في حوار صريح مع الإعلامي والكاتب والممثل أحمد سالم، وضع الدكتور حسام بدراوي يده على ما يراه أخطر ملفات الاقتصاد المصري: دين تتجاوز كلفة خدمته ما تنفقه الدولة على الصحة والتعليم مجتمعين.
الأنيميا الاقتصادية
اختار بدراوي، وهو طبيب وسياسي، تشبيهاً من عالم الطب. قال إن مريض الأنيميا قد يبدو بخير حين تكون نسبة الهيموجلوبين عنده 12، لكن مخزون الحديد في جسمه قد يكون قد وصل إلى الصفر. وهكذا، في رأيه، حال الاقتصاد حين يسدد الدولة التزاماتها من مخزونها الرئيسي بدلاً من أن تسددها من موارد وإيرادات جديدة.
وأكد أن الاقتراض ليس عيباً، فكل الدول تقترض، لكن بشرط واضح: أن يكون القرض لزيادة الوظائف وبناء الإنتاج، وأن يخلق عائداً يمكّن الدولة من السداد. وإذا لم يتحقق ذلك فالاقتراض كان خاطئاً من أساسه. وبحسب قوله، يقول الواقع إن خدمة ديون مصر أصبحت تفوق موازنتي التعليم والصحة معاً.
حكومة سياسية لا تقنية
سأله سالم إن كان هذا الوضع مقبولاً، وهل يرى أن وقت رحيل حكومة الدكتور مصطفى مدبولي قد حان. أجاب بدراوي بأن الرحيل مقبول في رأيه، رغم وجود وزراء متميزين داخلها. لكن المشكلة عنده في طبيعة الحكومة نفسها، فهي في تقديره ليست حكومة تقنية بل حكومة سياسية، ويجب أن تُقيَّم بميزان السياسة.
ثم طرح السؤالين اللذين اعتبرهما جوهر المحاسبة: هل يقدر المخزون على النهوض من النزيف؟ وهل تمنح الحكومة المواطنين حقوقهم الأساسية أم تحمّلهم تكلفتها؟ ولهذا، كما قال، يشتكي الناس.
ورأى أن من المسؤولية السياسية تحديد من يصلح للاستمرار في أي حكومة قادمة ومن لا يصلح. ورفض الخوض في أسماء بعينها، واكتفى بالقول إنه يستطيع تعديل نصف الوزارة بوزراء جادين في عملهم، لكن السؤال يبقى: هل هم وزراء سياسيون؟
التعليم من رؤية 2030
وفي ملف التعليم، الذي يرتبط باسمه كلما جرى الحديث عن التطوير، روى بدراوي تجربته عضواً في البرلمان ومسؤولاً عن التعليم في حزبه. وقال إن ما كُتب واتُّفق عليه قبل 26 عاماً لم يعد صالحاً اليوم، فالدنيا تتغير وشكل المدرسة يتغير، ودخول الذكاء الاصطناعي يفرض تعديل المناهج بشكل مختلف.
وأشار إلى مشاركته في وضع رؤية مصر 2030 للتعليم عام 2014، وإلى محاورها الخمسة، ومنها هيئة للجودة والاعتماد، وحوكمة وإدارة لا مركزية، والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. وأهم هذه المحاور عنده بناء شخصية التلميذ، وهي لا تُبنى بمنهج بل بمعايشة داخل المدرسة: 180 يوم دراسة و7 ساعات يومياً، يحضر فيها المعلم والرياضة والفن والموسيقى والخدمة المجتمعية.
إشادة وملاحظة
لم يخلُ حديثه من الإنصاف، فأشاد بجهد وزير التربية والتعليم محمد عبداللطيف في زيادة أيام الدراسة وخفض متوسط كثافة الفصول، وقال إنه يرى الحلو ويرى الخطأ في آن. لكنه شدد على أن المعلم هو قلب العملية التعليمية.
المعلم والقاضي والطبيب
وختم بموقف لافت: يرى أن القاضي والطبيب والمدرس ينبغي أن تكون رواتبهم الأعلى في الدولة، حتى فوق راتب رئيس الجمهورية. وهو يدرك أن رأيه قد يُعدّ مبالغة، لكنه يرى أن الدولة لا يجب أن تتركهم يحتاجون إلى أخذ المال من الناس. فحين يرتفع مستوى التعليم، وتنتهي الدروس الخصوصية، تُطبَّق السياسات المنسجمة معاً لا بالتجزئة، ويبقى حديث بدراوي، بين تحذير اقتصادي وروشتة تعليمية، رسالة إلى صناع القرار: الأرقام الظاهرة قد تخفي مخزوناً منهكاً، والعلاج يبدأ بالاعتراف بالأزمة.






