أصدر مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية دراسة بعنوان «الجغرافيا في مواجهة الهيمنة»، تناولت التحولات التي أحدثتها الحروب التي بدأت مع «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر 2023، وكيف أعادت الجغرافيا والمضائق والممرات البحرية إلى قلب معادلات القوة والصراع في المنطقة والعالم. نص ملصق

ورأت الدراسة أن المواجهات التي امتدت من غزة إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن والبحر الأحمر والخليج وإيران لم تعد مجرد سلسلة من المواجهات العسكرية المنفصلة، وإنما كشفت عن تحول أوسع في طبيعة الصراع على مستقبل المنطقة والنظام الدولي.

وبحسب الدراسة، أظهرت التطورات أن التفوق العسكري والتكنولوجي والاستخباري للولايات المتحدة وإسرائيل يقابله عنصر قوة جغرافي تمتلكه المنطقة، يتمثل في وجود عدد من أهم عقد الطاقة والتجارة والممرات البحرية في العالم.

وأشارت إلى أن مضائق وممرات مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس لم تعد مجرد مواقع جغرافية تقع على هامش الصراعات، وإنما أصبحت عناصر مؤثرة بصورة مباشرة في حسابات الحرب والسلم والتصعيد والتهدئة. نص ملصق

هرمز.. المضيق الذي قيّد الحرب

واعتبر مركز حريات أن المواجهة مع إيران أظهرت الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي لم يعد مجرد ممر بحري للطاقة، وإنما أصبح أحد عناصر الردع المؤثرة في حسابات القوى الدولية.

ولفتت الدراسة إلى أن كل حديث عن توسيع نطاق الحرب أو استهداف إيران بصورة مباشرة كان يعيد إلى الواجهة مخاطر اضطراب الملاحة عبر هرمز وانعكاسات ذلك على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

وأكدت أن التأثير الاستراتيجي للمضيق لا يتطلب إغلاقه بصورة فعلية، إذ إن مجرد احتمال تعطل حركة الملاحة أو اضطرابها يمكن أن يؤدي إلى إرباك الأسواق ورفع أسعار الطاقة وزيادة المخاوف الدولية.

ورأت الدراسة أن هرمز دخل معادلة الحرب من خلال موقعه الجغرافي وتأثيره الاقتصادي، وفرض قيودًا على خيارات التصعيد، بما جعل الاقتصاد العالمي جزءًا من معادلة الردع المرتبطة بالمنطقة. نص ملصق

باب المندب.. جبهة امتدت إلى التجارة العالمية

وفي البحر الأحمر، ركزت الدراسة على الدور الذي لعبه باب المندب، معتبرة أنه يمثل أحد أهم نقاط الاختناق في حركة التجارة العالمية.

وأوضحت أن عمليات استهداف السفن واضطراب الملاحة في البحر الأحمر أدت إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتحويل مسارات عدد من السفن حول إفريقيا، إلى جانب إرباك سلاسل الإمداد العالمية.

وخلصت إلى أن تجربة باب المندب أثبتت أن التأثير في الاقتصاد العالمي لا يرتبط فقط بالسيطرة على العواصم أو امتلاك القدرات العسكرية الضخمة، وإنما يمكن أن يبدأ من القدرة على التأثير في ممر بحري ضيق تمر عبره حركة تجارية واسعة. نص ملصق

قناة السويس.. «الغائب الحاضر» في الصراع

وتناولت الدراسة موقع قناة السويس في هذه المعادلة، مشيرة إلى أنها لم تكن ساحة مباشرة للعمليات العسكرية، لكنها كانت من أبرز الممرات المتأثرة بتداعيات الصراع.

وأكدت أن كل اضطراب في باب المندب ينعكس على حركة الملاحة في قناة السويس، وأن اضطرار السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح يؤدي إلى تداعيات على التجارة العالمية والاقتصاد المصري.

واعتبر مركز حريات أن التطورات أثبتت أن قناة السويس ليست مجرد ممر اقتصادي، وإنما تمثل جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي والتجاري العالمي. نص ملصق

من جبل طارق إلى هرمز.. «قوس المضائق الإسلامية»

وطرحت الدراسة مفهوم «قوس المضائق الإسلامية»، الذي يمتد، وفق رؤيتها، من جبل طارق إلى قناة السويس وباب المندب وهرمز، وصولًا إلى البوسفور والدردنيل.

