في سنوات الأسر الطويلة، لم يكن انشغالي بما يجري في مصر مقصورًا على قرارات الحكم أو تحركات الأجهزة أو أخبار المعارضة، بل كنت أحاول، بقدر ما تسمح به الصحف القليلة التي تصلنا والحوارات المتناثرة داخل السجن، أن أرسم خريطة للنخبة الثقافية والسياسية، وأن أميز بين من بقي محتفظًا بمسافة من السلطة تسمح له أن يرى وينقد، وبين من اقترب منها حتى اختلط صوته بصوتها، وأصبح من الصعب أن تعرف أين ينتهي رأي المثقف وأين تبدأ تعليمات النظام!

كان ذلك في نظري جزءًا من معركة الوعي؛ لأن السلطة لا تحكم بأجهزتها الأمنية وحدها، وإنما تحتاج دائمًا إلى من يصوغ لها الحجة، ويمنح قراراتها لغة مقبولة، ويحول القمع من ممارسة فجة إلى سياسة لها مسوغاتها ومصطلحاتها ونظرياتها.

وفي هذا السياق، استوقفني منذ وقت مبكر الدكتور علي الدين هلال، منذ المرحلة التي كان فيها عميدًا لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، قبل أن يزداد حضوره بعد ذلك في دوائر الحكم والحزب الوطني. لم أكن أعرف الرجل معرفة شخصية، ولم تكن بين يدي مادة تكفي لإصدار حكم قاطع عليه، لكنني كنت أراقب موقعه، وطبيعة علاقته بالسلطة، والمسافة التي تفصل الأستاذ الجامعي عن رجل النظام، وأتساءل: إلى أي مدى يستطيع أستاذ للعلوم السياسية أن يظل أمينًا للعلم إذا صار قريبًا جدًا ممن يصنعون السياسة؟ وهل تحمي المعرفة صاحبها من غواية السلطة، أم أن السلطة قد تستخدم المعرفة نفسها لتجميل ما لا يمكن تجميله؟

كان بعض زملائي أكثر تفاؤلًا مني. كانوا يرون أن الرجل صاحب تكوين أكاديمي، وأن احتكاكه بالجامعات الغربية وبمدارس الفكر السياسي المختلفة يمنحه قدرًا من الاستقلال، وأنه ربما يكون من أولئك الذين يدخلون إلى دوائر الحكم لكي يدفعوها نحو شيء من العقلانية والانفتاح السياسي. وكنت أتمنى أن يكونوا على صواب؛ فالمجتمع الذي يفقد استقلال مثقفيه، وخصوصًا أساتذة السياسة والقانون، يصبح أكثر عرضة لأن يُقدَّم له الاستبداد في عبوات علمية أنيقة، وأن يُطلب منه أن يقبل الاستثناء باعتباره ضرورة، والقمع باعتباره أمنًا، واحتكار السلطة باعتباره استقرارًا.

غير أن السنين كانت تكشف الصورة بالتدريج. لم يعد الأمر مجرد مشاركة في مؤسسة أو قرب من دائرة الحكم، وإنما توالت المواقف والتصريحات حتى بدا لي أن المسافة النقدية قد تقلصت إلى حد بعيد، وأن الرجل أصبح واحدًا من أبرز من يقدمون التفسير السياسي والفكري لسياسات النظام. وكان ما يلفتني أن الدفاع لم يكن يصدر عن رجل أمن يمكن أن نفهم طبيعة موقعه، وإنما عن أستاذ علوم سياسية يعرف، بحكم تخصصه، معنى تداول السلطة، وحرية التنظيم، والفصل بين السلطات، وحقوق المعارضة، وخطورة استمرار الاستثناءات عقودًا طويلة.

وهنا كانت المفارقة أشد إيلامًا. فرجل الأمن حين يدافع عن الطوارئ يدافع – في نهاية الأمر – عن الأداة التي يعمل بها، أما أستاذ العلوم السياسية حين يبررها فإنه يمنحها ما هو أخطر من القوة: يمنحها الشرعية الفكرية. وحين يقول الأكاديمي إن المجتمع غير مستعد للديمقراطية، أو إن تاريخه لم يعرفها، أو إن الإصلاح يجب أن ينتظر حتى تنضج شروطه التي لا تنضج أبدًا، فإنه لا يصف الواقع فقط، وإنما يسهم في إبقائه على حاله، ويحول علم السياسة من وسيلة لفهم السلطة وضبطها إلى وسيلة لتبرير إطلاق يدها.

