ليس الوفد مجرد حزب في دفتر الأحزاب المصرية، بل صفحة من دفتر الوطن، ومدرسة سياسية أوسع من حدود التنظيم، وأبقى من خلافات الأشخاص. وحين يتحرك الوفد، أو يختلف، أو ينتخب قياداته، فإن ما يجري داخله لا يخص الوفديين وحدهم؛ لأن لهذا الحزب مكانًا في الذاكرة الوطنية، ومسؤولية في الحاضر، ودورًا لا ينبغي أن يغيب عن المستقبل.
أكتب هذه الكلمات لا من موقع المتفرج البعيد، ولا من موقع المنتمي تنظيميًا في الحاضر، بل من موقع من أمضى قرابة عقدين من عمره في صفوف الوفد، وتعلم في مدرسته، وعرف رجاله، وتشرب قيمه، وما زال يحتفظ لهذا الانتماء بمكانة لا تمحوها المسافات، ولا تغيرها التحولات السياسية.
وأكتبها كذلك وفاءً لأستاذ كبير، هو الراحل فؤاد سراج الدين، الذي تعلمنا منه أن الوفد ليس مقرًا ولا مقعدًا، وأن الزعامة ليست سلطة على الناس، بل مسؤولية أمامهم، وأن الليبرالية ليست لافتة حزبية، بل إيمان بالحرية والدستور والتعددية وكرامة الإنسان.
وأستعيد هنا كلمات كتبتها في مطلع التسعينيات، في إهداء كتابي «الليبرالية هي الحل»، الصادر عن مركز الوفد للدراسات السياسية، ضمن سلسلة «كراسات ليبرالية»، حين قلت:
«إننا أحببنا الوفد حبًّا في الليبرالية، وأحببنا الليبرالية حبًّا في الدولة المدنية، وحبًّا في مصر الوسطية، بكل قيمها التاريخية والدينية والحضارية».
لم تكن هذه الكلمات مجرد إهداء لكتاب، بل كانت، وما زالت، تعبيرًا عن انتماء فكري ووجداني، يرى في الوفد طريقًا إلى الليبرالية، وفي الليبرالية انحيازًا للدولة المدنية، وفي الدولة المدنية وفاءً لمصر التي تتسع بتنوعها، وتعتدل بتسامحها، وتنهض بحريتها.
لهذا ظل الوفد بالنسبة إليّ أكبر من حزب انتميت إليه، والليبرالية أعمق من فكرة دافعت عنها؛ فكلاهما وجه من وجوه الإيمان بمصر التي أحببناها، ومصر التي ما زلنا نحلم بها.
تابعت باهتمام ما أُعلن عن انتخابات الهيئة العليا لحزب الوفد وسكرتارية الهيئة الوفدية، وما أسفرت عنه من اختيار خمسين عضوًا للهيئة العليا وخمسة للسكرتارية، وتصدر فؤاد بدراوي النتائج، يليه ياسر الهضيبي، فضلًا عن إعلان الموافقة على تعديلات اللائحة بألفين وثلاثمائة وثلاثة أصوات.
هذه الأرقام والأسماء ليست وحدها جوهر الحدث. الأهم هو المعنى المؤسسي الذي تحمله ممارسة الانتخاب والتنافس والاحتكام إلى الصندوق داخل حزب عريق، في واقع سياسي مصري يحتاج إلى توسيع مساحات المشاركة وإحياء ثقافة الاختلاف المنظم.
فالديمقراطية لا تبدأ عند أبواب الدولة، بل تبدأ من داخل الأحزاب التي تطالب بها. ولا يستقيم أن نطالب بتداول السلطة في الوطن، ثم نضيق بتداول المسؤولية داخل التنظيم. ولا يصح أن ندافع عن التعددية في المجال العام، ثم نخشى تنوع الآراء في البيت الواحد.
الخلاف داخل الأحزاب ليس بالضرورة دليل ضعف؛ فقد يكون دليل حياة. لكن الفارق بين الحزب الحي والحزب المأزوم هو قدرته على تحويل الخلاف إلى تنافس، والتنافس إلى قرار، والقرار إلى عمل مشترك.
ومن هذا المنطلق، أنظر إلى هذه الانتخابات باعتبارها مناسبة لفتح صفحة تنظيمية جديدة، لا لمجرد إعادة توزيع المقاعد. فالهيئة العليا ليست مكافأة للفائزين، بل تكليف سياسي ومسؤولية تاريخية. واللائحة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لحماية المؤسسة من الشخصنة، وضمان حقوق أعضائها، وتنظيم العلاقة بين القيادة والقواعد.
