مرافعة أوباما ضد الرجل البرتقالي…
مدرسة المعارضة بالكفاءة لا بالضجيج

في كليفلاند، وضع باراك أوباما سياسة دونالد ترامب أمام سؤال قصير، تتسع إجابته لحساب حرب كاملة: ماذا حققت؟ وهل أصبح الأمريكيون وحلفاؤهم أكثر أمنًا، أم دفعوا ثمنًا أكبر للحصول على أمان أقل؟

قوة السؤال أنه يسحب من الحاكم امتياز الحديث عن نياته، ويضع أمامه نتائج قراراته. يستطيع الرئيس أن يصف نفسه بالشجاعة، لكن عليه أن يشرح لجندي لماذا اتسعت دائرة الخطر حوله، ولأسرة لماذا ارتفعت كلفة معيشتها، ولحليف لماذا وصلت النار إلى أبوابه.
من هنا تبدأ مدرسة المعارضة بالكفاءة: معرفة الموضع الذي ينبغي أن يُطرح فيه السؤال، ثم امتلاك الحجة التي تمنع السلطة من الهرب إلى موضوع آخر.

ربط أوباما بين أمن القواعد، واستنزاف الذخائر، واضطراب الملاحة، وأسعار الوقود. جمع ما تحاول السلطة توزيعه على ملفات منفصلة، وأظهر الصلة بين القرار العسكري وفاتورة المواطن.

هذه مهارة سياسية تستحق التأمل. فالناخب قد لا يتابع تفاصيل الانتشار العسكري، لكنه يعرف كم يدفع لملء سيارته. والمعارض الكفء يستطيع شرح الطريق الذي قطعه القرار من مكتب الرئيس إلى جيب المواطن، دون أن يختزل السياسة أو يستخف بعقل الناس.
وأوباما يدافع، بالطبع، عن حزبه وإرثه. انحيازه معلوم، وحجته تظل قابلة للفحص. فلا عصمة للمتحدث بسبب بلاغته، ولا سقوط للحجة لمجرد أن لصاحبها مصلحة في عرضها.

وفي تقديري، تكمن أهم دروس هذه المرافعة في اختيار ميزان المحاسبة. هل نقيس القوة بعدد الأهداف التي دُمّرت، أم بمقدار الخطر الذي جرى تقليصه؟ هل يكفي إسقاط صواريخ على الخصم لإعلان النجاح، إذا كانت النتيجة انكشاف الحلفاء واضطراب الأسواق واتساع احتمالات التصعيد؟
المعارضة التي تمتلك معيارًا واضحًا تستطيع مقاومة سيل البيانات والانتصارات المعلنة. أما التي تكتفي بالغضب، فتمنح السلطة فرصة تحويل النقاش إلى مسابقة في ارتفاع الصوت.

وأضع موقفي واضحًا: لا أجد سببًا للإعجاب بالسياسة الإيرانية في منطقتنا خلال العقود الماضية. تدخلاتها، واستثمارها الانقسامات المذهبية، ودعمها تشكيلات مسلحة على حساب الدولة الوطنية، خلفت جراحًا عربية عميقة.

وأرفض كاملًا اعتداءها على الدول العربية الخليجية وغيرها، واستهداف المدنيين والمنشآت ومصادر الرزق. تعرض إيران للعدوان لا يمنحها حق الاعتداء على جيرانها، ولا يجعل أمن العرب مباحًا في حسابات ردها.

وفي رقبة إيران مسؤولية اعتداءاتها، كما تبقى في رقبة الرجل البرتقالي مسؤولية إشعال الحرب وتوسيع دائرة أخطارها. المسؤولية عن البداية لا تمحو المسؤولية عن الرد، وجريمة الرد لا تمنح قرار البداية براءة بأثر رجعي.

وهذا أيضًا من كفاءة المعارضة: استقلال الحكم الأخلاقي والسياسي عن إغراء الاصطفاف. نستطيع إدانة عدوان ترامب دون تبرئة طهران، والدفاع عن أمن الخليج دون منح واشنطن تفويضًا بالحرب.

أقوى حجج أوباما تتعلق بالبديل الذي جرى تفكيكه: الاتفاق النووي. فقد وضع قيودًا قابلة للقياس والتحقق على البرنامج الإيراني، دون أن يشترط تحول النظام إلى صديق.

كانت له نواقص وآجال محددة، ولم يعالج كل تدخلات طهران وصواريخها. لكن من يقرر هدم ترتيب قائم يتحمل عبء تقديم ترتيب أفضل، وإثبات أن كلفة اختياره أقل من كلفة تطوير ما كان موجودًا.

هنا تتقدم الحجة على الشتيمة: أين البديل الذي جعل إيران أبعد عن السلاح النووي، والمنطقة أقل تعرضًا للحرب؟
لا تكفي عيوب الاتفاق لتبرير كل ما أعقب الانسحاب منه. وبين الانسحاب والحرب قرارات ومسؤوليات متعددة، لكن السؤال يظل قائمًا عن الأداة التي أُسقطت، والضمانة التي حلت محلها.

ثم إن تقويض التعهدات يضر بقيمة التفاوض نفسه. فالدولة التي ترى اتفاقًا يُبرم في عهد، ثم يُفكك في العهد التالي، ستعيد حساب ما تتنازل عنه وما تستطيع الوثوق بالحصول عليه.

