ليس من العدل اختزال إنسان في كلمة «تافه»؛ فالأشخاص معقّدون وقادرون على التغيّر. والأدق أن نتحدث عن “التفاهة بوصفها سلوكًا أو نهجًا”، لا حكمًا نهائيًا على قيمة الإنسان. وقد نصف شخصًا بالتفاهة حين يتكرر منه الاستخفاف بالمعرفة والحق والمسؤولية، أو حين يجعل المظهر والضجيج أهم من الجوهر والأثر.

واذا احببنا تعريف التفاهة ومعناها سنجد افضل وصف ان التفاهة هي اختلال في ترتيب الأولويات: ينشغل المرء بما لا ينفع، أو يضخّم الأمور الهامشية، بينما يهمل ما يمسّ كرامة الناس ومصالحهم ومستقبلهم. وقد تظهر في السعي إلى الشهرة لمجرد الشهرة، أو ترديد الآراء من غير تمحيص، أو الاكتفاء بالمظاهر بدل العمل والمعرفة.

لكن ليس كل ما هو بسيط تافهًا، وليس كل ترفيه أو حديث عابر مدعاةً للنقد. تصبح التفاهة مشكلة حين تطغى هذه الاهتمامات على الواجبات، أو تُستخدم لإيذاء الناس وتضليلهم، أو تصرف عن القضايا التي تستحق الانتباه.

ولكن هل التفاهة تعميم ام ان هنالك أشكال من التفاهة؟

واقول هنا للتفاهة صور متعددة، وقد تجتمع في سلوك واحد:

  • تفاهة فكرية:ترديد الشائعات والأفكار الجاهزة، ورفض التحقق أو الاعتراف بالخطأ.
  • تفاهة أخلاقية:الكذب أو التنمّر أو التملق، وتبرير الأذى ما دام يحقق مصلحة شخصية.
  • تفاهة اجتماعية:الحكم على الناس بمظهرهم أو مالهم أو شهرتهم، بدل أخلاقهم وأعمالهم.
  • تفاهة إعلامية:تحويل كل قضية إلى استعراض، وتقديم الإثارة والفضائح على المعرفة والتحليل.
  • تفاهة استهلاكية:جعل قيمة الإنسان مرتبطة بما يملك أو يشتري، والانشغال بالمظاهر على حساب المعنى.
  • تفاهة مهنية:أداء العمل بلا أمانة أو إتقان، والاستهانة بالمسؤولية والوقت وحقوق الآخرين.
  • تفاهة سياسية:إطلاق الوعود بلا خطط، واستغلال الانفعالات، وتقديم الولاء الشخصي أو الاستعراض على الكفاءة وخدمة الناس.

والنقد هنا موجّه إلى السلوك وآثاره، لا إلى حق الإنسان في الترفيه أو اختلاف الذوق أو بساطة الاهتمامات.

والسؤال الأكثر شيوعا هو لماذا يختار حاكم او رئيس وزراء بعض الناس سياسيين يصفهم آخرون بالتفاهة؟

اولا لا يختار الناخبون دائمًا على أساس الكفاءة وحدها؛ فقد تؤثر في قراراتهم عوامل كثيرة. قد يفضّل بعضهم مرشحًا لأنه قريب من الناس أو يتحدث بلغة سهلة، أو لأنه يمثّل احتجاجًا على النخب والأحزاب القائمة. وقد تلعب الهوية والانتماءات والمصالح المحلية دورًا، كما قد تسهم الحملات الإعلامية في صناعة صورة جذابة تتقدم على فحص البرنامج والسجل العملي.

وتزيد المشكلة حين تضعف الثقة بالمؤسسات، أو تنتشر المعلومات المضللة، أو تكون الخيارات محدودة. عندئذ قد يبدو المرشح التافه والصاخب أو صاحب الوعود السهلة أكثر جاذبية من مرشح كفء لا يحسن التواصل.

لكن وصف مرشح أو مسؤول بأنه «تافه» يظل حكمًا يحتاج إلى أدلة ومعايير؛ فالأفضل تقييمه من خلال كفاءته ونزاهته وقراراته، لا الاكتفاء بالشتيمة أو الانطباع. و بعض رؤساء الحكومات يفضلون التافه لانه سهل جدا التحكم فيه و في اي قرار يسند له لانه تافه لا يقراء و لا يعلم و لا يجادل و لا يعترض ، هو تافه إلى حد بعيد.

وهناك أضرار من تولّي شخص تافه وغير كفء أو غير مسؤول للسلطة

فحين يتولى السلطة شخص تافه يفتقر إلى النزاهة أو المعرفة أو الاستعداد للمساءلة، قد تتجاوز الأضرار حدود شخصه لتصيب المجتمع ومؤسساته. ومن أبرزها:

  • اتخاذ قرارات مرتجلة لا تستند إلى معلومات أو خبرة كافية.
  • إضعاف المؤسسات عبر تقديم الولاء الشخصي على القانون والكفاءة.
  • نشر الاستقطاب والخصومات، وتحويل الخلاف السياسي إلى عداوة اجتماعية.
  • استغلال المنصب أو المال العام لخدمة المصالح الخاصة.
  • تهميش الخبراء والموظفين الأكفاء، ما يضعف الخدمات والاقتصاد.
  • تراجع ثقة الناس بالعدالة والقانون والمشاركة العامة.
  • توجيه اهتمام المجتمع إلى الاستعراض والجدل بدل معالجة مشكلاته الفعلية.