وإذا كان من الطبيعي أن تترك الانتخابات وراءها مشاعر متباينة، فإن من الضروري ألا تتحول نتائجها إلى حدود فاصلة بين وفدي وآخر. فالذين فازوا والذين لم يفوزوا ينتمون إلى تاريخ واحد، ويتحملون مسؤولية مشتركة عن مستقبل الحزب.
الوفد لا يحتاج إلى منتصر على وفدي آخر، بل يحتاج إلى انتصار الجميع للوفد.
ولعل في تصدر فؤاد بدراوي لهذه الانتخابات معنى يتجاوز ترتيب الأسماء؛ فهو اسم يرتبط في الذاكرة الوفدية بعائلة كان لها حضورها في تاريخ الحزب، كما أن تنوع الأسماء التي ضمتها الهيئة العليا يفتح بابًا لتجديد الصلة بين أجيال الوفد ومدارسه المختلفة. غير أن القيمة الحقيقية لهذا التنوع لن تتحدد بمواقع أصحابه في كشف النتائج، وإنما بما يقدمونه من قدرة على العمل المشترك، وإنتاج الأفكار، وتجديد الخطاب السياسي.
وفي هذه اللحظة، تبرز مسؤولية الدكتور السيد البدوي، بما له من تجربة سياسية وتنظيمية ومعرفة بتعقيدات البيت الوفدي، في المساهمة في جمع الصفوف، وفتح مساحات التفاهم، وتغليب المصلحة المؤسسية على الحسابات الشخصية.
وأرى أن القيمة الأهم لأي دور قيادي في هذه المرحلة لا تُقاس بحجم التأييد الذي يحظى به صاحبه داخل الحزب، وإنما بقدرته على توسيع دائرة الثقة، واستيعاب المختلفين، وإعادة الاعتبار لفكرة العمل الجماعي.
والدكتور السيد البدوي، الذي عرف العمل الحزبي بتحدياته وتوازناته، أمام فرصة لأن تكون هذه المرحلة عنوانًا لاستعادة الوفد لوحدته المؤسسية، وتجديد قدرته على المبادرة، وإعادة وصل ما انقطع بين بعض أبنائه. وهي مهمة تحتاج إلى حكمة في إدارة الاختلاف، وسعة صدر في التعامل مع النقد، وإيمان بأن قوة القيادة لا تتحقق بإضعاف الآخرين، بل بتوسيع المساحة التي يستطيع الجميع أن يعملوا فيها.
فالحزب الكبير لا يتسع فقط لمن يؤيد قيادته، بل يتسع أيضًا لمن يختلف معها، ما دام الجميع يحتكمون إلى قواعد واحدة، ويحترمون تاريخًا واحدًا، ويعملون من أجل غاية وطنية مشتركة.
وليس مطلوبًا من الوفديين أن يتطابقوا في الرأي، وإنما أن يتفقوا على أن خلافاتهم لا يجوز أن تكون أكبر من حزبهم، ولا أن يصبح حزبهم أصغر من تاريخه.
ولست ممن يتصورون أن إصلاح الوفد شأن تنظيمي محدود، أو مجرد قضية تخص أعضاءه. ففي تقديري، إصلاح الوفد هو إصلاح ضلع رئيسي في مثلث الحياة السياسية المصرية؛ ذلك المثلث الذي لا يستقيم إلا بوجود دولة مؤسسية تحترم الدستور، وأحزاب حقيقية قادرة على إنتاج البدائل، ومجتمع مدني حر يراقب ويشارك ويحاسب.
والوفد، بتاريخه الليبرالي والوطني، يمثل أحد الروافد التاريخية الكبرى لإحياء الضلع الحزبي في هذا المثلث. لكن التاريخ، مهما عظم، لا يكفي وحده لصناعة الحاضر، ولا يمنح أصحابه إعفاءً من واجب التجديد.
فالأحزاب، كالأشجار العتيقة، لا تستمد حياتها من عمق جذورها وحده، بل من قدرتها على إنبات أغصان جديدة. والوفد يملك جذورًا ضاربة في تربة الحركة الوطنية المصرية، منذ ثورة 1919، مرورًا بمعارك الدستور والاستقلال، وصولًا إلى معركة عودته إلى الحياة السياسية في عهد فؤاد سراج الدين.