وقد تنتهي سياسة ترفع شعار منع الانتشار إلى تشجيعه، إذا خلصت أنظمة أخرى إلى أن بقاءها مرهون بامتلاك قدرة أشد تدميرًا.
هذه نتيجة تستحق الفحص قبل إطلاق التهديد التالي. فالدبلوماسية تحتاج إلى تعهدات تتجاوز أعمار الحكومات، وإلا أصبح كل تفاوض هدنة شخصية تنتهي بمغادرة صاحبها مكتبه.

وفي هرمز، تظهر المفارقة بين التفوق العسكري والقدرة على فرض الاستقرار. وصف أوباما قدرة إيران على تعطيل المضيق بأنها «فيتو». والمقصود نفوذ عملي، لا حق قانوني في تهديد الملاحة.

قد يعجز الطرف الأضعف عن هزيمة الأسطول الأقوى، ويظل قادرًا على رفع كلفة العبور والتأمين والطاقة. وعندئذ، تتسع الأزمة خارج ميدان القتال، ويكتشف صاحب القوة أن تدمير الأهداف أسهل من حماية شبكة المصالح التي عرضها للخطر.
والحديث عن استنزاف الذخائر يحتاج بدوره إلى دقة؛ تختلف المخزونات والقدرة على تعويضها باختلاف أنواعها. المبالغة هنا تضعف حجة صحيحة في أصلها: الحرب الطويلة تختبر قدرة الصناعة والإمداد، كما تختبر قدرة السلاح.

وتمتد الفاتورة إلى الداخل الأمريكي وإلى العالم. ارتفاع الطاقة يضغط على النقل والإنتاج والغذاء، وإن لم يكن وحده تفسير الغلاء. وأمريكا المنتجة للنفط تظل داخل سوقه العالمية؛ ما تكسبه شركة قد تدفعه أسرة.

أما الدول المستوردة، والمثقلة بالديون مثل مصر، فتتحمل ضغوط قرار لم تشارك فيه. ومن حق الحلفاء العرب أن يسألوا عن سياسة تطلب منهم الثقة بضماناتها، بينما لا تجعل أمنهم قيدًا حقيقيًا على قراراتها.

والمعارضة الكفؤة تكشف هذا التفاوت: من يقرر؟ من ينتفع؟ من يتحمل الخسارة؟ وأين يقف المواطن في حسابات الجميع؟

وخلف النتائج يقف سؤال الشرعية. الدستور الأمريكي يوزع صلاحيات الحرب بين الكونغرس والرئيس، ويضع القانون التزامات بالإبلاغ والرقابة وحدودًا لاستمرار العمليات دون تفويض، وفق شروطه.
الفوز بالانتخابات لا يمنح ملكية أرواح الجنود. وفوق القانون الداخلي، تبقى قواعد ميثاق الأمم المتحدة؛ فلا يكفي اقتناع رئيس بأن خصمه خطر لإثبات مشروعية الحرب عليه.
وينبغي أن يسري هذا الميزان على أوباما نفسه، فسجله في استخدام القوة، ومنه ليبيا، يستحق المساءلة. المعارض الذي يستثني تاريخه من المبدأ يضعف حقه في الاحتجاج به على خصمه.

أما سخريته من هيغسيث ومظاهر الخشونة والعناية بالصورة، فقد أصابت موضعًا سياسيًا حين كشفت الفجوة بين الاستعراض والكفاءة. وحين تتوقف السخرية عند الهيئة تصبح أضعف؛ قيمتها أن تقود إلى مساءلة الأداء.
الضحكة تمنح الجمهور مسافة من هيبة المسؤول، ثم تأتي الحجة لتملأ هذه المسافة بالأسئلة. وما يحتاجه الجندي خطة واقعية وإمدادًا وحماية، مهما أحسن الوزير الوقوف أمام المرآة.

هنا يصل درس كليفلاند إلى معارضاتنا العربية، مع الاعتراف أولًا باختلاف شروط العمل. فمعارضة تتحرك داخل منافسة انتخابية ومؤسسات قائمة، تملك فرصًا تُحرم منها معارضات تواجه السجن والمنفى وإغلاق المجال العام.
لدينا كفاءات وشجاعة وتجارب دفعت أثمانًا فادحة. والقمع مسؤول عن إهدار قدر كبير من هذه الطاقة. لكن مراجعة أدواتنا تظل واجبة: توثيق أدق، وأسئلة محددة، وبدائل يمكن مناقشتها، وقدرة على مخاطبة المتردد والمختلف، إلى جانب المؤيد.
والرقي في المعارضة لا يعني خفض سقف النقد أو مجاملة الحاكم؛ يعني أن يحتفظ الناقد بميزانه حين يغضب، وألا يستعير خطأ خصمه ليصنع منه عذرًا لخطئه.

بعض خطابنا يستنزف نفسه في تكرار الإدانة، وبعضه يجعل خصومة الداخل مبررًا للاستقواء بعدوان الخارج. ومن حق شعوبنا معارضة ترفض استبداد حكامها، وترفض معه الوصاية الإيرانية والعدوان الأمريكي، وتملك تصورًا لما تريد إقامته حين تتاح لها فرصة التغيير.
تلك هي المدرسة التي تستحق أن نناقشها في مرافعة أوباما: كيف يصبح الاعتراض معرفة منظمة، وكيف يتحول الغضب إلى رقابة، وكيف يُستدعى البرلمان قبل الحرب، ويُستدعى المواطن إلى الحساب بدل أن يُستدعى فقط إلى الدفع؟
الرجل البرتقالي يستطيع إعلان النصر أمام الكاميرات. والمعارضة التي تعرف واجبها تبقي السؤال مفتوحًا بعد انصرافها: ماذا حققت، ولمن، وبأي ثمن؟