«فلسطين أرض واحدة، وحقوق لا تتجزأ، ودولة مدنية تقوم على الحرية والعدالة والمساواة
تمهيد
لم تعد القضية الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر كما كانت قبله، فقد أحدث هذا الحدث شرخًا في التصورات التي حكمت الصراع لعقود، وكشف أن الفلسطيني، رغم الحصار والقوة الهائلة التي تواجهه، لم يتحول إلى شعب قابل للإخضاع أو إلى قضية يمكن إخراجها من التاريخ.
وأثبتت تجربة غزة أن القوة، مهما بلغت، تستطيع محاصرة الإنسان وتدمير المكان ورفع كلفة المقاومة، لكنها لا تستطيع وحدها إلغاء إرادة شعب أو محو قضيته من الوعي.
وفي المقابل، أصاب السابع من أكتوبر مسلمات راسخة في صورة إسرائيل، من الجيش الذي لا يُقهر إلى الدولة الديمقراطية التي تحتكر التعاطف الأخلاقي. ولم يعد السؤال مقتصرًا على قدرتها على الانتصار عسكريًا، بل امتد إلى شرعية نظام سياسي ينتج تفاوتًا دائمًا في الحقوق والسيادة.
كما انتقلت القضية الفلسطينية، بدرجات متفاوتة، من ملف سياسي مؤجل إلى سؤال عالمي عن الحرية والعدالة والكرامة، لتبرز معادلة الصراع بين حق القوة وقوة الحق، لكن امتلاك الحق وحده لا يكفي لصناعة التحول التاريخي؛ إذ لا بد من تحويله إلى قوة سياسية وأخلاقية وقانونية ومجتمعية قادرة على إعادة تشكيل الواقع.
أولًا: من الاحتلال إلى تعريف المشروع الوطني
لم تعد الأزمة الفلسطينية مجرد فشل في المفاوضات أو اختلال في ميزان القوة أو تعثر مشروع الدولتين، بل أصبحت أزمة في المشروع الوطني نفسه، الذي انتقل من التحرير بالكفاح المسلح إلى إقامة الدولة عبر التسوية، ثم إلى إدارة الصراع عبر المقاومة، دون أن ينجح أي من هذه المسارات منفردًا في تحقيق حل تاريخي.
فالكفاح المسلح أبقى القضية حية، لكنه لم يحقق السيادة، والتسوية لم تنتج الدولة الموعودة أو توقف الاستيطان، فيما لم تتحول إدارة الصراع إلى مشروع متكامل يجمع القوة العسكرية بالاقتصاد والقانون والسياسة والمجتمع، وفي المقابل، نشأ واقع جغرافي متداخل بين النهر والبحر، تتفاوت فيه الحقوق والسيادة والحركة والتمثيل، ومن هنا يبرز السؤال: ما معنى التحرر في واقع لم يعد قابلًا للفصل الكامل؟ وهو سؤال لا يلغي الاحتلال، بل يوسع النقاش ليشمل طبيعة النظام السياسي الذي يحكم الأرض ومن يعيش عليها.
ثانيًا: من التحرير إلى التحرر
قامت حركات التحرر الوطني في القرن العشرين على نموذج واضح: مقاومة المستعمر، وانسحابه، ثم إقامة دولة مستقلة. لكن إسرائيل أصبحت بنية سياسية واقتصادية وعسكرية وتكنولوجية متجذرة في المنطقة ومندمجة في النظام الدولي، فيما جعل الاستيطان والتداخل بين الفلسطينيين والإسرائيليين الفصل الكامل مسألة شديدة التعقيد.
من هنا تبرز ضرورة إعادة تعريف التحرر، بحيث لا يقتصر على استعادة الأرض أو إقامة الدولة، بل يشمل تفكيك منظومة الهيمنة والتمييز، وإنهاء تفاوت الحقوق، وإقامة المساواة، وإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والأرض والسيادة.
ثالثًا: إعادة تعريف المقاومة
لا تُقاس المقاومة بقدرتها على إيلام الخصم واستنزافه فحسب، بل بقدرتها على إحداث تحول في الواقع، فالقوة العسكرية قد تُبقي القضية حية، لكنها لا تستطيع وحدها بناء دولة أو تحقيق الشرعية أو إعادة بناء المجتمع.
لذلك ينبغي أن تتسع المقاومة لتشمل العمل المدني والقانون والاقتصاد والتعليم والمعرفة والإعلام والثقافة وبناء المؤسسات والتحالفات الدولية، لتصبح مشروعًا لإعادة تشكيل الواقع، لا مجرد اشتباك دائم.
فالاحتلال يفرض سيطرته بالسلاح والاقتصاد والقانون والمؤسسات والتأثير في الوعي، ومن ثم فإن بناء مجتمع فلسطيني مستقل ومنظم وقادر على الصمود يمثل أحد أشكال المقاومة الأساسية.