غير أن استدعاء هذا التاريخ لا ينبغي أن يتحول إلى إقامة دائمة في الماضي؛ فالأحزاب لا تعيش على رصيد الآباء، وإنما بما تضيفه الأجيال الجديدة إلى ذلك الرصيد.
لقد آن الأوان لأن ينتقل الوفد من الانشغال بأوراقه إلى الانشغال بأوراق الوطن؛ من تعديل اللوائح إلى مناقشة التشريعات؛ ومن حسابات المواقع إلى حسابات المواقف؛ ومن ترتيب البيت الداخلي إلى المشاركة في ترتيب أولويات الإصلاح الوطني.
فمصر أمام أسئلة كبرى لا تنتظر طويلًا: كيف نستعيد التوازن بين السلطات؟ كيف نعيد الاعتبار للبرلمان والرقابة والمساءلة؟ كيف نحمي استقلال القضاء والحريات العامة؟ كيف نواجه أزمة الدين العام وغلاء المعيشة وتراجع قدرة الطبقة الوسطى؟ وكيف نفتح المجال السياسي أمام الشباب، ونستعيد الثقة في جدوى العمل الحزبي السلمي؟
هذه ليست ملفات إضافية يمكن للوفد أن يتناولها بعد الفراغ من خلافاته، بل هي جوهر الرسالة التي وُجد من أجلها حزب حمل في تاريخه قضية الدستور والاستقلال والحريات.
وأحسب أن مصر تحتاج إلى صوت وفدي واضح في قضايا الإصلاح السياسي والاقتصادي، صوت لا يكتفي بوصف المشكلات، بل يقدم البدائل؛ ولا يقف عند حدود الاعتراض، بل يمتلك شجاعة الاقتراح؛ ولا يخلط بين معارضة السياسات ومعاداة الدولة، أو بين احترام مؤسسات الدولة والتنازل عن حق نقد أدائها.
فالوفد الذي كان مدرسة في الوطنية الدستورية لا ينبغي أن يكتفي بمقاعد في المشهد السياسي، بينما تنتظر مصر منه مواقف في قضاياها الكبرى.
وأتمنى أن تكون المرحلة المقبلة مناسبة لاستعادة المدرسة الوفدية التي عرفناها، مدرسة تجمع بين الوطنية والليبرالية، وبين احترام الدولة وحق المجتمع في مساءلة سلطاتها، وبين الاعتدال في اللغة والوضوح في الموقف.
فالاعتدال لا يعني الصمت، والمعارضة لا تعني الخصومة مع الوطن، والاستقلالية لا تعني العزلة عن قضاياه. وأخطر ما يمكن أن يصيب حزبًا عريقًا ليس أن يختلف أبناؤه، بل أن يتفقوا على الاكتفاء بمشاهدة السياسة من بعيد.
ولذلك فإن الأمل في الوفد لا ينبغي أن يتوقف عند نجاح انتخاباته، بل يمتد إلى تجديد برنامجه، وإحياء لجانه بالمحافظات، وإعادة الاعتبار للشباب والمرأة، وبناء خطاب سياسي واقتصادي واضح، واستعادة التواصل مع النقابات والجامعات والمثقفين والفئات الاجتماعية التي وجدت تاريخيًا في الوفد تعبيرًا عن طموحاتها.
ولعل أول ما تحتاجه الهيئة العليا الجديدة، بعد اكتمال تشكيلها، ليس اجتماعًا آخر لتوزيع الاختصاصات، وإنما حوارًا جادًا حول السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل الأسئلة: ماذا يريد الوفد أن يقدم لمصر في المرحلة المقبلة؟
فالسياسة ليست فن إدارة المقرات، وإنما فن الحضور في حياة الناس. والحزب الذي لا يسمع وجع المواطن في بيته، ولا يرى قلق الشاب على مستقبله، ولا يدرك مخاوف الطبقة الوسطى على مكانتها، يفقد بالتدريج قدرته على التعبير عن المجتمع، مهما احتفظ من تاريخ أو أسماء.
وأستعيد هنا فؤاد سراج الدين، لا باعتباره ذكرى جميلة في تاريخ حزب، بل باعتباره أحد رموز مدرسة سياسية كانت تدرك أن قوة التنظيم تأتي من وضوح مبادئه، وأن مكانة القيادة تنبع من احترامها للمؤسسة، وأن الحزب لا يعيش طويلًا بأسماء رجاله وحدها، وإنما بالأفكار التي تبقى بعد رحيلهم.
