شهدت الأوساط الصحفية والحقوقية في القاهرة حالة من الترقب والعصف الذهني عقب الإعلان الرسمي الصادر عن المجلس القومي لحقوق الإنسان، برئاسة الدكتور أحمد إيهاب جمال الدين، والذي كشف فيه عن إدراج ملف تسوية وتوفيق أوضاع المواقع الإلكترونية ضمن أولويات تحركاته المؤسسية المقبلة. وجاء هذا التطور في أعقاب الاجتماع الدوري لشهر أكتوبر، والذي شهد حضور نائب رئيس المجلس محمد أنور السادات، حيث تقرر فتح مسار تشاوري مباشر ومكثف مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ونقابة الصحفيين، بغية وضع آليات جذرية تنهي المعوقات الإدارية والقانونية التي تواجه العديد من المنصات الرقمية الراغبة في التقنين.

خلفيات التوقيت وتصاعد الضغوط النقابية

ويأتي هذا التحرك الرسمي في توقيت يحمل دلالات لافتة، إذ يتزامن مع تصاعد الأزمات القضائية والأمنية التي طالت عدداً من المؤسسات الصحفية والكوادر الإعلامية المستقلة. وكان أبرز تلك الملفات التصاعد الأخير في أزمة موقع «مدى مصر» عقب الحكم الصادر بحق رئيسة تحريره لينا عطا الله، إلى جانب القرارات الخاصة بتجديد حبس عدد من صحفيي منصة «متصدقش». وتسببت تلك التطورات في تحركات مكثفة من جانب نقابة الصحفيين برئاسة النقيب خالد البلشي، الذي تقدم بمذكرات رسمية للمطالبة بإعادة النظر في منظومة منح التراخيص، وإرساء قواعد إجرائية تتسم بالشفافية والعدالة التنفيذية، وضمان عدم معاقبة المنصات التي تقدمت بالأوراق المطلوبة دون تلقي ردود حاسمة.

وأثارت هذه التطورات تساؤلات حادة داخل الأوساط المعنية بشأن مدى فاعلية الدور الذي يلعبه المجلس القومي لحقوق الإنسان، حيث وجه منتقدون اتهامات للمجلس بالتأخر في التدخل والاطلاع بدوره الرقابي والتنفيذي وفق ما نص عليه قانون إنشائه. ورأى المعارضون أن الاكتفاء بالتواصل غير المعلن أو طرح القضية في الاجتماعات الدورية لا يكفي لمعالجة التحديات الميدانية التي تواجه حرية الصحافة، مؤكدين أن الحماية الفعالة تتطلب إصدار مواقف علنية ومتابعة فورية للانتهاكات منذ لحظة وقوعها، وصولاً إلى تفعيل الضمانات الدستورية المباشرة.

بين مسارات الحوار واختبارات الاستقلالية

وفي المقابل، تدافع أطراف داخل المجلس عن آلية عمله، مؤكدة أن النهج المؤسسي القائم على فتح قنوات الاتصال والتفاوض المباشر مع أجهزة السلطة التنفيذية والجهات التنظيمية يمثل الطريق الأكثر نجاعة للوصول إلى حلول استراتيجية دائمة. وتعتمد هذه الرؤية على أن صلاحيات المجلس القانونية تتجلى في التوصية وتقريب وجهات النظر وتلقي الشكاوى، وأن تحقيق نتائج إيجابية على الأرض يتطلب بعيداً عن التصعيد الإعلامي بناء توافقات مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ونقابة الصحفيين لتسوية الأوضاع القانونية للمؤسسات وتفادي الملاحقات القضائية.

ويضع هذا الملف المجلس القومي لحقوق الإنسان أمام اختبار حقيقي لإثبات قدرته على إحداث فارق ملموس في مشهد الحريات العامة والتعبير. وتتجه الأنظار خلال الفترة المقبلة إلى مدى قدرة المجلس على تحويل هذه جلسات التشاور إلى قرارات عمل ومبادرات تنفذ على أرض الواقع، بما يسهم في حماية حقوق الصحفيين وإرساء بيئة عمل آمنة ومستقرة، ومدى نجاحه في استعادة ثقة القطاعات الصحفية التي أبدت تحفظات على أدائه في المحطات الأخيرة.