رابعًا: من مقاومة القوة العنيفة إلى مقاومة الهيمنة والسيطرة
تُظهر تجربة الانتفاضة الأولى أن المجتمع يمكن أن يتحول إلى قوة سياسية عندما يمتلك القدرة على التنظيم والتضامن وإدارة حياته بعيدًا عن منظومة السيطرة، ولذا فإن العصيان المدني، والمقاطعة، والإضرابات، وحماية الأرض، والتعليم، وبناء المؤسسات الأهلية، وتقوية الاقتصاد المحلي، والنقابات والاتحادات، والتوثيق القانوني، والقانون والقضاء الدولي والوطني، ليست مجرد أدوات احتجاج، إنها أدوات لإعادة بناء القدرة الجماعية، وصولًا إلى أن تصبح المعركة الحقيقية معركة مزدوجة: مواجهة الهيمنة من جهة، وبناء البديل من جهة أخرى.
خامسًا: المعركة على الشرعية
في العالم الحديث لم تعد القوة تُقاس بالسلاح وحده، فالشرعية أصبحت موردًا من موارد القوة، والرأي العام والمؤسسات الدولية والإعلام والمجتمع المدني والشبكات العالمية كلها تستطيع التأثير في قدرة الأنظمة على الاستمرار.
لذلك ينبغي أن ينتقل الخطاب الفلسطيني من الاكتفاء بإثبات المعاناة إلى بناء قضية إنسانية وسياسية تقوم على مبادئ وحقوق الحرية، والمساواة، والمواطنة، والكرامة، والعدالة، وحق الإنسان في أن يكون صاحب حقوق كاملة على أرضه، وهذا لا يعني أبدًا التخلي عن الهوية الوطنية الفلسطينية أو عن الحقوق التاريخية، ولا يعني إنكار وجود الآخر، بل يعني نقل القضية من سؤال الصراع بين جماعتين إلى سؤال الحقوق والنظام السياسي الذي ينظم وجودهما.
فالشرعية لا تُنتزع بالشعارات، وإنما تُبنى عبر خطاب أخلاقي قيمي، وعمل قانوني، ومؤسسات فعالة، وقدرة على مخاطبة العالم بلغة يفهمها ويستطيع أن يتفاعل معها.
سادسًا: القانون والاقتصاد والمنافي بوصفها مصادر قوة
لا ينبغي أن يبقى القانون الدولي إطارًا للبيانات، بل يجب تحويله إلى توثيق الانتهاكات، وبناء الملفات، واستخدام المؤسسات والمحاكم الدولية، ومراكمة الضغط السياسي والأخلاقي. وكذا وبالمثل، فإنه لا يمكن تصور تحرر طويل الأمد في ظل تبعية اقتصادية، فالاقتصاد ليس شأنًا منفصلًا عن السياسة، إنه أحد شروط الاستقلال، وكلما امتلك المجتمع قدرة أكبر على إنتاج غذائه ومعرفته وتقنيته وتمويله، ازدادت قدرته على اتخاذ القرار.
أما الشتات الفلسطيني، فهو ليس مجرد امتداد وجداني للوطن، بل طاقة بشرية عالمية موزعة في الجامعات والاقتصاد والإعلام والبحث العلمي والتكنولوجيا والسياسة، والمشكلة ليست في غياب هذه الطاقة، بل في غياب الإطار الوطني القادر على تحويلها إلى قوة سياسية ومعرفية واقتصادية، وهكذا يمكن أن تتشكل مصادر القوة الجديدة من خارج النموذج العسكري التقليدي، لتصبح: المعرفة، والقانون، والاقتصاد، والإعلام، والشتات، والمجتمع المنظم، والشرعية الدولية.
سابعًا: فلسطين الأرض الديمقراطية الواحدة
إذا كان الواقع قد أنتج فضاءً جغرافيًا وسياسيًا متداخلًا، وإذا أصبح الفصل الكامل أكثر صعوبة، فإن السؤال الذي يجب طرحه ليس كيف نحافظ على حلول لم تعد ممكنة، بل كيف نصنع نظامًا سياسيًا يجعل العيش المشترك ممكنًا وعادلًا، وهنا تظهر فكرة الأرض الديمقراطية الواحدة، لا بوصفها حلًا سحريًا أو مشروعًا سريع التنفيذ، بل بوصفها أفقًا تاريخيًا يجيب عن مأزق الفصل والهيمنة معًا، لتصبح الفكرة في جوهرها ليس إلغاء اليهود، ولا نفي الفلسطينيين، ولا استبدال هيمنة بهيمنة أخرى، وإنما الانتقال من دولة تمنح الامتياز لجماعة لتسطو على الأخرى، إلى فضاء يمنح الحقوق للمواطن، بغض النظر عن عرقه أو لونه أو جنسه أو دينه أو طائفته، فالمشكلة ليست في وجود اليهود أو الفلسطينيين، وإنما في بناء نظام يجعل الانتماء القومي أو الإثني أساسًا لتفاوت الحقوق.
ولهذا فإن الفضاء الديمقراطي المنشود يحتاج إلى: دستور، وفصل للسلطات، وضمانات للحقوق الفردية والجماعية، ومؤسسات مستقلة، ومساواة أمام القانون، وحماية للخصوصيات الثقافية والدينية، وآليات تمنع إعادة إنتاج الهيمنة.
