منذ أن أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي في 14 أكتوبر الماضي، خلال الندوة التثقيفية بمناسبة الاحتفال بانتصارات السادس من أكتوبر1973، بأنه لا مساس بالدستور، وأن الولاية الحالية له هي الولاية الأخيرة، وأن هذا القرار كما قال “أمر محسوم”، تداعت العديد من الأبواق المرتبطة بوسائل الإعلام المصرية، وكذلك بعض المواقع الإلكترونية، وبعض الإعلاميين والشخصيات الحزبية والعامة المحسوبة على الموالاة، ولربما على المعارضة المستأنسة، داعية إلى ضرورة قيام الرئيس بمد فترة حكمه لولاية رئاسية رابعة خلال الفترة من 30/2036، وهي الفترة التي تنتهى وعُمر الرئيس سوف يكون تجاوز الثمانين عاما. من هنا يأتي السؤال لماذا يقوم البعض بترديد هذا الأمر.

استفادة كاملة ومؤكدة من بقاء الرئيس

ولأن النظام السياسي في مصر قد اعتاد عدم تغيير وجوة من هم في السلطة من الوزرات المختلفة والمحافظات والمحليات والشركات القومية وغيرهم، منذ أحداث 30يونيو2013، بما يعني بقاء الكثير من المسئولين في مواقعهم دون تغيير، فقد اعتاد بعض هؤلاء على ممارسات محددة تمس أبسط قواعد النزاهة والشفافية، ما جعل هناك خوف من تغيير تلك المواقع بعد إنكشاف أفعالها حال حدوث تغير عام 2030، ممثلا في وجود رئيس جمهورية جديد، له طاقم حكم جديد.

ولأن عديد النظم في العالم الثالث ومنها مصر أعتادت دوما فتح حكايات الماضي، والرغبة في التنكيل بكل ما سبق، عن حسن نيه أو سوء نية، إمعانا في كسب الحكم الجديد شرعية جديدة تهدف للكشف عن الفساد، وفضح أشكاله، ونشر ما خفى عن الناس من أحداث جسام، ظلوا يضربوا أخماسا في أسداس دون كشف أبعادها، (لذلك) كان من المهم أن تقوم تلك الشخصيات، برفض التغيير، خشية أن يطالها ما يرتبط بالمحاسبة، وسلب مكتسباتها، ونزع كافة المخصصات التي استطاعت أن تجمعها وتكتنزها خلال الفترة من 14/2030. من هنا سعت تلك الأبواق إلى ذكر عديد الحجج التي تُبرر حتمية بقاء الأوضاع على حالها، رافضة التغيير، ومفتكسة أسبابا شيطانية تبدو لدى العامة مُقنعة، دون أن تُفصح عن نواياها الحقيقية.

أشخاص تعاشت أعينهم عن رؤية بدلاء

لا شك أن هناك نوع أخر من الشخصيات الإعلامية والحزبية والعامة كان ديدنهم أنهم لا يروا أمامهم إلا شخص واحد صالح للرئاسة، هو بالنسبة لهم لا يعرفون غيره، ولا يطيقون سواه. علاقتهم به كالأب أو الأخ، ومن ثم هم لن يقتنعوا أن يروا ندا له، فهو عَايش من عمرهم أكثر من عقد ونصف، ما جعل شخصيته لصيقة بشخوصهم، هذا الشخص ليس مجرد رجل يدير الدولة كما هو واقع في الدول والبلدان المتمدينة، بل هو رئيس وزعيم وقائد هو كفيل وضامن، هو من اعتاد هؤلاء أن يروه ويستمعوا له، ويصدقوا كلامه، ولا يصدقوا كما قال لهم كلام احدا غيره. هو بالنسبة لهم الحكيم أو كما قال “أنا طبيب”، من هنا فإنه يستحيل أن يرى هؤلاء غيره، لكونه صاحب كارزما.

لا شك أن الرئيس السيسي له إنجازات عديدة، لكنه في الوقت ذاته بشر يُخطى ويُصيب، ومن ثم فإن تأليه أي شخص رئيس أو أب أو صديق هو من الأمور غير المحمودة، لأن حركة الكون يتوجب أن تسير حال غياب هؤلاء، وإلا تعرض الشخص المستقبل إلى صدمة نفسية أو إنفعال عاطفي قد يُمرضه، ويجعله في حالة عدم تصديق أن غاب هذا الشخص عن حياته لأي سبب.

