يعرف المصريون “العِلْق” بالفطرة؛ لا يحتاجون إلى شهادة في علم النفس، ولا إلى اختبار للشخصية.. تكفي حركة مائعة، أو نكتة سمجة، أو استظراف في غير موضعه، حتى يصدر الحكم: “ده عِلْق!”.. وقد يكون الرجل متعلماً، أنيقاً، صاحب منصب وهيبة مصطنعة، لكنه يظل عِلْقاً؛ لأنه لا يعرف الفرق بين خفة الظل وخفة العقل، ولا بين الحضور والمنظرة، ولا بين الثقة بالنفس والاستهبال على الناس.. يتكلم أكثر مما يفكر، ويتحرك أكثر مما ينجز.. وإذا أخطأ، لم يخجل من الخطأ؛ بل استظرف في تبريره!
وللعلوقية أعراض لا تخطئها العين: الميوعة، والسماجة، والفزلكة، والاستعراض، والاستسهال، وغياب الاتزان.. يبالغ العِلْق في كل شيء إلا تقدير المسؤولية.. يهوى العلق الأضواء، ويكره المرايا.. يعشق التصفيق، ويضيق بالأسئلة.. يريد أن يكون محور كل مشهد، حتى لو كان المشهد جنازة! والأخطر أنه لا يعرف أنه عِلْق؛ بل يعتقد أن الآخرين يفتقدون خفة ظله وعبقريته..
لكن ماذا لو انتقلت هذه الصفات من الأشخاص إلى السياسات؟ ماذا لو أصبحت الميوعة منهجاً، والفزلكة تخطيطاً، والمنظرة إنجازاً، والاستظراف وسيلةً للهروب من الأسئلة؟ هنا نكون أمام “العلوقية السياسية”؛ حين تصبح صورة القرار أهم من منطقه، والإعلان عنه أسبق من تقييمه، وتبرير نتائجه أسهل من الاعتراف بأخطائه.. ليست العلوقية السياسية مجرد قرار خاطئ؛ إنها الطريقة التي نحول بها الخطأ إلى عرض ناجح، ثم نطالب الجمهور بالتصفيق!
تبدأ العلوقية بالميوعة في الاختيارات؛ نريد اقتصاد السوق، لكننا نحب التحكم فيه.. نريد المستثمر، لكننا نترك حدود المنافسة ملتبسة.. نطالب الناس بالتخطيط للمستقبل، بينما تتغير بعض قواعد اللعبة قبل أن يستوعبوا قواعدها السابقة.. نريد الشيء ونقيضه، ثم نسمي ذلك مرونةً! فالمرونة أن تغير اتجاهك عندما تتغير الظروف؛ أما الميوعة فهي ألا يعرف أحد اتجاهك من الأساس.. وقد يتحمل الاقتصاد قراراً صعباً، لكنه لا يحتمل أن يتحول توقع القرار التالي إلى مسابقة في قراءة الطالع..
وتظهر الفزلكة حين تصبح معالجة المشكلة أكثر تعقيداً من المشكلة نفسها.. نصدر قراراً، ثم نعدل آثاره بقرار آخر، ثم نحتاج إلى إجراءات لتصحيح نتائج التعديل.. وإذا تعثرت الأمور، أعلنا حزمةً جديدةً من الحلول.. ولا عيب بطبيعة الحال في مراجعة القرارات؛ العيب أن يغيب تفسير أسباب الخطأ، وأن يتحول التصحيح إلى بطولة مستقلة.. العيب أن نفتح حفرةً، ثم نحتفل بردمها، ونطالب الناس بشكرنا لأن الطريق عاد صالحاً للمشي!
ثم تأتي المنظرة، وهي الابنة المدللة للعلوقية السياسية.. نعشق المشروعات الضخمة، والافتتاحات المبهرة، واللقطات الجوية، والموسيقى التصويرية.. تتحول أحياناً طريقة عرض الإنجاز إلى إنجاز موازٍ.. وتصبح الأسئلة عن التكلفة والعائد والأولوية ضيوفاً ثقيلة على حفل الافتتاح.. فالمنظرة تقيس الإنجاز بطول الشريط الذي يُقص، لا بحجم العائد الذي يتحقق..
ولا تكمن المشكلة في بناء طريق أو تشغيل مونوريل؛ فقد يكون المشروع ضرورياً ومدروساً.. تكمن المشكلة في أن ضخامة المشروع لا تثبت وحدها أنه الاختيار الأفضل في توقيته وتكلفته.. يمكن أن ترتفع الأعمدة عشرات الأمتار، بينما تظل خدمات أخرى عند مستوى الأرض !وليس كل ما يرتفع إلى السماء يرفع مستوى المعيشة، وليس كل ما يلمع في الصورة ذهباً في ميزان الاقتصاد.. والإنجاز الهندسي لا يُعفي من الحساب الاقتصادي..
