهدفهم هم أنفسهم.
لعل الخلط يبدأ من التعامل مع الاندماج والمواطنة وكأنهما شيء واحد، فالاندماج مسارٌ يتصل باللغة والعمل والمشاركة في الحياة الاجتماعية، ولا يقتضي التخلي عن الثقافة أو الذاكرة أو حق الاختلاف. أما المواطنة فهي وضع قانوني تحدّده شروط واضحة، وتترتّب عليه حقوق وواجبات. وهي ليست مكافأة على التشبه بالأكثرية أو إثبات الولاء للحكومة، ولا شهادة حسن سلوك سياسية يحصل عليها المرء بالتبرّؤ من الآخرين.
يظهر هذا الخلط لدى بعض السوريين والسوريات الذين يبدون كأنهم يراهنون على أن التماهي مع خطاب اليمين المتطرّف، والتشدد في إدانة المتظاهرين، والاصطفاف غير المشروط إلى جانب الشرطة، قد يعزّز فرصهم في الحصول على الجنسية الفرنسية. قد تكون وراء هذه المواقف قناعات سياسية فعلية، لكن المشكلة تبدأ حين يصبح إدانة المهاجرين الآخرين وسيلة لإثبات الأهلية للقبول، وكأن على المهاجر أن يقدّم شهادة إضافية على انتمائه لا يُطلب مثلها من سواه.
وفي الحالة السورية، ثمة ما يستحق التأمل في علاقة بعض هذه المواقف بثقافة الخوف التي ترسّخت في ظل نظام الأسد. فعلى مدى عقود، كان التقرّب من السلطة وإظهار الولاء لها وتجنّب إغضاب أصحاب النفوذ وسائل لتفادي الأذى وتدبير شؤون الحياة. وقد تستمر هذه الذهنية بعد مغادرة سورية، فتظهر في المبالغة في إرضاء السلطات القائمة، والتشدد في إدانة المحتجين، والاعتقاد بأن إظهار الطاعة قد يفتح أبواباً مغلقة.
المفارقة أن بعض من غادروا سورية هرباً من الاستبداد قد يحملون معهم شيئاً من منطقه، حتى بعد تغير الظروف والشعارات. لكن فرنسا ليست سورية الأسد، والمواطنة فيها ليست منحة شخصية من مسؤول، ولا يفترض أن تتوقف الحقوق على رضاه عن مواقف الفرد. والتحرّر من الاستبداد لا يتحقق بمجرّد مغادرة البلد، بل يتطلب أيضاً مراجعة العلاقة بالسلطة والتخلص من الاعتقاد بأن استرضاء الأقوى أنفع من التمسك بالحقوق.
ليس على السوري، أو على أي مهاجر آخر، أن يثبت أنه أكثر فرنسية من غيره، أو أن يدين أبناء الجاليات الأخرى كي يُنظر إليه جديراً بالقبول
شهدت فرنسا أخيراً احتجاجات رافقتها أعمال تخريب ونهب. ولا ينبغي تبرير هذه الأفعال أو إعفاء مرتكبيها من المسؤولية. لكن المسؤولية فردية، ويجب تحديدها استناداً إلى الوقائع والأدلة، لا إلى الأصول أو الأسماء أو الديانة. فإذا ارتكب شخص جريمة، وجبت محاسبته أياً كانت خلفيته. أما تحويل أفعال بعض الأفراد إلى اتهام جماعي للعرب والمسلمين، فهو استبدال للوقائع بالأحكام المسبقة، وللمحاسبة على الفعل بالإدانة على الهوية.
والأكثر غرابة أن بعض العرب يشاركون في نشر هذه الروايات، وكأن ترديد الاتهامات ضد أبناء جلدتهم دليل على الاندماج، أو وسيلة لإثبات أنهم أكثر استحقاقاً للقبول من غيرهم. هنا تبرُز مسألة كراهية الذات، لا بمعنى التنكّر للغة أو الثقافة بالضرورة، بل حين يتبنى المرء الأحكام المسبقة التي تستهدف جماعته، ويعيد استخدامها ضدها أملاً في أن يُستثنى منها. غير أن الخطاب العنصري لا يمنح أحداً ضمانة لمجرّد أنه يردده؛ فقد يظل عرضة للأحكام نفسها التي ظن أنه نجا منها.
ولا يعني التضامن مع المهاجرين تبرير التخريب، كما أن نقد الشرطة لا يعني الانحياز إلى مثيري الشغب. من حق الجميع المطالبة بتطبيق القانون، ومن حقهم أيضاً مساءلة المؤسسات الأمنية عن أساليب تدخّلها. فدولة القانون لا تُختبر فقط بقدرتها على معاقبة المخالفين، بل كذلك بضمان خضوع الجميع للقانون من دون تمييز.
لا يتطلّب الاندماج إنكار الذات، والمواطنة لا تُمنح مكافأة على الولاء السياسي، بل تقوم على حقوق وواجبات يحدّدها القانون
ليس على السوري، أو على أي مهاجر آخر، أن يثبت أنه أكثر فرنسية من غيره، أو أن يدين أبناء الجاليات الأخرى كي يُنظر إليه جديراً بالقبول. يمكن للإنسان أن يتعلم اللغة، ويحترم القانون، ويسهم في الحياة العامة، من دون أن يتخلى عن هويته أو يتبنى خطاباً معادياً للآخرين. كما أن الاندماج ليس مسؤولية الفرد وحده، بل يتطلب أيضاً مجتمعاً ومؤسّسات تتيح المشاركة والمساواة.
تخضع الجنسية لشروط قانونية محدّدة، لا لمسابقة في التشبه بالأكثرية. أما الاندماج فهو مسار للمشاركة في المجتمع، وليس امتحاناً لإثبات أن المهاجر لا يشبه سائر المهاجرين. وحين يصبح التبرّؤ من الذات شرطاً متخيلاً للقبول، يتحوّل الاندماج إلى محاولة دائمة لنيل رضا الآخرين، وتُختزل المواطنة في استرضاء السلطة.
ربما المفارقة الأعمق في أن بعض من يسعون إلى إثبات اندماجهم عبر التبرّؤ من الآخرين قد يعيدون، من دون وعي، إنتاج ثقافة الخوف التي عاشوها في ظل الاستبداد: إرضاء الأقوى، والبحث عن رضاه، والاعتقاد بأن القبول يُكتسب بالتنازل. لكن الاندماج لا يتطلّب إنكار الذات، والمواطنة لا تُمنح مكافأة على الولاء السياسي، بل تقوم على حقوق وواجبات يحدّدها القانون. ومن حق المرء أن ينتقد أبناء جماعته، وأن يرفض أخطاءهم، لكن ليس عليه أن يتنكّر لهم كي يثبت انتماءه إلى مجتمع جديد. فإذا كان الخروج من الاستبداد يعني مغادرة المكان، فإن التحرّر منه يعني أيضاً التخلص من منطقه. وماذا يبقى من معنى الحرية إذا غادرنا البلد هرباً من ثقافة الخوف، ثم حملناها معنا وأعدنا إنتاجها في علاقتنا بالسلطة وبالآخرين؟
- المصدر: موقع “العربي الجديد” إخباري