لا ثقة في أي شخص آخر

ارتبط الحديث أو تصميم البعض عن عدم تداول السلطة فيما يتعلق بتغيير منصب رئيس الجمهورية بالكثير من الكلام عن عدم الثقة في أي شخص آخر غير الرئيس الحالي.
لا شك أن الحديث عن الثقة يرتبط بشكل أو بآخر برؤية بعض الممالئين وجوقة الإعلام المرتبط بنفاق السلطة. هؤلاء اعتادوا قنص مكتسبات شخصية من حلاوة وطلاوة كلامهم وتبيان أنهم وحدهم مصدر ثقة السلطة، وممن يسهُل الاعتماد عليهم في ترويج وتسويق أية سياسة، وهؤلاء أيضا هم الذين يظهروا بأنهم مدافعين عن الدولة من تغول الإخوان المسلمين، والمروجين لفزاعة الإخوان، وهذا القول الأخير ربما يكون حق، لكنه حق يراد به باطل.

ما نعرفه أفضل مما لا نعرفه

“اللي نعرفه أفضل من اللي ما نعرفوش” هذا المثل المصري الشائع، هو تعبير عن حالة من حالات الرغبة في الآمان الحالي رغم وطأة ما فيه من نواكب، والخوف من المستقبل رغم ما قد يستشرف فيه من مناقب، والميل الطبيعي للتمسك بالمألوف والمعتاد، ومن ثم فإنه من غير الملائم لمن يتمسك بهذا المثل أن يستمر الرئيس في موقعه، خوفا من عواقب القادم التى لا نعرفها بالضرورة.

مصريا، مهم جدا هنا أن يشار إلى أن الرئيس السيسي نفسه لم يكن أحد يعرفه قبل 25يناير2011، ومهم أيضا أن يشار إلى أن الرئيس جمال عبد الناصر الذي اهتم بحقوق الطبقتين الدنيا والمتوسطة، وحققت البلاد في عهده تنمية اقتصادية واجتماعية، شاءت الأقدار أن يخلفه ذكي وفطن وهو الرئيس السادات الذي صنع السلام بعد خوض حرب أكتوبر. دوليا، مهم كذلك أن نُشير إلى أن الرئيس الأمريكي جيمى كارتر لم ينتخبه شعبه إلا مرة واحدة رغم أنه رجل سلام، وبالمثل حرم الناخب الأمريكي الرئيس جورج بوش الأب من التجديد له لفترة ولاية ثانية، رغم أن ولايته شهدت حدث تاريخي وهو انهيار الاتحاد السوفيتي، وإنديرا غاندى (66/1977) نقلت الهند نقلة نوعية ضخمة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا عقب توليها السلطة عقب حكم جواهر لال نهرو (47/1964).

وهكذا يتبين أن هناك من فعل الكثير لبلاده ورفض الناخب التجديد الدستوري له، ورزقت البلاد بمن هو جيد بعده. بعبارة أخرى إن تفعيل الدستور وتقرير الاستحقاقات التي تم التوافق عليها كانت هي الضمانة لعدم تكلس السلطة، ومن ثم تجديد الدماء، لكون التكلس مفضيا بعد فترة إلى الحكم التسلطي والاستبدادي على النحو الذي جرى إبان حكم مبارك الذي فقدت فيه البلاد التداول السلمى، واستمر الرئيس حتى خرجت الجماهير تطالب بعزله بعد 30 عاما من الحكم.

نحو إعلام رشيد

إن الإعلام الرشيد هو الذي يصنع سياسة، ولا شك أن الإعلام المصري سوف يشهد خلال الأشهر القادمة أختبارا لمدى التمسك بالمواثيق الدولية، بل والإخلاقية التي مردت عليها الإنسانية، بشأن تجديد الدماء، وعدم تكلس المناصب، وتداول السلطة، والدعوة إلى الإنشغال بتدريب الأخرين في الموقع الرئاسي، بعد أن شهدت مصر طيلة العقود السابقة سنوات من تجريف الحياة السياسية وموت السياسة.

لا شك أن المناخ أنف الذكر سيحتاج حتما إلى فتح المجال العام، حتى يجتمع الناس، ويتدارسوا فيما بينهم عن الصالح العام، وتقوم الأحزاب والشخصيات العامة بترشيح الناس. لذلك فإن الفترة القادمة التي تتسم بالصغر، ستكون فترة حرجة، بسبب تجريف الحياة السياسية، فالأحزاب ضعيفة، والشخصيات العامة أغلبها مرتفع السن، والمجالس المحلية كمدارس طبيعية للديمقراطية غائبة. لكن كل ذلك لن يمنع على الإطلاق أن يكون هناك العشرات والمئات ممن هم قادرين على قيادة هذا البلد. خاصة وأن الدستور لم يقيد حق الانتخاب بأية معايير غير تلك المتعارف عليها في البلدان والنظم المتمدينة، وهي معايير منظمة وغير مقيدة للرئاسة.