أعلنت الجمهورية الفيدرالية الديمقراطية الإثيوبية عن افتتاح مشروع سد “ميغيتش” المخصص للري بالقرب من مدينة غوندار في إقليم أمهرة، وذلك بعد فترة تشييد واجهت تعثرات وتأخيرات امتدت طوال تسعة عشر عاماً منذ انطلاق أعمال البناء.
إثيوبيا تفتتح سد ميغيتش وتثير قلق الأمن المائي المصري مجدداً
وجاءت هذه الخطوة الرسمية لتُعيد فتح ملف السدود الإثيوبية المقامة على حوض نهر النيل أمام واجهات النقاش الإقليمي، بالرغم من تسريبات وطمأنة تقارير وخبراء بأنه لا يشكل خطراً مباشراً على الحصة المائية التاريخية الخاصة بجمهورية مصر العربية.
يتزامن تدشين هذا السد الجديد مع ظرف حساسة بالغة التعقيد، يتسم باستمرار حالة الجمود والخلاف القائم بين العاصمة المصرية القاهرة وأديس أبابا حول ملف سد النهضة الإثيوبي الاستراتيجي، فضلاً عن المواقف السياسية الرسمية المعلنة مراراً وتكراراً برفض أي مساعٍ أو تحركات لإقامة سدود جديدة على مجرى النيل دون التوصل لاتفاقات قانونية ملزمة، باعتبار تلك القضية ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي الاستراتيجي.
تقييمات فنية مطمئنة وتأكيدات بحدود التأثير المائي
تواترت آراء الخبراء والمسؤولين السابقين لتهدئة المخاوف المثارة، حيث أجمع المتخصصون على أن التأثير الفعلي لهذا السد على الموارد المائية المصرية يكاد يقترب من المعدوم. وفي هذا السياق، أكد وزير الموارد المائية والري الأسبق حسام مغازي أن الحصص المائية المصرية تقع خارج نطاق التأثير المباشر لسد “ميغيتش”، مشدداً على أن السد الوحيد الذي يمتلك تأثيراً مباشراً وحقيقياً على حجم التدفقات المائية نحو الأراضي المصرية هو سد النهضة المبني على رافد النيل الأزرق.
من جانبه، أسهب أستاذ الموارد المائية والري بجامعة القاهرة عباس شراقي في تقديم قراءة فنية مفصلة، موضحاً أن مشروع سد “ميغيتش” يصنف ضمن المشروعات ذات الحجم الصغير نسبياً، نظراً لأن سعته التخزينية تقاس بالملايين وليست بالمليار متر مكعب، إذ تبلغ السعة التخزينية الإجمالية للسد نحو 185 مليون متر مكعب، مع تخصيص 116 مليون متر مكعب لأغراض الري الزراعي، و32 مليون متر مكعب لتوفير مياه الشرب لمدينة غوندار والمناطق المحيطة بها، ويستهدف المشروع ري مساحة أرض زراعية تقدر بنحو 40 ألف فدان (أو ما يتجاوز 17 ألف هكتار)، وهو ما يجعل انعكاساته على الحصة المائية ضئيلة للغاية.
لا تعتبر هذه القراءات الفنية وليدة اللحظة الراهنة، بل سبقتها تقديرات رسمية معلنة أدلى بها وزير الري المصري الأسبق محمد عبد المطلب خلال عام 2013، والتي استندت إلى دراسات فنية وهندسية معمقة أثبتت أن المشروع مخصص بالأساس لتلبية احتياجات الشرب والري المحلي هناك، ولا يحدث أي خلل أو تأثير سلبي على كميات المياه والتدفقات المائية الجارية نحو بحيرة ناصر.
دوافع المخاوف السياسية وغياب التسويات الملزمة
تثار التساؤلات المشروعة حول أسباب تزايد القلق بالرغم من المحدودية الفنية المعلنة؛ وهنا يرى المراقبون والمحللون أن الأبعاد السياسية هي التي تفرض هذه الحساسية المتزايدة متجاوزة الاعتبارات الحجمية والمائية البحتة. فمنذ تفجر أزمة سد النهضة الكبرى، باتت الدوائر السياسية في القاهرة تنظر إلى أي مشروع مائي إثيوبي جديد يطرح على أحواض النهر باعتباره حلقة في سلسلة استراتيجية أوسع تتبناها أديس أبابا لفرض السيطرة المطلقة والانفراد بموارد النهر التاريخية، بغض النظر عن محدودية الأثر المباشر على أرض الواقع.
تتضاعف هذه المخاوف بالنظر إلى حقيقة اعتماد الجمهورية المصرية الكلي والكامل على مياه نهر النيل كمصدر رئيسي لتوفير نحو 97% من احتياجاتها المائية اللازمة بمختلف القطاعات، وهو الأمر الذي يضع كل تحرك أو مشروع تقيمه الدولة الإثيوبية تحت مجهر الرقابة والمتابعة الدقيقة والمستمرة، سيما في ظل تعثر جولات المفاوضات الثنائية والجماعية الخاصة بسد النهضة على مدار سنوات طويلة دون الوصول لصيغة توافقية مرضية.