وتنتقل العدوى إلى التعليم؛ تتغير الأنظمة والمسارات والمسميات، وتتجدد الوعود، وتبدأ كل تجربة بحماس كبير.. لكن السؤال يظل معلقاً: ماذا تعلم التلميذ؟ وما نتائج الإصلاح السابق؟ نغير نظام الثانوية كما نغير ديكور الصالون، ثم نكتشف أن المشكلة ليست في لون الستائر! فالتعليم لا يتطور بكثرة أسماء الأنظمة، ولا ترتفع جودة المدرسة بعدد المؤتمرات التي تعلن تطويرها.. ولا ينبغي أن يدفع التلميذ ثمن تجربة لا نعرف كيف سنقيس نجاحها..
وتبلغ السماجة ذروتها في الخطاب الاقتصادي؛ يسأل المواطن عن الأسعار، فيسمع عن النمو.. يسأل عن دخله، فيحدثونه عن الاستثمارات.. يشكو من فاتورة الكهرباء، فيُبشر بمستقبل مشرق.. وقد تكون المؤشرات صحيحة، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال.. فالمواطن لا يسدد فاتورة الكهرباء ببشائر الخير، ولا يشتري اللحم بتفاؤل المسؤولين! وحين يكرر المتحدث الإجابة نفسها، لا يصبح المواطن أكثر اقتناعاً؛ بل يصبح السؤال أكثر إلحاحاً..
أما الاستظراف، فيظهر حين تتحول الأزمات إلى مناسبات لإطلاق الإفيهات.. تُقال النكتة، وتنتشر اللقطة، ويضحك الحاضرون، ثم يعود الناس إلى أزماتهم كما تركوها..وليست السياسة “سيت كوم”، والنكتة التي تضحك القاعة لا تدفع إيجار البيت.. وقد يكون أسوأ أنواع الاستظراف أن يضحك من المشكلة من لا يتحمل تكلفتها..
وتكتمل الأعراض حين يصبح السؤال عن النتائج أقل ترحيباً من الثناء على الجهود.. نسأل عن الجدوى، فيأتي الرد عن النوايا.. نسأل عما تحقق، فنسمع عما بُذل.. نسأل عن الخطأ، فيبدأ شرح الظروف.. وكأن السؤال جريمة، والإجابة عنه تنازل! فالجهد ليس بديلاً عن النتيجة، وحسن النية ليس شهادة ضمان للقرار.. ومن يتحمل التكلفة يملك حق السؤال، دون أن يُطلب منه إثبات وطنيته أولاً..
وتصنع هذه الأعراض دائرةً مغلقة: يسبق الإعلانُ الحسابَ، ويتقدم الاستعراضُ على التقييم، ويأتي التبريرُ قبل المراجعة.. ثم تتغير اللافتات، وتتجدد الشعارات، وتبدأ دورة أخرى.. يتغير الديكور، ويبقى السيناريو. وتتبدل الوعود، وتظل الفاتورة عند المواطن..
لا تحتاج الجدية إلى وجوه عابسة، ولا إلى أصوات جهورية، ولا إلى مكاتب فخمة.. تحتاج إلى عقل يحسب، ومؤسسة تراجع، وقرار يتحمل أصحابه نتائجه.. فالهيبة لا تُصنع بالمنصات، والإنجاز لا يُقاس بالتصفيق؛ والدولة التي تحتاج إلى شرح إنجازاتها أكثر مما يحتاج المواطن إلى استخدامها، عليها أن تراجع طريقة قياس النجاح!
يستطيع المصري أن يتجنب العِلْق في جلسة، أو يترك له المكان وينصرف.. لكنه لا يستطيع الانصراف من آثار السياسات التي تحكم معيشته.. ولهذا تصبح العلوقية السياسية أخطر من مجرد خفة دم ثقيلة؛ تصبح خفة قرار يدفع ثمنها آخرون..
وإذا كانت العلوقية في الأشخاص تُسقط الهيبة، فإن العلوقية في السياسات تُسقط الثقة.. والفرق أن الأولى تضحك الناس، أما الثانية فقد تجعلهم يضحكون من شدة الغلب!
صحّح الأخطاء الطباعية واللغويةأضف عناوين داخلية للفقراتخفّف التكرار بين الأعراض السياسية