وما كان يعنيني في هذه المتابعة لم يكن شخص علي الدين هلال وحده، بل الظاهرة التي يمثلها. فقد رأيت كيف استطاع نظام مبارك أن يمد خيوطه إلى داخل الجامعات ومراكز البحث ومؤسسات الثقافة والإعلام، وأن يستقطب أسماء كان يمكن أن تكون جزءًا من الضمير النقدي للمجتمع، فإذا ببعضها يتحول إلى جزء من البنية الدفاعية للنظام. كانت السلطة تدرك أن الهراوة وحدها لا تكفي، وأنها تحتاج بجوار ضابط الأمن إلى أستاذ الجامعة، وبجوار قرار الاعتقال إلى خبير يشرح لماذا كان القرار ضروريًا، وبجوار التزوير إلى من يحدث الناس عن «الاستقرار»، وبجوار استمرار الطوارئ إلى من يضع ذلك في إطار «خصوصية التجربة المصرية».

ومن داخل الزنزانة كنت أرى المفارقة أكثر حدة؛ لأننا كنا نعيش النتائج المباشرة لهذه السياسات. كنا نرى السجين الذي انتهى حكمه ولا يخرج، والمعتقل الذي لا يعرف جريمته، والأسرة التي تنتظر سنوات، ثم نقرأ في الصحف تحليلات أكاديمية تتحدث عن الاستقرار والإصلاح التدريجي وضرورات الأمن. وبين المشهدين كانت تتسع هوة مؤلمة: هوة بين المعرفة حين تكون بحثًا عن الحقيقة، والمعرفة حين تتحول إلى خدمة للسلطة.
وقد تعلمت من هذه التجربة أن أخطر ما يمكن أن يصيب المثقف ليس أن يخطئ في التقدير، فكل إنسان يخطئ، وإنما أن يفقد المسافة التي تمكنه من الاعتراف بالخطأ، وأن يصبح موقعه ومصالحه جزءًا من الطريقة التي يرى بها الحقيقة. عندها يبدأ بتفسير القرار، ثم ينتقل إلى الدفاع عنه، ثم لا يلبث أن يصبح جزءًا من صناعته، وهو في كل مرحلة يظن أنه لا يزال مجرد محلل مستقل.

ولذلك لم أعد أرى قضية استقلال المثقف ترفًا أخلاقيًا، بل شرطًا من شروط سلامة المجتمع. فالمثقف الذي يقترب من السلطة يمكنه أن ينصحها، وهذا مطلوب، لكنه إذا ذاب فيها فقد المجتمع إحدى أهم أدوات الحماية من تغولها. وأستاذ العلوم السياسية الذي لا يستطيع أن يقول للحاكم إن احتكار السياسة يفسدها، يصبح علمه أقل فائدة من بديهة مواطن بسيط يعرف بفطرته أن من يحكم بلا رقابة يطغى.

ولعل أكثر ما كان يؤلمني أن بعض هؤلاء لم يكونوا يجهلون الحقيقة، بل كانوا – في تقديري – أقدر من غيرهم على فهمها. كانوا يعرفون كيف تعمل النظم السلطوية، وكيف تُفرغ المؤسسات من مضمونها، وكيف تتحول الانتخابات إلى طقوس إذا غابت المنافسة الحقيقية، وكيف يصبح القانون أداة في يد السلطة إذا فقد القضاء استقلاله. ومن هنا كان انحيازهم أكثر خطورة؛ لأن الجهل قد يُعذر، أما المعرفة حين تُسخر لتبرير ما تعرف فساده، فإنها تتحول من قيمة إلى عبء.

وهكذا بقيت قصة الدكتور علي الدين هلال في ذهني جزءًا من سؤال أكبر ظل يرافقني طوال سنوات السجن: لماذا ينتقل بعض المثقفين من موقع الشاهد على السلطة إلى موقع الشاهد لها؟ وكيف يستطيع النظام أن يحول من يفترض أنهم أدوات كشفه إلى جزء من أدوات دفاعه؟ وكانت الإجابة التي استقرت عندي أن الاستبداد لا يكتمل حين يسيطر على الشارع وحده، بل حين ينجح في استعارة عقول بعض المثقفين وألسنتهم، فيصبح القمع «ضرورة»، والطوارئ «حماية»، والتأبيد «استقرارًا»، والتراجع «حكمة».

وعندها تكون خسارة المجتمع مزدوجة: سلطة لا تريد أن تسمع، ومثقف كان ينبغي أن يتكلم، فاختار أن يشرح للناس لماذا عليهم أن يصمتوا!