ثامنًا: العدالة التاريخية
لا يمكن بناء مستقبل جديد بمجرد إعلان نسيان الماضي، ذلك أن فلسطين ليست أرضًا بلا ذاكرة، بل تاريخ من الاقتلاع والتهجير والحروب والخوف والذاكرة المتصارعة، ولذا لا بد أن يكون الانتقال السياسي مصحوبًا بالاعتراف المتبادل بالألم، والعدالة الانتقالية، وجبر الضرر، ومعالجة قضية اللاجئين.
فالحق لا يسقط بمرور الزمن، لكن تحويل الحق إلى حل تاريخي يحتاج إلى صيغة سياسية عادلة ومركبة تجمع بين الاعتراف والعودة، والتعويض وجبر الضرر، والخيارات التي يتوافق عليها أصحاب الحق ضمن مشروع شامل.
ولا ينبغي أن تكون العدالة التاريخية نقيضًا للسلام، بل شرطًا له، فالسلام الذي يطلب من الضحية أن تنسى قبل أن تعترف بمأساتها ليس سلامًا، بل هدنة مؤجلة. ومن هنا يمكن إعادة قراءة بعض المرجعيات الدولية، ومنها القرار 181 والقرار 194، ضمن رؤية أوسع لا تستنسخ الماضي، بل تستفيد من عناصره التي يمكن أن تساعد في بناء صيغة انتقالية عادلة.
تاسعًا: إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية
لا يمكن إعادة تعريف التحرر دون إعادة بناء ممثل سياسي له، ذلك أن الحركة الوطنية ما زالت، في جانب كبير منها، أسيرة بنى نشأت في ظروف القرن العشرين: الفصائلية، والانقسام، والاستقطاب الأيديولوجي، وتآكل المؤسسات، وتراجع التمثيل.
المطلوب ليس إلغاء الفصائل، بل إعادتها إلى مكانها الطبيعي، كأدوات بيد الشعب، لا بديلًا عنه، مما يعني إعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية، وتجديد التمثيل الوطني، وإشراك الشتات، وانتخاب قيادة جماعية، وصياغة عقد سياسي جديد، وتجاوز الانقسام، شروطًا لإعادة إنتاج المشروع الوطني.
فالشعب الواحد لا يجوز أن يكون مجرد مجموع مساحات جغرافية متفرقة، بل يجب أن يتحول إلى فاعل سياسي واحد رغم تعدد أماكن وجوده.
خاتمة: من آخر قضايا القرن العشرين إلى سؤال القرن الحادي والعشرين
دخلت فلسطين مرحلة تاريخية لم تعد فيها النماذج القديمة قادرة على تفسير الواقع أو إنتاج المستقبل؛ فالحرب لم تنه القضية، والتسوية لم تحقق الدولة الموعودة، واستمر الواقع بين النهر والبحر في إنتاج السيطرة والتفاوت دون استقرار.
لذلك لم تعد القضية الفلسطينية مجرد قضية احتلال وحدود، بل أصبحت قضية نظام سياسي وحقوق وسيادة وشرعية. فالتحرر لا يقتصر على إنهاء الاحتلال واستعادة الأرض، بل يشمل استعادة الإنسان حقه في تقرير النظام الذي يحكمه، وبناء دولة تضمن المساواة الكاملة في الحقوق، دون امتياز لجماعة على أخرى.
تتعدد الآليات والمقاربات التي يمكن أن تشكّل مسارات انتقالية نحو إقامة الدولة الواحدة، فقد ينطلق هذا المسار من نموذج الدولتين، مع إقامة كيان اقتصادي ومالي مشترك ذي طابع فيدرالي، أو كونفدرالي، بما يتيح بناء مصالح متبادلة وترسيخ أسس التكامل بين الطرفين، ويمكن لهذا الإطار المشترك، في حال توافرت الإرادة السياسية وتطورت شروطه الموضوعية، أن يتدرج نحو صيغة فيدرالية، أو كونفدرالية أوسع، وصولًا إلى نموذج الدولة المدنية الديمقراطية الواحدة، القائمة على المساواة في الحقوق والواجبات، والمواطنة المتساوية، والشراكة في إدارة الشأن العام، بعيدًا عن منطق الهيمنة والإقصاء والتمييز، وبهذا المعنى، لا تُفهم هذه الصيغ بوصفها بدائل نهائية متعارضة بالضرورة، بل باعتبارها احتمالات لمسار سياسي تاريخي قد يفضي، تدريجيًا، إلى إعادة بناء العلاقة بين الأطراف على أسس ديمقراطية عادلة ومستدامة.
وقد يكون هذا هو التحول التاريخي الأهم: أن تنتقل فلسطين من كونها قضية تبحث عن نهاية احتلال، إلى قضية تطرح على المنطقة والعالم سؤالًا أعمق: كيف يمكن بناء العدالة بعد قرن من الاقتلاع والحرب والإقصاء؟
وعندها قد لا تكون فلسطين مجرد آخر قضايا التحرر التي بقيت عالقة من القرن العشرين، بل إحدى القضايا التي تساهم في إعادة تعريف معنى التحرر نفسه في القرن الحادي والعشرين.