ولا يتوقف حجم الضرر على شخصية الحاكم وحدها؛ فوجود مؤسسات مستقلة، ورقابة فعالة، وإعلام مسؤول، وقضاء عادل، يحدّ من إساءة استخدام السلطة. لذلك لا يكفي انتظار «قائد صالح»، بل لا بد من نظام يحاسب المسؤول ويمنع تركّز النفوذ في يده واستبعاد الشخص التافه .

لكن يبرز السؤال هنا : كيف نقيّم الشخص أو المسؤول العاقل المتزن الكفوء من التافه بإنصاف؟

ينبغي أن يستند التقييم إلى السلوك المتكرر والنتائج، لا إلى زلة عابرة أو مظهر أو شائعة. ويمكن النظر إلى أسئلة مثل:

  • هل يتحرى الصدق ويقدّم معلومات يمكن التحقق منها؟
  • هل يملك خبرة أو يستعين بأهل الاختصاص؟
  • هل يفي بوعوده، أم يشرح بوضوح ما تعذّر منها؟
  • هل يحترم القانون وحقوق من يخالفونه؟
  • هل يتحمل مسؤولية قراراته ويقبل المساءلة؟
  • هل تترك أفعاله نفعًا عامًا، أم تركز على المصلحة الشخصية؟

ومن الإنصاف وصف الفعل بدل إهانة صاحبه: نقول «القرار غير مدروس» أو «الخطاب مضلل» بدل أن نجعل الإهانة بديلًا عن الدليل.

اذن ، كيف يكون الإنسان غير تافه؟

لا يعني ذلك أن يكون جادًّا طوال الوقت أو أن يتجنب الترفيه؛ بل أن يوازن بين متع الحياة ومسؤولياتها، وأن يمنح وقته واهتمامه لما يراه ذا قيمة. ويمكن للمرء أن يبدأ بخطوات عملية:

  • التحقق من الأخبار قبل نشرها، والتمييز بين الحقيقة والرأي.
  • القراءة والتعلم، والاستماع إلى من يختلف معه.
  • إتقان العمل والوفاء بالالتزامات الصغيرة قبل المطالبة بالأدوار الكبيرة.
  • احترام كرامة الناس، والامتناع عن السخرية والتشهير والتنمر.
  • اختيار أهداف تنفعه وتنفع غيره، ومراجعة أثر أفعاله.
  • قبول النقد والاعتذار عند الخطأ، وعدم التظاهر بالمعرفة فيما لا يعرف.
  • المشاركة الواعية في الشأن العام، ومحاسبة المسؤولين على الأداء لا على الشعارات وحدها.

واقصد ان التفاهة ليست حبّ البساطة أو الترفيه؛ إنها تقديم المظهر والضجيج والمنفعة الضيقة على المعرفة والكرامة والمسؤولية.

وتزداد خطورة التفاهة حين تصل إلى مواقع القرار، لأن أثرها قد يطال حياة الناس ومؤسساتهم. ومواجهتها لا تكون باحتقار الأشخاص، بل بتقوية التعليم والتفكير النقدي، واختيار المسؤولين على أساس الكفاءة والنزاهة، وبناء مؤسسات تحاسبهم. والسؤال الأجدى ليس: «من التافه؟» بل: ما السلوك الذي يضرّ الناس، وكيف نغيّره؟

الأوطان لا تحتاج إلى المهرج التافه الذي كان دوما أحد شخصيات شكسبير في معظم قصصه ، وليست بحاجة إلى مجرد مليء كرسي رئيس وزراء او وزير او مسؤول بشخصية ضعيفه تافهه مهرجة .

الاوطان تحتاج إلى رجل و امراءة لا الي وهو الرجل او المراءة التافه الذي يتكلم في أمر العامة أو يتصدر الشؤون الهامة وهو عاجز عنها.

الاوطان واقع وحياة وأمل وعمل وعرق لا خيال ولا تفاهة، ولكن للأسف نعيش في زمن وعصر التفاهة.

وفي النهاية فان التفاهة” كمنظومة اجتماعية وسياسية وإعلامية تُهدد وعي المجتمعات وتُقصي الكفاءات و التافه في هذا السياق هو كل شخص يتصدر المشهد العام أو يمارس دوراً توجيهياً دون امتلاك أهلية فكرية، علمية، أو أخلاقية

والتافه مثل الصفر ، لو ضربته في اي رقم يبقى صفرا اي تافه و لو كان ضرب في مليون او مليار سيبقى تافها .

[email protected]