لقد تعلمنا في مدرسة سراج الدين أن السياسة ليست مجرد معركة على السلطة، بل دفاع عن معنى الدولة الدستورية، وأن الليبرالية المصرية لا تنفصل عن وجدان الأمة، ولا تتعارض مع قيمها الدينية والحضارية، بل تجد في التسامح والاعتدال واحترام التنوع بعضًا من أعمق جذورها.
ولهذا لم تكن ليبراليتنا يومًا استنساخًا أعمى لتجربة غربية، ولا قطيعة مع هوية مصر، وإنما كانت بحثًا عن صيغة مصرية أصيلة تجمع الحرية بالمسؤولية، والحداثة بالجذور، والمواطنة بالمساواة، والدولة المدنية بالاحترام الكامل لضمير المجتمع وتاريخه.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لذكرى هذا الجيل ليس أن نكرر الحديث عن أمجاده، بل أن نعيد إلى الحياة السياسية بعضًا من تقاليده: احترام الرأي الآخر، والانحياز للدستور، والدفاع عن الحريات، والإيمان بأن مصر تتسع لجميع أبنائها.
إنني أتمنى للدكتور السيد البدوي، ولأعضاء الهيئة العليا والسكرتارية المنتخبين، ولجميع أبناء الوفد، أن يجعلوا من هذه المحطة بداية لتفاهم أوسع، ومصالحة تنظيمية حقيقية، وانطلاقة سياسية تتجاوز حدود المقر واللائحة والانتخابات.
وأتمنى أن تمتد الأيدي إلى الذين اختلفوا، وأن تُفتح الأبواب أمام الذين ابتعدوا، وأن يكون معيار الانتماء هو الإخلاص للمبادئ والعمل من أجلها، لا القرب من هذا الفريق أو ذاك.
فالتاريخ الوفدي أوسع من أن تحتكره جماعة، وأغنى من أن تختزله قيادة، وأكبر من أن تستهلكه خصومة عابرة.
والوفد الذي نريده ليس وفدًا بلا خلاف، بل وفدًا يعرف كيف يختلف دون أن ينقسم، وكيف يتنافس دون أن يتخاصم، وكيف ينتصر لمصر قبل أن ينتصر لأي قيادة أو قائمة.
وأقول في الختام، من موقع المحبة القديمة والوفاء الذي لم ينقطع، إن الوفد لا تنقصه الأوراق التي يراجعها، ولا اللوائح التي يعدلها، ولا الأسماء التي يتنافس بها؛ بقدر ما يحتاج إلى استعادة دوره في قلب السؤال الوطني الكبير.
مصر تحتاج إلى أحزاب حقيقية، لا إلى لافتات حزبية. تحتاج إلى معارضة مسؤولة، لا إلى خصومة عبثية. وتحتاج إلى ليبرالية وطنية تدافع عن الحرية باعتبارها شرطًا للتقدم، وعن العدالة باعتبارها ضمانة للاستقرار، وعن الديمقراطية باعتبارها حقًا للمصريين لا منحة من أحد.
وأتمنى ألا تكون هذه الانتخابات نهاية معركة داخلية، بل بداية معركة سياسية نبيلة، سلاحها الفكرة، وميدانها المجتمع، وغايتها استعادة الثقة في العمل الحزبي، وفي قدرة السياسة على أن تغير حياة الناس إلى الأفضل.
ولعل الوقت قد حان لكي يفرغ الوفد من ترتيب أوراقه، ليفتح من جديد ملفات مصر.
فالأحزاب العريقة لا يُقاس عمرها بعدد السنوات التي مرت عليها، بل بعدد المرات التي استطاعت فيها أن تجدد شبابها، وتستعيد رسالتها، وتنهض حين يحتاج إليها الوطن.
ويبقى رجائي أن يكون الوفد، كما عرفناه وأحببناه، أكبر من خلافاته، وأوفى لتاريخه، وأقرب إلى مستقبله.
وأن يعود الوفد إلى مصر، كما تعود مصر دائمًا إلى وجدان الوفديين؛ وطنًا أكبر من الأحزاب، وقضية أبقى من الأشخاص، وحلمًا لا يشيخ مهما تقدم بنا العمر.