ورأت أن هذه الممرات لا تمثل مجموعة من المواقع الجغرافية المتفرقة، وإنما تشكل شبكة استراتيجية مترابطة تتحكم في جزء كبير من حركة الطاقة والتجارة العالمية.

واعتبرت أن هذا القوس يمثل أحد أبرز الأصول الجيوسياسية التي يمتلكها العالم الإسلامي في القرن الحادي والعشرين، خصوصًا مع تزايد المنافسة الدولية على الطاقة وطرق التجارة وسلاسل الإمداد. نص ملصق

لماذا تخشى واشنطن اضطراب الممرات؟

وربطت الدراسة بين استقرار النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة وبين استقرار الممرات البحرية الرئيسية، باعتبارها شرايين للطاقة والتجارة الدولية وركائز لاستقرار الأسواق وأمن الحلفاء الغربيين.

وبحسب الدراسة، فإن أي اضطراب واسع في هذه الممرات يتحول سريعًا إلى قضية ترتبط بالأمن القومي الأمريكي بسبب انعكاساته المحتملة على الاقتصاد والطاقة وحركة التجارة العالمية. نص ملصق

إسرائيل وحدود القوة أمام الجغرافيا

وتطرقت الدراسة إلى تأثير الجغرافيا على إسرائيل، معتبرة أن اعتمادها بدرجة كبيرة على التجارة البحرية واستقرار البحر الأحمر وشرق المتوسط يجعلها شديدة التأثر بأي اضطرابات واسعة في الممرات البحرية المحيطة بها.

ورأت أن هذا الوضع يكشف أن التفوق العسكري والتكنولوجي لا يلغي تأثير الجغرافيا، وأن اضطراب طرق التجارة والملاحة يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد والأمن. نص ملصق

لماذا لم تتحول الجغرافيا إلى قوة عربية وإسلامية موحدة؟

وفي المقابل، رأت الدراسة أن العالم العربي والإسلامي لم ينجح حتى الآن في تحويل هذه المزايا الجغرافية إلى مشروع قوة متكامل.

وأرجعت ذلك إلى عدة عوامل، في مقدمتها التجزئة السياسية، وتضارب المصالح، وغياب رؤية استراتيجية مشتركة، وضعف التكامل الاقتصادي، فضلًا عن الاعتماد الأمني على القوى الخارجية.

واعتبرت أن هذه العوامل جعلت المضائق والممرات البحرية مصدرًا لـ«قوة كامنة» أكثر من كونها مصدرًا لقوة منظمة ومتكاملة يمكن توظيفها ضمن استراتيجية مشتركة. نص ملصق

من امتلاك الموقع إلى صناعة القوة

وأكد مركز حريات أن الجغرافيا يمكن أن تتحول إلى مصدر للطاقة والتجارة والردع والسيادة والنفوذ الدولي، لكن ذلك يتطلب الانتقال من مجرد امتلاك الموقع إلى حسن توظيفه ضمن مشروع اقتصادي واستراتيجي متكامل.

ورأت الدراسة أن العالم يتجه إلى مرحلة تتراجع فيها الأحادية الأمريكية وتتزايد المنافسة على الممرات التجارية والطاقة وسلاسل الإمداد، وهو ما قد يرفع من الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط والعالم الإسلامي.

وخلصت إلى أنه إذا كان النفط قد مثّل أحد أبرز مصادر قوة المنطقة خلال القرن العشرين، فإن الجغرافيا قد تصبح من أهم مصادر قوتها في القرن الحادي والعشرين. نص ملصق

«الجغرافيا التي نملكها ويحكمها الآخرون»

وتحت هذا العنوان، خلصت الدراسة إلى أن الحروب التي اندلعت منذ «طوفان الأقصى» أظهرت أن الجغرافيا لم تعد مجرد مسرح تتحرك فوقه الجيوش، وإنما أصبحت عنصر قوة قائمًا بذاته.

وأشارت إلى أن هرمز كان حاضرًا كلما اقترب الصراع من إيران والخليج، فيما برز باب المندب مع اشتعال البحر الأحمر، وظهرت أهمية قناة السويس مع كل اضطراب أصاب طرق التجارة بين آسيا وأوروبا.

واعتبرت أن المفارقة تكمن في امتلاك العالم العربي والإسلامي جانبًا مهمًا من موارد الطاقة، إلى جانب مواقع ومضائق وممرات تتحكم في شرايين رئيسية للتجارة والطاقة العالمية، في حين تظل هذه المزايا موزعة بين دول متعددة ومحكومة بحسابات ومصالح متباينة.

ورأت الدراسة أن المشكلة لا تتمثل في نقص عناصر القوة، وإنما في عدم جمعها داخل رؤية مشتركة، محذرة من أن الجغرافيا التي لا تتحول إلى سياسة يمكن أن تتحول إلى عبء، وأن الممرات الاستراتيجية التي لا تدخل ضمن حساب متكامل للقوة قد تصبح خاضعة لترتيبات تضعها قوى أخرى.

وطرحت الدراسة سؤالًا مركزيًا حول أسباب عدم تناسب تأثير العالم العربي والإسلامي مع حجم ما يمتلكه من موارد ومواقع استراتيجية، معتبرة أن التحدي يتمثل في الانتقال من امتلاك الجغرافيا إلى امتلاك قرارها، وبناء قدرة اقتصادية وسياسية وأمنية مشتركة تتناسب مع أهمية الموقع. نص ملصق

15 توصية من مركز حريات

وقدم مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية 15 توصية لتحويل الموقع الجغرافي من مصدر قوة كامنة إلى قوة منظمة ومؤثرة.

ودعا إلى إعادة الاعتبار للجغرافيا السياسية باعتبارها أحد أهم مصادر القوة في العالم العربي والإسلامي، وإدراجها ضمن أولويات التفكير الاستراتيجي وصناعة القرار.

كما أوصى بالانتقال من التعامل مع المضائق والممرات البحرية باعتبارها أصولًا اقتصادية فقط إلى النظر إليها باعتبارها أصولًا استراتيجية تؤثر في الأمن والطاقة والتجارة والتوازنات الدولية.

ودعت الدراسة إلى بناء رؤية شاملة لـ«قوس المضائق الإسلامية» الممتد من جبل طارق إلى قناة السويس وباب المندب وهرمز والبوسفور، واستخلاص الدروس من قدرة الممرات البحرية على ممارسة تأثير وردع قد يوازي بعض أدوات القوة العسكرية التقليدية.

كما أوصت بتنشيط التعاون بين الدول الإسلامية المطلة على البحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي والمحيط الهندي، وتطوير القدرات البحرية واللوجستية والتكنولوجية، وإطلاق مشروعات مشتركة في الموانئ والنقل البحري والطاقة والربط اللوجستي.

وشملت التوصيات كذلك ربط أمن المضائق بالمصالح الاقتصادية والتنموية المشتركة، وتقليل الاعتماد الأمني على القوى الخارجية، وبناء ترتيبات إقليمية أكثر استقلالًا لإدارة أمن الممرات البحرية.

ودعا المركز إلى توسيع الاستثمار في الدراسات الجيوسياسية والبحرية والاستراتيجية داخل الجامعات ومراكز الفكر العربية والإسلامية، وإعداد كوادر متخصصة تستطيع التعامل مع التحولات المقبلة في طبيعة الصراع الدولي.

وأكد أن معارك المستقبل لن تدور فقط حول الأراضي والحدود، وإنما ستشمل المضائق والممرات وسلاسل الإمداد والطاقة والتكنولوجيا، وهي مجالات ترى الدراسة أن العالم الإسلامي يمتلك فيها مزايا استراتيجية استثنائية.

كما دعت إلى الاستعداد لنظام دولي يتجه نحو تعدد الأقطاب وتصاعد المنافسة على الممرات العالمية، وربط مشروعات النهضة والاستقلال الاستراتيجي بحسن توظيف عناصر القوة الجغرافية إلى جانب القدرات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والعسكرية.

واختتم مركز حريات توصياته بالدعوة إلى تحويل الجغرافيا من مصدر قوة كامنة إلى مصدر قوة منظمة ومتحركة، عبر بناء مؤسسات للتعاون والتنسيق وإطلاق مشروعات مشتركة تتجاوز حالة التشتت الحالية. نص ملصق